(الــــــــــــوشم) رواية بقلمى .. رشا محمود
تقليص
X
-
(10)
جارتى الطيبة أخذت على عاتقها مهمة رعايتى كما لو كنت طفلة .. تأتينى كل يوم وتطعمنى بنفسها .. لم يعد بوسعى التهرب من الطعام وتجاهل إحساسى بالجوع .. كانت لى كأم لم أعرفها من قبل .. لم أختبر مشاعرى تجاه امرأة ما .. كل كيانى كان يتعلق به وحده كان هو كل ما تعنيه كلمة عائلة .. لم أشعر فى وجوده أننى بحاجة لما يسمونها (أم) .. لم أعرف هذا الشعور ولم أفكر به أبداً .. ولقد زارنى متأخراً ولم أعتده بعد .. كان غريباً علىّ كما هى حياتى الآن .. لم أتمكن من استيعابها أبداً ..
مازلت أصحو من نومى مذعورة كونى لست فى غرفتى القديمة .. وقد أفتش حجرات البيت فى جنون بحثاً عنهم حتى تصدمنى الحقيقة أنهم ما عادوا معى وأننى ما عدت معهم
أنا وحيدة .. رغم كل محاولات جارتى وابنها لتغيير ذلك .. فأنا لا أتحسن .. فقط يزيد عذابى فى كل يوم .. أفتقدهم بجنون .. أهذى بأسمائهم فى نومى .. وأبكيهم بحرقة حين أفتح عينى على حياة ليسوا فيها
متى سينتهى هذا العذاب .. متى؟
***
- أبى أبى أنا هنا
أراه يبحث عنى فى أرجاء الحديقة وأنا أختبىء خلف شجرة كبيرة وأضحك بسعادة طفولية .. يكاد يقترب من مكانى فأقفز أمامه بشقاوة فيجفل قليلاً ثم تتعالى ضحكته الصافية
- يا لكِ من شقية
- أفزعتك أبى .. صح؟
- تعالى هنا
أعدو بسرعة وأنا أضحك والهواء يطير شريطة شعرى الملونة .. وهو يعدو خلفى فى سعادة .. أنظر نحوه ولا أنتبه لقدمى التى تخطو فى الفراغ فيختل توازنى وأسقط .. أنا أتدلى من فوق جبل شاهق وأتشبث بحافته فى فزع .. كيف حدث هذا؟ .. أصرخ باسمه فيهرع نحوى ويمد لى يده أمسك بها وجسدى يتأرجح فى الهواء
- أنا خائفة يا أبى
- لا تخافى وأنا معكِ
جذب يدى بقوة وارتفع جسدى حتى كدت أصل للحافة .. لكن قبضة أبى تتراخى .. أصرخ به أن يتمسك بى .. لكنها تزداد وهناً وتفلتنى شيئا فشيئا حتى تخلت عنى تماماً ووجدتنى أسقط من علو شاهق وصرخاتى تشق المكان
-أبى لاااااااااااااااااا
أستفيق فجأة .. أنظر حولى .. يهرع نحوى كيان ما يرتدى الأبيض ويحاول دس شىء ما فى عروقى لكنى دفعته بعيداً ونزعت ذلك الأنبوب من يدى وأنا أصرخ بهستيرية وأنادى على أبى .. عادل يأتى مسرعا ويحاول تهدأتى .. أنظر نحوه فأجد أننى لا أهذى .. نفس النظرة فى عينيه .. أصرخ به أن يخبرنى أين أبى .. لم أره منذ أيام .. بل منذ سنوات .. وربما منذ دهر بأكمله .. أين ذهب دون أن أراه وأقبل يديه وأخبره عن حالى .. لم تركنى قبل أن أهديه شهادتى الجامعية كما كان يحلم
- أين أبى يا عادل أخبرنى
تدمع عيناه ولا يرد فتزداد ثورتى وأحاول القيام من الفراش لأبحث عنه بنفسى .. يحاول عادل السيطرة علىّ بلا جدوى .. أسمع خطوات عاصم تدق الأرض .. يقترب منى ويمسك بذراعىّ فى قوة .. يسيطر بالكامل على جنونى .. نظرت نحوه بتوسل عله يخبرنى ما أريد سماعه .. لم تشف ملامحه عن شىء .. كان له من القوة ما يجعله قادراً على إخفاء مشاعره .. انتفضت بين يديه وشهقت بالبكاء وأنا أشعر بالضياع .. أعادت هى الأنبوب إلى يدى ودست سائل ما فى وريدى .. كان وجه عاصم هو آخر ما رأيت قبل أن أغيب عن الوعى
ولكن هل كانت تلك الدمعة اللامعة تنظر لى من بين جفنيه!
***
لن أعود لذلك المطعم .. أعلم أن مديره قد فصلنى منذ اليوم الأول لغيابى .. لن يتأخر فى أن يسدى لى تلك الخدمة .. لابد لى من البحث عن عمل آخر .. وقد طلبت من فضل أن يساعدنى فى ذلك
فضل هو نسخة مطابقة لعادل .. شهم وخدوم ولطيف المعشر ولا تفارقه الابتسامة .. يالتشابه بعض قلوب البشر
جاء هذا اليوم مع والدته وأخبرنى أنه وجد لى عمل مناسب ولا يحتاج لأوراق رسمية كما طلبت منه .. لم تفتنى نظرة دهشة لاحت فى عينيه للحظة حين أخبرته بذلك لكنها اختفت سريعا ولم يسألنى وقتها عن السبب .. كم أحب هؤلاء الذين لا يتسمون بالفضول ولا يبحثون فى أمور لا تعنيهم
كما أن الجهل ببعض الأشياء أحيانا يكون أكثر راحة للجميع
- نادلة!
- نعم .. هى كافتيريا قريبة من هنا وعملها بسيط لن يتعبك
- اممم
- ماذا؟ .. ألا تعجبك تلك الوظيفة .. يمكننى أن أبحث لكِ عن أخرى
- لا .. لا بأس بهذه .. شكرا لك
- العفو يا ورد .. فقط أخبرينى إن احتجت شىء
هززت رأسى بابتسامة بادلنى بمثلها قبل أن يغادرنى هو وجارتى وأنا أفكر .. من غسل الصحون إلى نادلة .. ما الذى ينتظرنى بعد ذلك؟ .. وماذا لو قابلت أحد أعرفه .. ابتسمت لنفسى بسخرية .. وهل هناك من يذكرنى؟ .. تلك الأميرة قد رحلت بلا عودة .. والقصر الجميل تهدم واندثر .. وذاك الزمن القديم انتهى ومضى .. من الذى سيذكرنى؟ .. لقد انتهى كل شىء .. حفرت دمعة مكانها فوق خدى ممهدة الطريق لذاك السيل الجارف الذى اندفع بلا توقف من مقلتىّ .. ليتنى تركت ذاكرتى هناك ولم أحملها معى لتمعن فى عذابى بنزيف ذكرياتها الذى لا يهدأ ولا يعرف النسيان
رحمتك بى يا أرحم الراحمين
#يُتبع
إن شاء الله
تعليق
-
(11)
لا أعرف كم من الوقت مضى .. أنام عنوة بالمهدئات وحين أصحو لا أكف عن الصراخ ومحاولة البحث عن أبى .. عادل لا يتركنى تقريبا ويبدو مرهق جداً وعاصم يأتى بين حين وآخر ويبدو على وجهه التعب .. وأنا أزيد من تعبهما رغماً عنى ..
أنا لم أستعب الأمر بعد .. عقلى يرفضه بشدة وقلبى يستنكره .. فقط لو يتركونى أذهب إلى غرفته .. أشعر أننى سأجده هناك مستلقياً على فراشه .. سأجلس بجواره وأضع رأسى على كفه وأبكى قليلاً ثم أنام بهدوء بدون مهدئات .. ربما أنا فى طريقى للجنون .. وربما أنا جننت بالفعل .. ما أعرفه فقط أننى فقدت الحياة وأن هذا الغلاف الخارجى الذى يحمل ملامحى هو خاو تماماً من الداخل فقد رحلت روحى من داخله .. تشبثت بيد أبى وهو يرحل فأخذها معه وتركنى جسداً بلا روح .. بلا حياة .. وبلا أمل
عدت للصراخ الهستيرى مرة أخرى مما دفع عادل لتكبيلى بقوة حتى يسرى المهدىء فى دمى لأسقط فى تلك الهوة المظلمة التى ظننتها سترحمنى قليلاً من هذا العذاب الذى ينهش أعصابى بلا رحمة .. لكنى كنت واهمة .. فهناك عذاب آخر كان فى انتظارى
***
اليوم الأول فى العمل الجديد
ذهبت فى الموعد بصحبة فضل .. وقمت بمقابلة مدير الكافيتريا .. رجل فى العقد الرابع من عمره .. ممتلىء قليلاً وخفيف شعر الرأس وملابسه ليست مهندمة .. مظهر يليق بكافيتريته المتواضعة .. مازالت عينى تقيم مظهر الناس بمنظورها القديم .. أين ذهب البشر المتأنقون علهم هناك فى العالم الآخر الذى تركته .. هززت رأسى فى شرود وهو يملى علىّ بعض التعليمات الخاصة بالعمل .. وذلك المرار الذى يملأ فمى يتزايد بشدة حتى كدت أُفرغ معدتى .. تماسكت بصعوبة وابتسمت بشحوب وأنا أشكره .. فابتسم بلزوجة كاشفا عن أسنانه الصفراء .. لمحت عدم الارتياح فى عين فضل وهو ينظر لى منتظرا اعتراضا ما .. لكنه نظرت له مطمئنة إياه أن كل شىء سيكون على ما يرام .. لم أعد أكترث لأحد ولا لشىء .. إنها مجرد أيام أقضيها بلا حياة ولست على استعداد لتقييم من أتعامل معه ووضعه تحت المجهر كما كنت أفعل من قبل .. لا يحق لى ذلك الآن .. لقد تغيرت الأمور كثيراً .. تغيرت أكثر من قدرتى على الاحتمال .. كم سيمكننى الصمود .. لا أدرى
- يا آنسة
كانت هذه من أحد الزبائن .. نظرت له بشرود وهو يشير نحوى بأطراف أصابعه .. سحبت نفسا عميقا .. اهدأى يا نفسى .. وتقبلى حياتكِ الجديدة .. أعنى يا الله
***
حين هويت فى تلك الهوة السوداء بفعل المهدىء .. ظننتنى سأظل هناك لبعض الوقت .. حيث لا شىء سوى الفراغ الأسود .. لكننى كنت واهمة .. ما أن أغمضت عينى حتى وجدتنى هناك
على حافة الجبل المخيف مرة أخرى .. ذلك الذى أسقط من فوقه مرة بعد مرة فى الكوابيس التى تلاحقنى بلا هوادة .. لقد تعبت من كثرة السقوط .. لقد تحطمت عظامى وانسحقت كل ذرة فىّ .. لقد مت ألف مرة .. وضعت ألف مرة .. وارتعبت ألف مرة .. حين يختفى وجه أبى فى الأفق .. ولا أجد يد تمتد لى لتنقذنى من السقوط الشنيع كطير أصابه قناص محترف فهوى من سماءه الرحبة ليصطدم بأرض قاسية لا تشفق عليه .. ذات الكابوس كل مرة .. وذات العذاب كل مرة .. وذات الوجع كل مرة .. إلى متى سيظل رحيلك ينحرنى ببطء .. فلا أنا أموت فآتى إليك .. ولا أنا أعيش كمن يدعون أحياء .. أنا فى منتصف الطريق بينهما .. ولا أدرى إلى متى سأبقى هناك .. حقا لا أدرى
***
انتهى يوم العمل بسلام .. تعلمت كيفية الامساك بصينية الطلبات جيدا والوصول بها سالمة حتى طاولة الزبائن .. ثم إنزال كل طلب لكل واحد على حدى .. دون أن يهتز وجه فناجين القهوة .. أو أن يسقط الشاى الساخن فوق بنطال أحدهم .. أو أن تتحطم كؤوس الآيس كريم على الأرض النصف متسخة .. أليس هذا انتصار حقيقى .. هل كان يخطر على بالى أن بإمكانى فعل ذلك يوما ما .. ابتسمت بسخرية وأنا أخلع اليونيفورم الأنيق الذى سلمونى إياه والذى لا يعدو فى نظرى أفضل من مريول مطبخ مزين ببقع السمن والصلصة .. ما هذا الذى أفعله بنفسى .. هل أحاول معاقبتها .. ما ذنبها فى ما حدث .. ماذا فعلت لتستحق ما هى فيه الآن .. وإلى متى سأظل أقسو عليها .. ألا تكفينى قسوة الحياة
أخرست تلك الأفكار التى تعبث برأسى وأنا أردد فى نفسى أن لا شىء بيدى لأفعله .. ولن تقدم لى الحياة فرصا أفضل .. لذا على بتقبل ما أنا فيه دون شكوى أو ضجر
مضت خطواتى تشق الطريق .. لقد عدت كآلة لا تملك الحياة ولا ترغب فيها .. لكم يذكرنى هذا بتلك الأيام التى تنطبع فى ذاكرتى كالوشم ولا سبيل لنزعها من فوقها أبداً
#يُتبع
إن شاء اللهتعليق
-
:
يااااااااااااه مشاعر قاسية ومريرة
كلماتك أيقظت جرحا بداخلي يوم فقدت أبي
شعور حزين لاتصيغه كل الحروف
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
واصلي أختي وأمتعينا بعذوبة حروفك .
تعليق
-
-
-
امام كلماتك الرائعه
ذابت كل الكلمات
فلا اجد ما يعبر عن اعجابي الشديد باسلوبك
وتجسيدك للمشاعر الانسانيه
بوركتي اختي
في انتظارك بشوقتعليق
-
شكرا لكِ غاليتى خفايا الروح
ورحم الله والدك ووالدى وكل من فقد المسلمين
تسعدنى متابعتكِ دوماً
تحيتىتعليق
-
تعليق
-
تعليق
-
(12)
أستفيق من جديد .. عيناى معلقتان بالسقف .. لا أنا أصحو حين أفتحهما .. ولا أنا أنام حين تنغلقا .. محاصرة أنا بين كوابيس الصحوة وكوابيس النوم .. لا قبل لى بكلاهما .. اعتصرنى الألم قطرة قطرة حتى أفرغ كل ما فىّ .. لا أشعر بشىء .. ولا أهتم بأحد .. ولا أفكر فى شىء .. حتى الحزن اكتفى منى واكتفيت منه .. والدموع جفت من عينى .. أنا مثل حى ميت أو ميت حى أو شىء آخر لم يجدوا له وصفا بعد
قمت من فراشى بتثاقل .. توجهت نحو النافذة ونظرت بشرود للحديقة الخاوية التى يبدو وكأنها فقدت الحياة هى الأخرى .. لقد تبدل كل ما حولى .. حتى غرفتى بدت موحشة ولا تشبه ما عهدته من قبل .. جررت قدمى جرا حتى الباب وفتحته ببطء .. كل شىء يبدو ثقيلا حتى أنفاسى تشق صدرى بصعوبة .. أظننى احتاج دهراً حتى أعبر فيه تلك الردهة .. ارتجفت قدماى أكثر حين وصلت لباب غرفته .. تمنيت لو أننى أملك الجرأة لدخولها .. لتقبيل كل ما فيها .. لسرقة وسادته وتشمم رائحته العالقة بها .. لكنى جبنت .. كيف أدخلها وهى فارغة منه .. كيف وهى يخيم عليها الحزن .. كيف وكل أشياءه تنعى غيابه وتفتقده بشدة .. لو أن للجمادات قلب ينفطر حزنا لرحيل صاحبها .. فكيف بى أنا .. بقلبى أنا .. بروحى أنا
تعثرت خطواتى وأنا أهرب من أمام بابه الموصود .. سقطت مرات ومرات .. حتى وصلت للدرج .. أمسكت بحافته بيد مرتعشة كيد عجوز على وشك الموت .. ونزلت الدرجات ببطء
كانت هناك أصوات تتناهى لسمعى .. الصوت مرتفع لكنى لا أميز ما يقول حتى وصلت هناك .. عند الغرفة التى يحتلها مكتب أبى .. كان الباب موارب قليلا ورأيت عاصم وعادل يتجادلان معاً .. لم أكن بمزاج يسمح لى بالاستماع لجدالهما .. رغم أنها المرة الأولى التى أجدهما فيها على خلاف ما .. كدت أبتعد عن الباب لكنى سمعت حروف اسمى تتردد .. هل ما يتجادلان عليه يخصنى أنا .. دفعنى التساؤل للاستماع إلى حديثهما دون أن يلحظا ذلك .. كان صوت عادل غاضبا وهو يقول
- كيف يا عاصم
أجابه عاصم بهدوء
- لقد فعلت كل ما باستطاعتى .. حتى جلسات المحامى جعلتها بعيداً عن البيت حتى لا تعلم هى بشىء
- لكنها ستعرف .. كل تلك الأوراق الرسمية وحتى الوصية نفسها تقول كل شىء وأنت تعرف أن تلك الحالة التى انتابتها لن تظل طويلا وستعود كما نعرفها ولن يمكننا إخفاء تلك الحقيقة عنها بعد الآن
- وماذا تريدنى أن أفعل يا عادل .. هل أذهب لها ببساطة وأخبرها أنها ليست ابنة عمنا .. وأن أبى رحمه الله لم يكن له أشقاء .. وأن كل حياتكِ السابقة هى كذبة كبيرة والعم وأبناء العم هم غرباء لا علاقة لهم بكِ
- عاصم أنا لم أقل .....
انخفض صوت عاصم وقال وهو يضغط على حروف كلماته
- أم تريدنى أن أخبرها أن أبى قد قام بكفالتها من أحد ملاجىء الأيتام وأننا لا نعرف لها عائلة ولا اسم ونحن من منحناها الاسم والنسب الذى تفخر به .. ماذا تريدنى أن أفعل يا عادل .. أخبرنى
- أنا لا أحتمل فكرة أن تعرف بكل هذا .. لا أتخيل ما الذى ستفعله وقتها
- لذا يجب علينا أن نخفى هذا الأمر عنها كما فعل أبى طوال حياته .. لن يتغير شىء
- وتلك الأوراق
- سأخفيها هى الأخرى وسأتصرف أنا إذا ما حاولت معرفة شىء عن هذه الأوراق
- وماذا لو عرفت ..
وقبل أن يجيب عاصم أسكته ذلك الصوت المكتوم الصادر من خلف الباب .. أسرع نحو الباب وفتحه فاصطدم بذلك الجسد الممدد أرضاً لفتاة سوداء الشعر رمادية العينين كانت أميرة هذا القصر يوما ما قبل أن تسحقها حقيقتها التى عرفتها متأخراً جداً
***
- (وماذا لو عرفت ......)
أجيبك أنا على سؤالك يا عادل .. ربما كنت فى ذلك المكان الغامض الذى نذهب إليه حين يتخلى عنا وعينا .. لكنى أتخيل نظرة عاصم المصدوم بوجودى خلف الباب الذى ظنه مغلقاً على سركما الرهيب .. وأتخيل نظرة ذعر فى عينيك لحدوث ما كنت تخشاه .. أتخيل عاصم وهو يحملنى بين ذراعيه ويصعد الدرج ويتوجه لغرفتى ليضعنى بفراشى .. وأنت تهرع خلفه وتتصل بالطبيب .. لماذا تفعل هذا يا عادل؟ .. هل تريدنى أن أعود للوعى .. هل تريدنى أن أفتح عينى وأواجه تلك الحقيقة التى عرفتها للتو .. تلك الصاعقة التى حلت بى .. ذلك الإعصار الذى دمر حياتى أو تلك التى ظننتها حياتى .. هل سنوات عمرى كلها هى مجرد كذبة كما قال عاصم .. الأميرة المتوجة لم تكن أميرة يوماً .. سيدة البيت لم تكن تعدو أكبر مكانة من أحد خدمه .. ابنة العم لم يكن لها نسب ولا عائلة ولا حتى اسم .. ابنة ملاجىء .. لقيطة .. أهذه هى أنا! .. يكفى هذا .. يكفى بحق
إلى متى ستبقى تلك الطعنات التى تتوالى على قلبى بلا هوادة .. إلى متى ستظل الحياة تكشف لى عن وجوهها القبيحة واحداً تلو الآخر .. وقبل أن أفيق من صدمة تلحقنى أخرى أشد ضراوة
اتركونى الآن أريد اللحاق بأبى .. أريد أن أستحلفه أن يقول لى الحقيقة .. لا أصدق أن لا صلة قربى تربطنى به .. لا أصدق أنه لا تجرى بعروقى دماء عائلته .. لا أصدق أننى لا أنتمى له .. لا أصدق أنه ليس عمى وليس أبى .. وليس كل عائلتى وكل عالمى وأننى لست صغيرته وحبيبته وأميرته
أخبرونى إذن من أكون .. من تلك التى تسكن تحت جلدى وتظهر بمرآتى وتحمل ملامحى وتستوطنها روحى .. أخبرونى بالله عليكم .. من أنا؟
***
لم تعد هناك ذكريات سعيدة .. لقد وصلت للأسوأ والأكثر قتامة .. لم يعد هناك ما يستدعى تذكره .. ولت الأيام التى كانت يؤلمنى تذكرها من فرط جمالها .. وما بقى لا يختلف كثيرا عما أعيشه الآن .. وربما ما أنا فيه الآن أكثر راحة .. لقد مت منذ زمن .. قد تكون روحى قد رحلت مع روح أبى .. وما تبقى منى قد انسحق هناك خلف الباب حين علمت بحقيقتى .. وذلك الطيف الذى أنا عليه الآن لا يشبهنى سوى فى ملامحه فقط .. فهو خاو تماما من الداخل .. هجرنى كل ما فىّ .. تركنى هناك فى قصر الأحلام .. أو تركته أنا حين هربت فى جنح الليل .. حين فررت منهما .. حين قررت الابتعاد ببقايا كرامتى .. لا يمكننى النظر فى عينىّ أحدهما .. لا يمكننى حتى مناقشة الأمر معهما .. لا يمكننى أن أعرف منهما تفاصيل ما سمعت .. كيف حدث .. وما الذى دفع السيد الثرى الذى له أبناء أن يكفل طفلة يتيمة .. وكيف لم أكتشف ذلك طوال حياتى .. وكيف لم أسأل عن أبى وأمى أو حتى أطلب أن أطالع صورهما .. هل كان أبى يملأ حياتى إلى هذه الدرجة .. لم أشعر لحظة أن هناك ما ينقصنى .. لم أشعر بما يسمونه اليتم .. ذلك الشعور الذى يحاصرنى الآن .. لم أكن يتيمة يوما حتى اختفى هو من حياتى .. الآن أنا يتيمة يا أبى .. أنا وحدى تماما فى تلك الحياة .. لم يعد من حقى البقاء فى قصرك والحياة مع ولديك .. لا يمكننى العيش مع إحساسهما بالشفقة علىّ .. هذا شعور لا أحتمله ولم أعتده أبداً .. حين تسللت ليلا وهربت من أبواب قصرك لم يظنا هما أن بإمكانى أن أفعل .. كان عادل يغفو على كرسى يجاور فراشى وكان يبدو متعباً .. تحركت على أطراف أصابعى وأنا أقاوم الدوار الذى يلفنى .. لا يمكننى الانتظار أكثر .. لا يمكننى مواجهتهما .. لا أفكر سوى فى الهرب بعيداً جداً عن تلك الحياة بكل ما فيها .. تخليت عن كل ما كنت أملكه .. أو ما ظننتنى أملكه .. ملابسى ومجوهراتى وعطورى الراقية وكل مقتنياتى الثمينة التى لم يكن يحق لى التمتع بها .. هى لا تخصنى .. هى تخص ابنة العم التى لم توجد يوما ما .. ابنة الملاجىء لا حق لها فى كل ما كانت تملكه وتتباهى به الأميرة الجميلة .. قلبى يتكسر داخلى يستحيل شظايا تكاد تمزق ضلوعى .. لا أعرف كيف وصلت لبوابة القصر .. كيف غافلت الجميع وهربت .. لم يتملكنى الخوف من ظلام الليل الذى يلفنى كعباءة قاتمة .. ما أشعر به حجب عنى كل شعور آخر وخطواتى تشق الطريق إلى المجهول .. ما الذى سيحل بى؟ .. لا أعرف ولا أهتم
#يُتبع
إن شاء اللهتعليق

تعليق