فـــــــاتن .. من وجع الحياة (بقلمى / رشا محمود)
تقليص
X
-
(5)
- طنط فاتن
قالتها بسعادة ابنة جارتنا وهى تهلل وتقفز وتستقبلنى استقبال الفاتحين .. ابتسمت لها وجلست جوارها على عتبة باب البناية القديمة وأخرجت ما فى حقيبتى من حلوى لنقتسمها سويا كالعادة .. كانت السعادة تتراقص فى عينيها .. كنت استمتع برفقتها حقاً .. لا أصدق من الأطفال .. لا أكثر نقاء وبراءة منهم .. إنهم يصادقونك فقط لأنهم يرغبون بذلك .. لأنهم يحبونك بحق
آه يا صغيرتى لولا ما يباعد بيننا من سنوات وعدد مفزع من الكيلوجرامات الزائدة لقمت بالعدو معكِ فى جنبات الحى ولقفزنا سويا فوق مربعات الطبشور ولتسابقنا نحو عربة المثلجات ولتحلقنا حول بائع غزل البنات ولجلسنا نلعب بالعرائس القماشية ولاستمعنا لحكايات الجارة العجوز التى تحفظ كل الحكايا المرعبة فنرتجف ونعدو لصدور أمهاتنا لنغفو هناك بأمان
لو أن الأمنيات المستحيلة تتحقق
لأنبتت ضحكاتنا الورود فى الشرفات ولتسابق الياسمين لينعقد أطواقاً حول أعناقنا ولأشرقت للمعة عيوننا شمساً ثانية
آه يا صغيرتى
لقد مضى هذا الزمن من دونى لقد ترك روحى هناك طفلة وجر جسدى بيده ليكبر ويكبر ويكبر حتى لم يعد يناسب روحى .. أنا تائهة فى هذا الجسد الكبير .. أنا أهرول فيه مذعورة كل يوم .. لقد حبسنى أحدهم ها هنا ولا أعرف للخروج سبيل .. أنا سجينة هنا يا صغيرتى .. وتلك الطفلة داخلى تنتحب .. اسمع بكاؤها كل ليلة .. وليس بيدى شىء .. ليت بإمكانى دفع السنوات للوراء .. ويعود جسدى صغيراً ليناسبها .. وليزيح هذا الثقل من فوقى ..
تنهدت بيأس وأنا انظر لها وهى تحكى وتحكى وأنا لا أسمع حرفاً .. ثم قامت بخفة وودعتنى بيدها وهى تعدو مع رفيقتيها الصغيرتين .. ثلاثة أزواج من الضفائر ذات الشرائط الملونة تتطاير برقة .. ويتطاير قلبى معهم حنيناً لتلك الأيام التى كانت
يُتبع
إن شاء اللهتعليق
-
(6)
بفم ملطخ ببقايا الشيكولاتة جلست أتابع ذلك الفيلم الكلاسيكى الهادئ .. حيث كل الرجال مهندمين بكامل أناقتهم وأحذيتهم أكثر لمعاناً من المرآة .. وخصلات شعرهم لم تتعلم قط كيف يكون التبعثر .. وكل الفتيات جميلات رقيقات ذوات خصور نحيلة يلتف حولها حزام رقيق يمكنه أن يلتف بذات الإنسيابية حول معصمى إن قبل هو بذلك .. الحق أننى شاهدت عدة إصدارات قديمة من مايا .. لابد أنها استنساخ إحداهن دون شك .. لماذا تطاردنى بتلك الاستماتة .. ما الذى تريده منى؟ .. أنا لا أفهم أبداً .. لا يمكن أن أتركها فى العمل نهاراً .. فتعود لتقفز أمامى فى شاشة التلفاز ليلاً .. هذا كثير .. كثيراً جداً
*****
الكعب العالى ثانية
لكنه تلك المرة يسكن قدمىّ بمعجزة ما
أنا فى حفل كبير أرتدى ملابس سهرة لا أعرف كيف تبدو علىّ .. كل ما أعرفه أننى خائفة وقلبى يرتجف
ما الذى آتى بى إلى هنا؟
عيون كثيرة .. كلها تتطلع بى .. هذا هو أكثر شىء يثير رعبى .. أفضل أن أجالس بضعة حيوانات مفترسة داخل قفص مغلق على أن أكون فى مكان ما وسط هذا الكم من العيون الفضولية التى تخترقنى كطلقات الرصاص بلا رحمة
ما الذى يحدث؟
لم أحضر حفل ما من قبل
وخاصة حفل كبير بكل تلك الفخامة التى تحيط به
كل شىء هنا يلمع بشدة ويتباهى بروعته
حتى أن للجمال هنا رائحة رائعة لم تمر علىّ من قبل
رائحة لا تجدها فى الحى القديم ولا وسائل المواصلات ولا مكتبى المتواضع ولا فى أى مكان وطأته قدمىّ من قبل
قدمىّ والكعب العالى لا أصدق حقاً أننى أرتفع عن الأرض عدة سنتيمترات وأقف بثبات دون أن تميد الأرض بى وأنكفىء على وجهى كما هى العادة
كنت أتأمل الحذاء الرائع اللامع كحذاء سندريلا قبل أن ألحظ تلك اليد التى تمتد نحوى بأناقة .. رفعت عينى لصاحبها الذى يقف أمامى وعلى وجهه ابتسامة مشرقة .. وجه مألوف عرفت وقتها أننى أحلم .. هذا الوجه لا يزورنى إلا فى أحلامى .. وما المشكلة فلأستمتع بالحلم حتى النهاية .. إن الأحلام هى الهدية التى تمن علىّ بها الحياة التى لا ترينى منها فى الواقع غير وجوهها القبيحة واحداً تلو الآخر كل يوم .. لكنها تدخر لى بعض السعادة فى الأحلام التى يزورنى فيها ذلك الغريب
بالطبع الشخص الوسيم الذى يمكنه النظر لى بتلك النظرة ومنحى تلك الابتسامة الرائعة لا يمكن أن يكون سوى حلم .. حلم فقط
ودون أن أقابل الساحرة الطيبة وجدت نفسى فى حفل الأمير
إحساس الأنثى الجميلة الرقيقة التى يُنظر لها بإعجاب لم أختبره سوى الآن
ترى هل رفق الحلم بى وصورنى بصورة أخرى غير التى أنا عليها فى الواقع
هل أبدو فى عينىّ الغريب الوسيم بتلك الروعة حقاً
هل ......
كانت الأفكار ترقص برأسى كما أرقص الآن ببراعة والحذاء الرائع يدور ويدور مع انسياب موسيقى حالمة من مكان ما .. أنا لا أخاف من العيون التى تتطلع بى .. أنا لا أرتعب من فكرة أن أسقط بينهم الآن .. أنا لا أريد الهرب أبداً .. حتى أننى لا أشعر بالجوع! .. أنا فقط أشعر بالسعادة .. والسعادة فقط
ليت فى هذا المكان مرآة ما .. أريد أن أرانى .. هل أبدو حقاً كسندريلا فى حفل الأمير .. هل كانت تلك السعادة تلفها كما تفعل بى الآن .. لقد علمت لم نست موعد الثانية عشر .. من يهتم لأمر الساعة المقيتة وهو يبحر فى أمواج من السعادة ويتذوق طعمها للمرة الأولى .. أنا فقط أريد أن أدور وأدور وأدور بلا توقف و ........
وجاءت السقطة أخيراً
شهقت بفزع وأنا أنظر حولى .. التلفاز والأريكة وأنا على الأرض .. حسناً لقد انتهى الحلم
وداعاً أيها الأمير
يُتبع
إن شاء اللهتعليق
-
-
-
-
(7)
نظرت لساعة يدى بتوتر لقد تأخرت عن عملى .. حتى أنه لم يكن هناك من وقت لأعد فيه شطائرى .. لقد خرجت من البيت بلا طعام ياللكارثة
سيكون هذا اليوم هو أكثر الأيام سواداً منذ مولدى
كم يجعلنى الجوع عصبية ولا أُطاق أبداً .. دعوت الله ألا أقابل مديرى اليوم حتى لا يقوم بطردى من العمل .. حسناً فليحاول وسأقوم بالتهام ذراعه عوضاً عن فطورى الحبيب
وصلت مكتبى وقمت بقذف حقيبتى فوقه بغل .. ما الذى كان سيحدث لو كنت أخذت اليوم إجازة بدلاً من هذا العذاب؟ .. هل كان سيختل نظام الكون لأن فاتن لم تذهب للعمل ليوم واحد .. ما الذى آتى بى اليوم هنا ومن دون طعام؟ .. كنت أقطع المكتب فى خطوتين غاضبتين ذهاب وعودة وأنا أكاد أبكى قهراً كطفل سرق منه زملائه شطائرة الصباحية .. رحمتك بى يا الله
للمرة الخمسون أحاول كتابة هذا الخطاب الرسمى دون فائدة .. أنا الآن كسيارة نفذ منها البنزين ولن تتحرك خطوة واحدة من دونه
قمت من مكانى وقد عقدت العزم على أن أبحث عن طعام ما بأى ثمن
المشكلة أن منطقة عملى لا يحيط بها أى من المطاعم أو تلك العربات اللطيفة التى تحوى ما يصلح لإسكات تلك المظاهرات الغاضبة فى أحشائى .. من أين لى الحصول على إفطار هنا؟
جائت الأجابة على شكل رائحة
رائحة رائعة تمزج بين رائحة القهوة القوية ورائحة المخبوزات الطازجة .. هذا ذوق راقى جداً فى الافطار لا يناسبنى .. لكن معدتى أخبرتنى أنها تناسبنى جداً الأن .. كنت أمشى على غير هدى أتتبع الرائحة الشهية وأتشمم الهواء حتى وصلت لمصدرها
عند مكتب المدير
توقفت مشدوهة للحظات .. لقد تغير ذوق المدير تماماً .. منذ متى وهو يتناول القهوة والمخبوزات كإفطار له .. إنه لا يكفى حتى لإحماء معدته
حسناً المهم أن هناك طعام ما فى مكتب المدير لكنى بحاجة لسبب ما للدخول إليه
تذكرت الخطاب الرسمى وقمت بالعودة عدواً لمكتبى وكتابة الخطاب فى وقت قياسى .. ربما كنت بحاجة لمحفز قوى .. حسناً انتهيت .. إلى مكتب المدير حالاً
طرقت الباب بتهذيب مرتين لكنى لم أتلق رداً .. قمت بفتح الباب .. كان المكتب خالياً إلا من القهوة والمخبوزات .. وكالمسحورة وجدتنى أندفع نحوهما وبلا ذرة تفكير من عواقب الأمر كنت ألتهم كل ما أمامى لأسكت ذلك الجوع الذى ينهشنى بلا توقف
أنا الآن خارج نطاق السيطرة .. ويدى وفمى يعملان بمعزل عن عقلى الذى يصرخ الآن ويُطلق صفارات الانذار التى تعوى معلنة عن حدوث كارثة ما قريباً
أنا الآن فى عالم آخر عالم ذو رائحة فريدة ساحرة شهية ومذاق رائع للمخبوزات التى تجعل فمك ينتشى ومعدتك ترقص طرباً .. أنا أسبح بين الطبقات الهشة المحشوة برقائق الجبن اللذيذة الخجول التى تذوب برقة مذهلة باركك الله يا من صنعت تلك الروعة المجسدة باركك الله
لكن لكل شىء جميل نهاية لا تكن بقدر جماله
لقد أفقت من تلك الغيبوبة اللذيذة على صوت المدير الجهورى وهو يتحدث إلى شخص ما ويخطو إلى المكتب
لقد تجمد العالم من حولى فى تلك اللحظة كان ظهرى للباب وقد أتممت جريمتى النكراء وأوديت كل ما كان الطبق الأنيق عامراً به إلى قرار معدتى الجائعة والبقية مازالت ترقد بين فكى لا قدرة لدى لابتلاعها حتى .. لقد أصبت بالشلل التام وصوت المدير يهتف من خلف ظهرى
- فاتن .. ماذا تفعلين هنا؟
وجيب قلبى يتزايد والعرق يغمرنى والتوتر يكاد يقتلنى
يا لها من ورطة
كان جسدى يخفى معالم جريمتى .. التفت ببطء عند هتافه التالى وأنا مغمضة العينين وعاجزة عن النطق بحرف
لكنى عزمت على الهرب فوراً دون كلمة واحدة وليقم بطردى إن شاء
فتحت عينى ببطء وأنا أحاول أن أجمع شتات نفسى لأخبره بأى هراء عن سبب وجودى هنا
لكن ما أن فتحت عينى ورأيته ومن معه حتى كادت عينىّ أن تقفزا من محجريهما وزادت ضربات قلبى حتى كاد يفر راكضاً من بين ضلوعى وتلاحقت أنفاسى بجنون
هل كان ذلك الطعام ممزوجاً بمخدر ما .. ما تلك الهلاوس المرئية؟ .. ما هذه الأوهام المجسدة؟ .. هذا مستحيل
لماذا يتثاقل رأسى .. لماذا يتخلى وعيى عنى .. لماذا ....
لم يمهلنى عقلى فرصة للتساؤل من جديد وهو يغوص فى بحر من السواد ويجرنى معه لأسقط كالحجر تحت قدمىّ الغريب زائر الأحلام !!!!!!!!
يُتبع
إن شاء اللهتعليق
-
تسلمي رشا
حلو كتير هالجزء
عندي احساس ان زائر الاحلام حيكون موظف جديد مع فاتن
بانتظار الاحداث الجديده
في امان اللهتعليق
-
(8)
بدأت درجات السواد تبهت تدريجياً إلى اللون الرمادى ثم إلى الغيوم البيضاء
فتحت عينىّ بصعوبة .. كانت الشركة كلها تقريباً فوق رأسى .. يحملقون بى فى فزع .. ويكاد أحدهم أن يلقنى الشهادتين .. هل أنا أحتضر حقاً؟
- حمد لله على سلامتك يا فاتن .. لقد أثرتى فزعنا .. ماذا بكِ؟
اعتدلت بارتباك على الأريكة الكبيرة التى تحتل مكتب المدير وأنا أمسك برأسى فى ألم .. ثم تذكرت دفعة واحدة
كان هنا .. نعم كان هنا .. تفرست فى كل وجه حولى بحثت عن عينيه .. ابتسامته .. حضوره الطاغى .. بحثت عن أى تفصيلة صغيرة تخصه .. لكنى لم أجد شيئاً .. لقد تبخر كالعادة .. ترى هل كنت أحلم ثانية؟
ما الذى جاء بكل هؤلاء إلى هنا؟ .. آه لابد أن المدير قد استعان بهم لنقلى بمعجزة ما من الأرض إلى الأريكة
حسناً لقد انتهى الأمر .. قمت بالاعتذار للمدير والتعلل بأننى اليوم مريضة وقد انخفض ضغط دمى وقد تفهم الأمر ومنحنى اليوم إجازة
والأهم أن أحداً لم يلحظ أن المخبوزات قد اختفت فى ظروف غامضة
تماماً كما اختفى الغريب!
*****
كنت أسير فى الطريق شاردة .. أنا لم أجن بعد .. لقد رأيته كان يقف بجوار المدير وهو يتحدث إليه .. لولا أن وعيي قد خاننى وتخلى عنى لكنت تأكدت من كونى لست أحلم .. كيف تجسد من عالم الأحلام إلى الواقع .. كيف تبدل من الخيال إلى حقيقة .. كيف تحول من أمنية إلى كائن من لحم ودم .. كيف؟
عدت للبيت وقررت أن أمضى اليوم فى الفراش سأتوسل للنوم أن يأخذنى لمملكته حتى أراه .. هو لم يخلف لى موعداً فى كل حلم .. مع كل انسحاب لى من الحياة إلى عالمه .. مع كل غمضة جفن تطوى دمعا حبيساً .. مع كل قبضة ضيق اعتصرت قلبى .. مع كل صفعة نالت من كرامتى .. مع كل جرح جديد نزفت له روحى .. كان هو هناك ليزيح كل الآلام وليرسم الابتسامة على وجهى وليلفنى بوشاح من أمان لا أشعر به إلا فى حضوره .. أرجوك أيها الغريب لا تخذلنى
فأنا انتظرك
يُتبع
إن شاء اللهتعليق
-
الله يكثر من الغريب هههههههههههههه
يالييت احلامنا تتحقق ♡
.
جمييله التكملة
لا تطولي الغيبة رشوووو
♥♥♥تعليق
تعليق