(17)
حين هربت من القصر تلك الليلة لم أكن أعرف أنهم سيبحثون عنى بهذا الحماس .. ظننتهم سيحزنون قليلاً ثم ينسون أمرى .. لم أتخيل أن عاصم سيترك عمله ويقلب كل حجر بحثاً عنى .. لم أتصور أن عادل سيهمل دراسته العليا ليجوب المشافى وأقسام الشرطة ويبلغهم بمواصفاتى وطرق الاتصال به حين يعثرون على فتاة تطابق ما وصفه لهم .. وكان هناك جيش صغير كلفهم عاصم بمسح كل مكان يمكن أن أكون به .. حتى الفنادق والمطارات .. لقد عاشا أصعب فترات حياتهما على الإطلاق بغيابى .. لم أكن لأصدق أن يفعلا كل هذا خاصة عاصم الذى لم يبد لى أى اهتمام من قبل .. والذى لم يشعرنى سوى بالتجاهل والسخرية والقهر .. لم أحلم أن يجوب من أجلى الشوارع .. يبحث عنى فى كل وجه .. ينهش القلق قلبه .. ويتملكه الخوف علىّ .. أحقاً فعلت هذا يا عاصم
كان السؤال يتردد فى عقلى وأنا أستمع لعاصم وهو يحكى لى عن ما مر به .. لقد نسيت كل ما عانيته .. كل عذابى ودموعى وضياعى .. لم أكن وحدى فى ذلك .. لقد تقاسمناه سويا .. لقد تعذب كما تعذبت وضاع كما ضعت وتألم كما تألمت .. لا أصدق أن غيابى قد جعل عاصم يتحول لشخص آخر .. جعل الجليد يذوب من حول قلبه وجعله يعترف أنه يهتم بى وأننى أعنى له أكثر مما كنت أحلم
***
نظر نحوى صامتاً للحظات وهو يضيق عينيه كأنما يتذكر شىء ما وسألنى بشرود
- ما اسمكِ
نظرت نحوه بارتباك قبل أن أجيبه
- و.. ورد
ردد ببطء
- ورد
هز رأسه بصمت وعاد للأوراق التى أمامه منهياً بعض الإجراءات قبل أن يصرفنا من القسم
***
قد أكون ممتنة لذاك الحادث الذى ساقنى لقسم الشرطة .. حيث اتصل ضابط الشرطة بعادل بعد انصرافنا وأخبره عنى وعن احتمال أن أكون أنا من يبحث هو عنها .. وقد كان عاصم يستمع لمحادثته فأصر أن يذهب بنفسه ليتحقق من الأمر .. وبحصوله على عنوان مسكن فضل فقد حضر بالفعل إلى هناك فى اللحظة التى كنت فيها أحاول الهرب .. لقد جاء فى وقت غريب وكأن القدر أراد أن يجمعنا معاً من جديد
***
- لم فعلت بنا هذا يا وشم؟
أطرقت برأسى فى صمت قبل أن أقول
- ألا تعرف حقاً
رفع وجهى بأصابعه ونظر فى عينى
- حمقاء أنتِ .. طفلة لا تريد أن تكبر .. ألم يعلمكِ أبيكِ ألا تتلصصين على الأبواب وتستمعى إلى حديث الآخرين
أغمضت عينى حين تذكرت تلك اللحظة المؤلمة
- لا تمزح يا عاصم .. لم يكن ما عرفت سهلاً علىّ .. لقد صدمنى بشدة
- وهل ظننتى أن هذا سيغير شىء .. نحن كل عائلتكِ وسنظل كذلك للأبد
انسابت دمعة ساخنة على خدى
- أشعر بالخجل من نفسى .. ظننتنى أنتسب لكم .. تجرى بعروقى دماء عائلتكم .. ظننتنى أليق بكم وبالحياة الرائعة التى عشتها معكم
- وما الذى تغير بنظركِ؟ أنتِ كنت الأميرة وستظلين كذلك
- لا يحق لى هذا
- بل يحق لكِ .. وما لا يحق لكِ هو أن تتركينا هكذا .. لا يحق لكِ أن تقررى هذا وحدكِ .. لا يحق لكِ أن تهربى فى الليل دون أن تفكرى بخوفنا عليكِ والرعب الذى تملكنا ونحن نفكر بما قد يكون قد حدث لكِ .. بعشرات الأخطار التى قد تواجهك وحدكِ دون أن نكون هناك لنحميكِ .. لا يحق لكِ أن تحرمينا منكِ
أطرقت برأسى فى صمت
- أنا لا أتخيل حياتنا بدونكِ .. لا يمكن أن نخسرك يا وشم .. تكفينا خسارة واحدة .. لا تفعلى بنا هذا أرجوكِ
- عاصم أنا ...
- أنا لا أريد جدال .. ستأتين معى الآن .. المسكين عادل سيجن فى البيت لو لم نعد معاً الآن
ابتسمت من بين دموعى
- عادل .. كم اشتقت له
نظر نحوى طويلا
- ألم تشتاقى لى أيضاً
أخفضت عينى فى حياء
- بالطبع يا عاصم
- حسناً هيا بنا
- عاصم .. ما عاد بإمكانى الحياة معكما .. لا صفة لى الآن .. سيكون وضعى محرجاً جداً و .....
- لو تعنيكِ الألقاب لهذه الدرجة فهناك لقب آخر غير ابنة العم
قلت بسخرية
- حقا وما هو؟
اقترب منى ونظر فى عينى قائلاً
- زوجتى
- !!!!!!!!!!
#يُتبع
إن شاء الله



تعليق