فـــــــاتن .. من وجع الحياة (بقلمى / رشا محمود)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشا محمود
    ملكة القصص
    • Nov 2005
    • 1626

    #61

    15


    طوال الأيام الباقية فى المهلة التى حددوها لى .. لم يبد على أمى أى تغيير .. لقد كانت متماسكة وتدفعنى دفعاً لتجهيز نفسى وحقائبى وكل ما سأصطحبه معى فى رحلة المجهول هذه .. لقد فاجأتنى حقاً .. لم أتخيل أنها ستتخذ هذا الموقف القوى فى مواجهة تلك التغييرات الجذرية فى حياتنا .. لا أصدق أنها بتلك القوة .. لقد ظننت طوال عمرى أننى أشبهها بالتأكيد وكنت أُرجع ضعفى فى مواجهة الآخرين لكونها وراثة منها .. ربما لكونى لا أذكر أبى كثيراً .. فقد توفاه الله وأنا صغيرة جداً .. وتكفلت أمى بتربيتى وحدها .. لقد واجهت الحياة وحيدة .. فكيف ظننتها ضعيفة .. يالى من حمقاء

    تتوالى الوفود من الجيران وأهل الحى لتوديعى قبل السفر .. إن لى شعبية كاسحة بينهم دون شك .. وهم يحبوننى بصدق .. ترى هل سأقابل مثل تلك القلوب الطيبة هناك؟ .. لا أدرى لم أظن أن الطيبون قد جمعوهم جميعاً فى حيّنا بينما ينتشر الأشرار وخبيثى النفوس خارجه .. تفكير طفولى بحت .. حيث يتمثل الأمان فى البيت فقط .. بينما تنتظرنا كل الأشياء المخيفة ما أن نخطو بضعة خطوات إلى الخارج .. يبدو أننى لم أنضج بعد وأحتاج إلى من يدفعنى لأكبر وأنفصل عن تلك الطفلة التى تسكننى

    ودعت إحدى الجارات على عتبة بيتنا وما أن ابتعدت حتى ظهر وجه حنين وهى تبتسم لى وتلوح بيدها
    - حنين .. تعال يا حبيبتى
    تعلقت برقبتى بيد واحدة وهى تقبلنى وتمسك بحرص علبة بيدها الأخرى
    دعوتها للداخل وجلست معها فقد اشتقت للحديث معها
    - كيف حالكِ يا حنين؟
    - الحمد لله يا طنط فاتن .. وأنتِ؟
    - أنا .... نعم أنا بخير حبيبتى
    - هل ستسافرين غداً؟
    - نعم سأسافر
    - سأشتاق إليكِ
    - وأنا أيضاً
    مدت يدها بالعلبة نحوى وهى تبتسم
    - ما هذه؟
    - إنها هدية
    نظرت لها فهزت رأسها وهى تدفع بالهدية بين يدى .. فتحتها ووجدت أنها لعبة موسيقية ما أن تفتح العلبة حتى تخرج منها دمية رقيقة ترقص على النغمات التى تخرج من العلبة
    - إنها جميلة جداً
    - حتى تذكرينى بها
    - وهل يمكن أن أنساكِ يا حنين أنتِ صديقتى
    - وأنتِ صديقتى أيضا

    نظرت نحوها قليلا ثم توجهت لحجرتى وأنا أخبرها أن تنتظرنى .. ثم عدت لى وأنا أحمل عروستى المفضلة التى تلازمنى منذ طفولتى وأعطيتها لها
    - تفضلى يا حنين
    - ما هذه؟
    - إنها هدية لكِ
    - لى أنا .. لماذا؟
    - حتى تذكرينى بها
    ضحكت فى سعادة وهى تحتضن العروسة المكتنزة وتقول
    - شكراً لكِ
    قلت لها مداعبة
    - انظرى كم أن عروستى مكتنزة وسمينة .. ودميتكِ تلك رشيقة ورقيقة جداً .. هل تريدين إثارة غيظى بتلك الدمية
    - ربما عندما تكبر ستكون ...
    - لا يا حنين لا أريدها أن تكون سمينة .. لن يمكنها الرقص على نغمات اللعبة مرة أخرى .. ستشعر بالخجل من نفسها كثيراً .. لن ترقص ثانية أبدا
    - حسناً لن تكون سمينة
    - هذا أفضل
    قامت ومنحتنى حضن كبير وهى تقول
    - سأفتقدكِ كثيراً
    - وأنا أيضاً يا حنين
    أوصلتها للباب وقبل أن تذهب استوقفتها
    - حنين .. لا تنس زيارة أمى من وقت لآخر
    - بالطبع .. لا تقلقى

    لوّحت لها بيدى وأغلقت الباب .. حسنا لابد لى من النوم مبكراً كما فعلت أمى .. فلدى يوم طويل فى الغد .. نظرت بمقت لحقائب السفر التى تنتصب بجوار فراشى .. وتوجهت للحمام الذى يجاور غرفة أمى الموصدة .. كان من الممكن أن أصدق كل شىء تفعله أمى لو لم أسمع نحيبها الخافت من خلف الباب .. عدت لغرفتى واستلقيت فى فراشى وشاركتها وجبتنا الأخيرة من الدموع .. تلك التى تتناولها كلاً منا سراً وحدها

    يُتبع
    إن شاء الله

    تعليق

    • رشا محمود
      ملكة القصص
      • Nov 2005
      • 1626

      #62

      16


      المطار

      آخر مكان كنت أتخيل أن تطأه قدمىّ يوما ما .. هذا المكان العجيب الذى يماثل فى أسطوريته كل الحكايات الخيالية التى قرأتها فى طفولتى .. لم أزره من قبل حتى فى أحلامى .. لا أصدق أننى أقف على أرضه وأنتظر أن أتركها لأحلّق على متن احدى طائراته بعيداً عن وطنى وأهلى .. وأمى

      لا أحد معى .. ودعتنى أمى على عتبة بيتنا .. وزفنى الجيران حتى سيارة الأجرة .. وها أنا هنا وحيدة لا شىء معى سوى حقائبى .. خوفى .. ودموعى التى ما أن حانت لها الفرصة حتى انهمرت كالشلال وقد تغرق هذا المطار بمن فيه لو لم أسيطر عليها جيداً

      نداء الطائرة الخاصة بى .. وبقدمين مرتعشتين توجهت نحو ذلك المجهول الذى سأطير إليه بجناحين من معدن

      ألقيت نظرة خلفى رغم كون ذلك المكان لا يمثل الكثير لى لكنى أشعر أننى أنظر لكل سنوات عمرى الماضية .. لكل ذكرياتى .. لكل ما أحببته .. وكل ما كرهته أيضاً .. سأفتقد كل شىء بشدة .. وداعاً يا وطنى

      ما أن استويت فى مقعدى على الطائرة حتى انتابنى شعور بالنعاس .. أنا أريد النوم بعمق .. لا أريد أن أرى الأرض من النافذة التى تجاورنى .. لا أريد أن أرى المبانى وهى تتقلص والأشياء التى تتقزم بارتفاعى عنها .. لا أريد أن أرى قطع السحاب .. ولا زرقة المياة من تلك المسافة .. لا أريد الاحساس بكونى أطير فعلاً .. أنا أريد الهرب من هذا كله .. أريد الذهاب لعالمى المفضل .. لدنيا أحلامى أنا .. لابد أنها سترافقنى أينما ذهبت .. ستأتى إلىّ حتى ولو كنت أسبح بين الغيوم .. أو أغوص فى مياة المحيط .. أو أتبعثر فى الفضاء الخارجى .. لن تتخلى عنى أبداً

      لاحت منى نظرة ناعسة نحو النافذة .. هل كانت تلك السحابة تشبه وجه أمى .. وهل كانت تلك الدموع تتساقط من عينيها أم عله المطر .. مطر أسود يحمل لون كحل عينىّ أمى حين يسيل على وجنتها .. لم أره قط من قرب .. كان مطرها لا يهطل بحضورى أبدا .. لقد رأيته خلسة عدة مرات ولن تخدعنى عينى .. السماء لا تمطر مطر أسود!

      لا أدرى ماذا حل بى؟ .. أنا أهذى يا أمى .. أريد النوم يا أمى ..أنا ...... أشعر بالبرد

      تثاقلت رأسى فأسندتها على حافة النافذة .. شعرت بحبات المطر على وجنتى قبل أن أغيب فى سواده

      فى مكان بعيد امتدت تمسح دموع عينيها وهى تشهق وقد تلطخ خدها المكتنز بالكحل الأسود وعيونها الدامعة تنظر للوجه البرىء الذى يضحك داخل إطار الصورة .. ضمت الصورة لصدرها ولسانها يلهج بالدعاء لوحيدتها وقلبها يكاد يفر من بين ضلوعها ليلحق بمحبوبته تلك التى تحلّق وحدها فى السماء!

      يُتبع
      إن شاء الله

      تعليق

      • ج ـسـوؤر الـفـن
        النجم البرونزي
        • Apr 2015
        • 780

        #63
        ياربي الفراق صعب والله :'(
        الله يصبرها ♥♥
        جميييلة رشو ♥♥♥♡♡
        ربي يحفظك♥♥

        تعليق

        • رشا محمود
          ملكة القصص
          • Nov 2005
          • 1626

          #64
          المشاركة الأصلية بواسطة ج ـسـوؤر الـفـن
          ياربي الفراق صعب والله :'(
          الله يصبرها ♥♥
          جميييلة رشو ♥♥♥♡♡
          ربي يحفظك♥♥
          شكرا لكِ غاليتى جسور الفن
          تسعدنى متابعتكِ
          تحيتى

          تعليق

          • رشا محمود
            ملكة القصص
            • Nov 2005
            • 1626

            #65
            المشاركة الأصلية بواسطة ج ـسـوؤر الـفـن
            ياربي الفراق صعب والله :'(
            الله يصبرها ♥♥
            جميييلة رشو ♥♥♥♡♡
            ربي يحفظك♥♥
            شكرا لكِ غاليتى جسور الفن
            تسعدنى متابعتكِ
            تحيتى

            تعليق

            • رشا محمود
              ملكة القصص
              • Nov 2005
              • 1626

              #66
              (17)


              ما هذا المكان؟

              الظلام يلف كل شىء .. أين أنا؟

              هناك بقعة ضوء .. ثم النور يغمر ما حولى .. أحاول أن أغمض عينى فلا أستطيع

              هناك ما يجذبنى لأنهض .. هناك موسيقى تنبعث من مكان ما .. وأنا بلا إرادة منى أدور معها .. أنا لا أملك السيطرة على جسدى .. فقط أتحرك تلقائياً مع نغمات الموسيقى .. أنا لا أفهم .. ما الذى يحدث؟

              هناك صوت ما يقترب .. أرى وجه أعرفه .. إنها حنين .. تنظر لى وتبتسم .. حاولت أن أسألها عما يحدث .. فلا يخرج صوتى .. يا إلهى .. أشعر بها تحملنى وتتحرك بى .. تضعنى أمام المرآة .. الموسيقى تنساب وأنا أدور بلا توقف .. لكنى رأيت صورتى فى المرآة .. إنها هى .. بل هى أنا .. كيف هذا؟

              أنا دمية صندوق الموسيقى ؟!!
              حنين .. إنه أنا فاتن .. ألا تعرفينى .. ما الذى جاء بى هنا .. حنين .. أنا لا أفهم شىء؟

              مدت حنين يدها لغطاء الصندوق .. وببطء الغطاء يقترب ويحجب وجه حنين .. والظلام يعود ليلفنى وليكتم صرخاتى الصماء .. حنين انتظرى لا تذهبى .. لا تتركينى هنا .. أنا .. أنا لست دمية .. أنا فاتن .. فاااااااتن

              وعاد الصندوق لينغلق ويدفننى داخله .. لقد حُبست روحى داخل دمية .. كيف هذا؟ .. أين أنا .. أين جسدى .. هل سأظل هنا للأبد .. صرخت بلا صوت

              حنين .. أخرجينى من هنا أرجوكِ .. أريد العودة لجسدى .. لا تتركينى هنا ... لااااااا

              - لاااااااااااااااا

              انتفض جسدى بشدة .. هناك يد تربت على كتفى .. فتحت عينى وأنا مازلت انتفض وكل خلية فىّ ترتعش .. طالعنى وجه رقيق .. لوهلة ظننتها حنين .. أمسكت بها وأنا أردد

              - أخرجينى من هنا يا حنين .. أرجوكِ أخرجينى من هنا
              - اهدئى يا آنسة

              نظرت لها فى بلاهة .. انها ليست حنين .. أين حنين؟ .. أين صندوق الموسيقى؟ .. لقد كانت حنين هنا .. وأنا كنت أرقص .. كنت دمية .. مجرد دمية صماء .. لقد اختفى جسدى .. أين فاتن .. كانت هنا معى .. من أخذها منى وحبسنى فى الدمية .. من؟

              - اهدئى .. لقد كان مجرد حلم

              ناولتنى كوب من الماء .. تناولته منها وأنا لا أستوعب .. نظرت ليدى .. لقد انصاعت لإرادتى .. إنها تتحرك بأمرى .. نظرت لجسدى .. إنه هنا .. تلك هى المرة الأولى التى أشعر فيها بالسعادة لرؤيته .. تحسسته فى شك .. إنه هنا بالفعل .. لقد كان حلم .. بل كابوس .. كابوس بشع

              جرعت كوب الماء .. وتمتمت بكلمات غير مفهومة للمضيفة الحسناء فيما معناه أننى أصبحت بخير الآن .. ربتت على كتفى وانصرفت .. لابد أننى أزعجت كل من بالطائرة .. ما الذى حدث؟ .. حتى أنتِ يا أحلامى .. تلك هى المرة الأولى التى تهدينى فيها كابوساً .. ماذا فعلت لكِ .. أنا لا أحتمل .. يكفى ما أنا فيه .. لا تقسى علىّ مجدداً

              أغمضت عينى وتنهدت فى راحة .. ربما نحن لا نقدر ما نحن فيه حتى نخسره .. نحن تغمرنا النعم دون أن نشعر بها .. يكفى أن نكون أحياء وبخير وبصحة جيدة .. أن ينصاع جسدك لأوامرك .. أن تطيعك يدك وقدمك وتتمتع بكل حواسك وأن يمكنك التعبير عن نفسك .. فالحمد لله على نعمه

              فتحت عينى ونظرت للنافذة .. ربما كان من الأفضل النظر من النافذة .. لكنى لم أحتمل .. نظرت أمامى كانت طفلة جميلة هناك تجلس فى مقعدها وهى تلهو بدمية صغيرة .. نظرت للدمية برعب .. لملامحها الجامدة الساكنة التى لا تشف عن شىء وقد لاح لى خاطر مخيف

              هل هناك من أحد يصرخ ويستنجد داخلها لنخلصه؟

              يُتبع
              إن شاء الله

              تعليق

              • ج ـسـوؤر الـفـن
                النجم البرونزي
                • Apr 2015
                • 780

                #67
                هههههههههههههه ياقلبي عليها
                بس والله بدأ الحماس ^^
                ننتظر الباقي لا تتأخري علينا♥♥

                تعليق

                • رشا محمود
                  ملكة القصص
                  • Nov 2005
                  • 1626

                  #68
                  المشاركة الأصلية بواسطة ج ـسـوؤر الـفـن
                  هههههههههههههه ياقلبي عليها
                  بس والله بدأ الحماس ^^
                  ننتظر الباقي لا تتأخري علينا♥♥
                  تسلميلى حبيبتى جسور الفن
                  ودمتى بكل الخير

                  تعليق

                  • رشا محمود
                    ملكة القصص
                    • Nov 2005
                    • 1626

                    #69

                    18


                    وصلت الطائرة أخيراً .. أظنها استغرقت أكثر من سنوات عمرى الماضية بالكامل .. المهم أننى هبطت أخيراً على أرض ثابتة .. بذات الخوف وذات رعشة الأطراف وربما ازدادت حالتى سوء وخشيت أن ينتبه الناس لكونى أرتجف كطفلة صغيرة أضاعت أمها فى الزحام .. المكان مزدحم بالفعل .. وأنا أشعر بالضياع .. لكنى للأسف لست طفلة يمكنها ببساطة أن تبكى وتصرخ فتمتد لها ألف يد لتساعدها .. ذلك الكيان الكبير بل الضخم الذى أسكنه لا يحق له أن يفعل ذلك أبداً .. أنهيت الإجراءات الروتينية بمعجزة ما دون أن أفقد وعيى من شدة التوتر .. وما أن ابتعدت خطوات حتى وقع نظرى على لافتة أنيقة تحمل حروف اسمى كاملة .. اقتربت منها وحملقت فيها للحظات قبل أن يظهر وجه فتاة رقيقة من خلف اللافتة وهى تبتسم لى وتقول
                    - آنسة فاتن؟
                    هززت رأسى بصمت
                    - تفضلى معى
                    تبعتها دون تفكير فقد بدت لى كطوق نجاة فى وسط أمواج ثائرة .. لم أكن أعرف كيف سأتصرف بعد وصولى إلى هنا .. فى الخارج كانت هناك سيارة أنيقة ولامعة .. بدت لى فاخرة ولم أكن أتخيل أننى سأركب مثلها فى حياتى كلها .. وهناك سائق مهندم أيضاً .. ركبت فى مقعدها الخلفى وأنا أحاول أن أخفى انبهارى .. كانت مريحة ومكيفة .. جلست الفتاة بجوارى والابتسامة لا تفارقها .. نظرت لأسنانها اللامعة كحبات اللؤلؤ وأنا أفكر كيف تبدو أسنانى أنا .. حسنا أنا لا أذكر أننى اهتممت بتفحصها من قبل لذا علىّ ألا أبتسم الآن .. لن أبتسم أبداً
                    - حمد لله على سلامتك
                    ابتسمت بتلقائية .. ثم تذكرت فابتلعت ابتسامتى وأنا أهز رأسى .. ستظننى بكماء إذا بقيت هكذا أرد عليها بالإيماءات .. علىّ أن أتحدث إليها على الأقل
                    - سلّمك الله
                    - أنا رانيا .. تشرفت بمعرفتكِ
                    - أهلاً رانيا .. شكراً لكِ
                    - سنذهب الآن لمقر الشركة حيث ستتسلمين عملكِ الجديد ثم سأصحبكِ بعدها لمكان السكن الملحق بالشركة .. أتمنى أن تجديه مريحاً
                    - هل هناك الكثير من المغتربين هنا؟
                    - نعم هناك أسر كاملة تسكن هناك .. لن تكونى وحدكِ اطمئنى

                    تنهدت وأنا أفكر أن الراحة والاطمئنان أبعد ما يكونا عنى الآن .. التفت نحو النافذة وتأملت ذلك البلد البعيد عن وطنى .. كان متأنقاً بشدة .. الشوارع شديدة النظافة .. المحال تصطف فى أناقة .. لا تكاد تلمح كائن ما فى الطريق .. لا شىء سوى سيارات فارهة تشق الطرقات .. كل يعرف وجهته جيداً .. لن تجد أحد هنا يتوقف ويفتح زجاج سيارته ليسأل قائد سيارة مجاورة عن عنوان ما .. لن تجد طفلا يدق نافذتك ليبيعك مناديل ورقية .. أو أطواق من الفل والياسمين .. لن تجد رجلا بهتف بأسماء الجرائد اليومية والمجلات .. لن تجد حافلة ما تتوقف فى وسط الطريق لتُنزل راكباً فيصرخ قائد سيارة ما بسائق الحافلة لأنه كاد أن يصطدم به .. لن تجد عربات تبيع البطاطا الساخنة ولا الذرة المشوى .. لن تجد زحاماً .. البشر هم الحياة .. و البشرهنا لا يظهرون فى الطرقات عادة .. ربما كانت الحياة هنا أكثر هدوء وتنظيماً .. لكن لا يمكن أن تطلب ممن عاش حياته فى تلك الألفة وذلك التلاحم الغير عادى أن يتأقلم سريعاً هنا

                    أخذتنى أفكارى ولم يقطعها اهتزاز السيارة اللطيف الذى اعتدته .. ذلك الذى كان يرطمنى بالسقف تارة .. وبزجاج النافذة تارة .. وربما أسقطنى على من يجاورنى تارة ثالثة .. اننى حتى لم أشعر بحركة السيارة من البداية .. فقط نبهتنى رانيا أننا وصلنا .. حقاً بتلك السلاسة وذلك الوقت القياسى .. كيف هذا؟ .. كيف يمكنكم الذهاب للعمل دون أن تشعروا بلذة العناء من أجل لقمة العيش .. ودون أن تسقط قطرة عرق واحدة على جبينكم .. ودون أن يفسد مظهركم وتتجعد ملابسكم وتتسخ أحذيتكم .. كيف تتحملون تلك الحياة الناعمة أكثر من اللازم

                    ابتلعت أفكارى ونزلت من السيارة لأواجه ذلك المبنى الذى ادعوا كذباً أنه فرع من شركتنا .. ذلك المبنى الفاخر لا يمكن أن يكون سوى سفارة دولة أجنبية أو عله مبنى منظمة دولية عالمية .. أى شىء آخر سوى أن يكون مكان أعمل بداخله .. يالها من ورطة

                    - هيا يا آنسة فاتن .. تفضلى
                    التفت خلفى ونظرت لنفسى فى زجاج السيارة اللامع كالمرآة .. وجهى يبدو ممتقعاً بينما يظهر من خلف رأسى هذا المبنى الرائع متألقا بشدة .. المقارنة مؤسفة للغاية .. أغمضت عينى وازداد خفقان قلبى .. يا إلهى .. ما الذى أفعله هنا؟ .. أعيدونى لموطنى أرجوكم .. هذا المكان لا يناسبنى أبداً

                    يُتبع
                    إن شاء الله

                    تعليق

                    • انوار الليل
                      نجمة الكروشية المبدعة
                      • Sep 2005
                      • 2747

                      #70
                      ايوه كده رشروشه
                      حلو جدا الجزء والاحلى انه قريب من الي سبقه
                      كتير بنشتاق لفاتن وما بنحبها تغيب
                      تسلم ايدك
                      وفي انتظار ما تخبئ لها الايام
                      دمتي بود

                      تعليق

                      • رشا محمود
                        ملكة القصص
                        • Nov 2005
                        • 1626

                        #71
                        المشاركة الأصلية بواسطة انوار الليل
                        ايوه كده رشروشه
                        حلو جدا الجزء والاحلى انه قريب من الي سبقه
                        كتير بنشتاق لفاتن وما بنحبها تغيب
                        تسلم ايدك
                        وفي انتظار ما تخبئ لها الايام
                        دمتي بود
                        شكرا لكلامك الجميل حبيبتى أنوار الليل
                        تسلمى

                        تعليق

                        • رشا محمود
                          ملكة القصص
                          • Nov 2005
                          • 1626

                          #72

                          19


                          استغرق الأمر بضع دقائق حتى تمكنت من استعمال قدمىّ للتحرك خلف خطوات رانيا إلى داخل المبنى الفاخر

                          أعترف أن لدى رهاب كبير من الأماكن الفاخرة .. تلك التى تتألق بشدة وتكاد تشع بريقاً .. تلك التى تُشعرك باستمرار بكونك متواضعاً أكثر من اللازم مهما كان يبدو مظهرك .. جمال الأماكن وروعتها ستفوق كل محاولاتك ليبدو مظهرك لائقاٍ بها .. إنها تتحداك بالفعل .. ومن قال أننى على قدر هذا التحدى .. أنا أخشى تلك المقارنة المؤلمة .. ولا أريد أن أكون طرفاً فيها

                          أنا أحب البساطة فى كل شىء .. تؤنسنى الأماكن التى لا تتكلف ولا تضع المكياج لتبدو متألقة .. أحبها طبيعية وتشبهنى .. تتسع لى وتبتسم فى وجهى .. تتربع فوق أريكة بسيطة وتدعونى للجلوس بجوارها .. تُشعرنى بالألفة وتجعلنى لا أريد الرحيل عنها .. تلك التى تشبه غرفتى الصغيرة .. مكتبى القديم .. وحضن أمى!

                          أما تلك الفاخرة أراها بعين خيالى تشيح بوجهها عنى وترفع أنفها باستنكار لتلك التى تجرؤ على الوجود بها .. اتنفس هوائها المكيف وأخطو على أرضياتها اللامعة .. من تكون فاتن ابنة الحى الشعبى البسيط الطيب .. تلك التى كانت تظن أن (المول) التجارى الذى يقطن الطريق المؤدى لعملها هو أكثر الأماكن التى تبعث على الدهشة والإعجاب

                          كل هذا لا يناسبنى .. لقد بدأت مأساتى بالفعل .. فلتعيننى يا الله

                          كانت عيناى تتجول فى أطراف المكان برعب حاولت إخفاؤه ورانيا تثرثر جوارى عن المكاتب التى نمر بها تباعا وعن أقسام الشركة وموظفيها حتى توقفت أمام مكتب مغلق ومدت يدها لمقبض الباب وفتحته وهى تردد مبتسمة
                          - مرحبا بكِ فى مكتبكِ آنسة فاتن
                          انفتح الباب ليكشف ما خلفه ببطء .. كتمت شهقة انبهار كادت أن تفلت منى .. هذا المكتب الفخم لا يمكن أن يخصنى بأى حال .. استدرت نحو رانيا فى محاولة منى لاقناعها بكونى مجرد موظفة بسيطة وربما تكون أخطأت هى فى المكتب الخاص بى واختلط عليها الأمر .. وربما كانت تلك الكلمات ترتسم على وجهى بالفعل فقد قالت لى قبل أن أخبرها بما يدور فى عقلى
                          - هذا هو مكتبكِ بالفعل آنسة فاتن .. فقد تمت ترقيتكِ عن وظيفتكِ التى عملتى بها فى القاهرة
                          تمتمت بلا صوت تقريباً
                          - لكن أنا لم .....
                          - تفضلى آنسة فاتن .. مكتبكِ ينتظركِ
                          دخلت بخطوات مرتجفة يخفيها فستانى الواسع جداً الذى ابتعته مؤخراً وتمنيت ألا أنكفىء على وجهى من شدة الارتباك كما هى عادتى .. كان المكتب رائع بالفعل .. لقد كان أكثر جمالا من مكتب مديرى .. بل لا يمكن مقارنته بمكتبه أبداً .. أنا لا أصدق .. ماذا فعلت أنا لأستحق كل هذا .. أنا مجرد موظفة عادية .. لا أملك من الكفاءة ما يؤهلنى لهذا المنصب الجديد الذى يربكنى مسماه الوظيفى .. أنا لا أفهم شيئاً .. أنا لا أفهــ......
                          قطع صوت أفكارى فى رأسى تلك الصورة التى اصطدمت عيناى بها .. صورة كبيرة لامعة تكاد تشع نوراً من وجه صاحبها ومن ابتسامته التى تشبه شعاع الشمس .. تلك التى افتقدتها كثيراً جداً
                          إنه الغريب
                          ما الذى تفعله صورته هنا .. وهل تعلق الشركة صور مديريها فى مكاتب الموظفين .. ما هذا التقليد الغريب؟
                          ووجدتنى أسأل رانيا بتلقائية
                          - من هذا؟
                          نظرت نحوى بدهشة للحظات قبل أن تقول
                          - وهل عملتى طوال تلك الفترة فى القاهرة دون أن تعرفى صاحب الشركة
                          - ولم يعنينى معرفة صاحب الشركة؟ .. أنا لم أره من قبل .. ثم أنا أسألك عن صاحب تلك الصورة
                          - وأنا أحدثكِ عن الشخص نفسه .. هذا هو مدير شركتنا
                          - ماذا؟
                          - نعم لم أنتِ مندهشة؟
                          - لا .. لكنى رأيته فى القاهرة .. وأظنه كان مديراً فى الشركة الأم وليس صاحب الشركة
                          ابتسمت بفهم وقالت
                          - هو رجل عملى ويهتم بتفاصيل عمله والتعرف إلى موظفيه فى فروع الشركة المنتشرة فى عدة دول .. وتقييم أداؤهم بنفسه .. لذلك هو شخص ناجح جداً والجميع يكن له كل احترام وتقدير

                          كنت أسمع كلامها وعينى تعانق ملامحه بذهول وعقلى يجلس متربعاً وقد ربط رأسه بمنديل من شدة الإرهاق وفمى مفتوح ببلاهة ويكاد اللعاب يسيل منه .. أنا لم أعد أفهم شيئاً .. من هذا الرجل .. وما الذى يفعله بى؟ .. من أين أتى؟ .. من عالم الأحلام .. أم من السماء .. أم من باطن الأرض .. ما الذى يريده منى؟ .. ولماذا جاء بى إلى هنا؟

                          - آنسة فاتن هل أنتِ بخير؟
                          - ........
                          - آنسة فاتن
                          - .......
                          أفقت على يد تهزنى برفق .. نفضت رأسى ونهرت عقلى ليعود للعمل صاغراً ومددت يدى لأغلق فمى ثم ابتسمت لها فى بلاهة وهززت رأسى بلا معنى فبادلتنى الابتسامة قبل أن تخرج من المكتب وتتركنى وحدى مع صورة الغريب الذى لم أعرف حتى اسمه

                          هل سيسوء الأمر أكثر لو انفجرت فى البكاء الآن؟
                          لا أظن أن هناك ما هو أسوأ
                          لا أظن أبداً

                          يُتبع
                          إن شاء الله

                          تعليق

                          • ج ـسـوؤر الـفـن
                            النجم البرونزي
                            • Apr 2015
                            • 780

                            #73

                            .
                            متشوقة للتكملة بحماااااس
                            ♥♥♥♡♡♡

                            تعليق

                            • رشا محمود
                              ملكة القصص
                              • Nov 2005
                              • 1626

                              #74
                              المشاركة الأصلية بواسطة ج ـسـوؤر الـفـن

                              .
                              متشوقة للتكملة بحماااااس
                              ♥♥♥♡♡♡
                              منورة حبيبتى وتسلمى يا رب

                              تعليق

                              • رشا محمود
                                ملكة القصص
                                • Nov 2005
                                • 1626

                                #75

                                20


                                وحدى فى السكن الذى تم تخصيصه لى .. مازالت حالة الذهول ترافقنى .. ومازال عقلى مرهقاً بشدة من كثرة التفكير الذى لا يصل إلى نتيجة .. لابد أن أتوقف عن اعتصار عقلى المسكين حتى لا يُجن

                                رتبت ملابسى فى الخزانة ومددت يدى فى جانب الحقيبة وأخرجت العلبة الصغيرة .. وضعتها على المائدة وجلست أمامها .. فتحتها فخرجت الدمية الجميلة لترقص وترقص .. تأملتها وشعرت بالشفقة عليها .. وحدها فى الظلام طول الوقت .. وحين تخرج تظل تدور وتدور دون توقف .. لا راحة أبداً فى كلا الحالتين .. لابد من حل لتلك المسكينة .. قلبت العلبة وبحثت عن ذلك الشىء الذى يجبرها على التحرك دون توقف حتى وجدته .. قمت بنزعه منها وأعدت العلبة كما كانت .. ظلت العلبة مفتوحة والدمية خارجها لكنها توقفت عن الحركة .. هى لم تعد محبوسة فى الظلام .. ولم تعد مضطرة للرقص لكل من يحررها من الصندوق .. هى الآن حرة .. لن أعيدها للداخل مرة أخرى .. أظنها سعيدة الآن

                                الأسر شعور بشع .. أن تُرغم على ما لا تريد وما لا تحب .. ألا تملك إرادتك .. ألا يكون قراركِ نابعاً من داخلك
                                هذا هو ذات شعورى الآن .. أشعر أننى أسيرة هذا المكان .. ولا يمكننى أن أهرب منه وأعود لموطنى كما أحلم الآن .. وذلك الغريب هو الذى وضعنى داخل الصندوق المظلم
                                المخيف لسبب لا أعرفه

                                ربما علىّ مواجهة الأمر .. أنا هنا وحدى .. لا أحد أختبىء خلفه .. لا أحد يُشعرنى بالأمان معه .. وهذا وضع لم أختبره من قبل .. لقد كانت أمى هناك طول الوقت .. والآن لا أحد معى .. شعور مخيف حقاً .. أنا أفتقد أمى بشدة .. وكأنى لم أرها منذ دهور

                                أمسكت بهاتفى واتصلت بها .. دقات الهاتف الرتيبة تسابقها دقات قلبى حتى وصل صوتها الحبيب إلى مسامعى
                                - فاتن حبيبتى كيف حالك؟
                                - أنا بخير يا أمى .. ماذا عنكِ حبيبتى؟
                                - ها .. أنا بخير يا فاتن .. وأتابع المسلسل الآن .. ويمكن أن أحكى لكِ ما فاتك
                                ابتسمت بمرارة
                                - نعم يا أمى يجب أن تخبرينى بكل شىء كما لو كنت معك
                                - حسناً يا ابنتى أعدى كوب الشاى واجلسى على أكثر المقاعد راحة .. ستشعرين أنى جوارك
                                - ليتكِ جوارى يا أمى أنا أحتاجكِ كثيراً
                                - أنا بقربك يا ابنتى .. متى ما أردتِ حدثينى .. وقلبى هناك يرافقكِ منذ سفرك .. لا تخافى يا حبيبتى وكونى فاتن التى أفخر بها دوماً
                                - حاضر يا أمى سأجعلكِ تفخرين بى
                                - هل تناولتى طعامكِ؟
                                تذكرت الآن فقط أننى لم أتناول شىء منذ وصولى إلى هنا
                                - ليس بعد يا أمى
                                شهقت وهى تقول
                                - لا يا ابنتى لا تبدأى فى إهمال نفسك من الآن .. لابد أن تتناولى طعامكِ
                                - حاضر يا أمى
                                - هيا اذهبى الآن يا ابنتى واهتمى بنفسك
                                - مع السلامة يا أمى
                                - مع السلامة

                                علق الهاتف فى يدى للحظات والدموع تنساب من عينى .. لا أعرف حقاً كيف سأعيش دون أمى .. قمت بآلية ودخلت المطبخ بحثت بين الأغراض عن الشاى والسكر .. وملأت الإبريق بالماء .. وأعددت كوب الشاى .. ثم خرجت وبحثت عن أكثر المقاعد راحة .. كانت هناك تلك الأريكة .. وجدتها مناسبة .. تربعت فوقها وأمسكت بجهاز التحكم .. كان التلفاز يعمل جيداً .. بحثت عن محطة بعينها حنى وجدتها .. كان المسلسل الذى تتابعه أمى يُعرض الأن .. تابعته فى لهفة وقد شعرت بألفة إلى حد ما .. ارتشفت الشاى وأنا أندمج تدريجياً مع الأحداث .. ووجدتنى أصرخ فجأة
                                - أرأيتى يا أمى ذلك الرجل أليس هو الــــ ........

                                قطعت كلماتى وأنا أتلفت حولى لأجدنى وحدى تماماً .. أمى ليست هنا .. تحسست مكانها الفارغ .. وأغمضت عينى بألم .. لابد أن أتعود على ذلك الوضع .. سيستغرق الأمر وقتاً أعرف ذلك .. أعرف ذلك

                                كان هذا ما كان يدور بعقلى حتى وأنا استسلم للنوم بعد يوم مرهق وبدون طعام والغريب أننى لا أشعر بالجوع ..
                                احتضنت ذلك الجلباب الذى سرقته من خزانة أمى قبل سفرى والذى تعلق به رائحتها الحبيبة .. ذلك الجلباب هو ما سيؤنسنى فى غربتى .. قبلته وأنا أردد
                                - تصبحين على خير يا أمى

                                يُتبع
                                إن شاء الله

                                تعليق

                                يعمل...