(الــــــــــــوشم) رواية بقلمى .. رشا محمود
تقليص
X
-
تعليق
-
(19)
يدا عاصم تمسك بى وتبعد كفىّ عن وجهى الغارق فى الدموع .. تمسح أصابعه الشلال المنهمر من عينىّ .. فانظر نحوه وأتبين ملامحه بصعوبة لكنى ألمح تلك النظرة العميقة والابتسامة الحانية وأسمع الصوت الدافىء يتردد
- صغيرتى
- لم يعد أحد ينادينى بها
- ما دمت أنا هنا سأناديكِ بها
- عاصم ...
- اسمعينى يا وشم .. منذ الوقت الذى دخلتى فيه إلى حياتنا وأنتِ طفلة ذات شعر أسود قصير وعينين رماديتين تلمعان دوماً لم أر أجمل منهما فى حياتى بالكاد يمكنكِ المشى ولكنكِ تثيرين الفوضى أينما حللتى وتصنعين الضوضاء فى جنبات بيتنا الهادىء .. وقد عرفت وقتها أنكِ مسؤولة منى بشكل ما .. أصبحتى جزء منى .. قطعة من روحى .. أخاف عليكِ أكثر من نفسى .. كنتى تبدين كقطة جميلة تحلو لى مشاكستها .. لقد غيرتى حياتنا بالكامل .. وبددتى الحزن الذى خيم على بيتنا برحيل أمى
صمت قليلاً قبل أن يكمل
- كانت والدتى تهتم بملجأ الأيتام وتزور الأطفال هناك باستمرار فقد كانت تملك قلباً كبيراً يتسع للكون كله .. وكانت تعشق الأطفال بجنون وترتبط بهم بشدة .. وبعد وفاتها قام أبى بزياة الملجأ وفاء لوعده لأمى بأن يهتم به كما كانت تفعل .. ولم يعد يومها خاوى اليدين .. لقد تعلق بكِ منذ اللحظة الأولى التى رآكِ فيها هناك .. وأصر على أن يقوم بكفالتكِ لتعيشى معنا وقد منحك الاسم الذى يجعلك ابنة عمنا حتى لا تجرحك الحقيقة والتى أخفاها عنكِ طوال حياته .. لقد أحبكِ بجنون وتعلق بكِ كما لم يفعل بأحد من قبل .. وصدقينى لقد تعلقت بكِ مثله وربما أكثر .. قد أكون غليظ قليلاً لا أعرف كيف يرددون الكلمات اللطيفة .. وقد أثرت غضبكِ كثيراً .. ربما كانت حماقتكِ تدعونى لأن أكون سخيفاً معكِ .. وربما لم أرد أن أكون مجرد أخ لك كعادل .. أردت أن تكون منزلتى عندكِ أكبر من ذلك .. وأعلم أنكِ تعشقين التحدى ولن يغريكِ حب عادى .. ولن يستميلك قلب يُلقى بين يديكِ طوعاً .. ولن ترفقى بمن يبوح لكِ ببساطة بأنه يحبكِ .. ولذلك كنت أحاول دوماً أن أخفى مشاعرى الحقيقية نحوكِ بل وأُظهر لكِ نقيضها أيضاً
- ماذا؟
- نعم .. تلك المشاعر كانت تكبر داخلى كل يوم وأنتِ تكبرين أمام عينى .. تستفزينى بغروركِ ورغبتكِ فى إخضاع الجميع لكِ .. بكبريائكِ الذى يجعلكِ ملكة وليس مجرد أميرة .. بعنادكِ الذى يدفعنى لمبادلتكِ إياه كلعبة مسلية .. لم أفكر يوماً إن كنت أحبكِ .. فحبكِ كان يسرى بدمى كأمر حتمى لا يقبل المجادلة .. وصورتكِ كانت تنطبع بداخل قلبى كالوشم .. كما كانت فى قلب أبى وربما أكثر .. كنتى هناك دوما تقفين بينى وبين كل نساء الأرض .. لم أقابل أنثى تتفوق عليكِ أو حتى تشبهكِ .. لم يكن هناك سواكِ أنتِ .. ولن يكون هناك غيركِ أبداً
أغمض عينيه فى ألم قبل أن يقول
- فهل علمتى ما أصابنى حين أفقت ذات صباح ولم أجدكِ .. أن أصحو على يوم خال منكِ .. أن تصعقنى حقيقة اختفاءك من حياتى .. مفردة الجنون لا تكفى لوصف ما كنت عليه .. كرهت نفسى لأنى خذلتكِ .. لأنى لم أحفظ سر أبى كما فعل هو .. لأنى سمحت لكِ أن تعرفى ما قد يدمر حياتكِ كلها .. يكفيكِ صدمة رحيل أبى لقد تمزق قلبى لما حدث لكِ وقتها .. فكيف به وأنتِ بعيدة عنى فى تلك الحالة وربما كانت حالتكِ أسوأ .. كنت لألحق بأبى إذا ما كان قد حدث لكِ مكروه وأكون قد حُرمت منكِ للأبد .. الموت أهون من حياة لستِ فيها يا وشم
نظرت له فى ذهول وأنا لا أصدق ما أسمعه
- حين أخبرنى الضابط أن من يدعى فضل يقول أنكِ خطيبته .. لا يمكننى أن أصف لكِ ما حل بى .. لقد كدت أجن وأنا أتخيل أنكِ نسيتنى بتلك السرعة وسمحتى لنفسكِ بالارتباط بآخر .. وأنكِ ستعيشين حياة أخرى من دونى .. لم أكن لأتحمل ذلك .. حملنى الغضب إليكِ لانتزعكِ من فضل هذا بأى ثمن كما حاول هو انتزاع روحى من جسدى .. كن سأتبعكما لآخر العالم .. لا أتخيل أن تكونى لغيرى يا وشم .. أنتِ لى .. تخصينى وحدى .. شئتى هذا أم لا
مازلت أنظر له كتمثال من شمع
- أنا أحبكِ أنتِ .. أحب وشم المغرورة العنيدة السخيفة الجميلة المدللة التى تختصر كل النساء فيها .. ولا أريد غيركِ من تلك الحياة .. أنتِ وشم ونحن عائلتكِ ولا يهمنى غير ذلك .. لن يتغير شىء ولن يعلم مخلوق بغير هذا
انفتح فمى فى بلاهة وهو يقول
- والآن سنعود لبيتنا وسنتزوج وسنعيش معاً للأبد ولن تهربى منى مجدداً .. هل فهمتى؟
هززت رأسى باستسلام وأنا أشعر أننى أحلم .. لكن حتى الأحلام لا تبدو ساحرة هكذا
يُتبع بالحلقة الأخيرة
إن شاء اللهتعليق
-
تعليق
-
جميل هو الحب العفيف
حب صادق لا ابتذال فيه
والأجمل أن يتوج بالزواج
بانتظار النهاية التي أرجو أن تكون سعيدة::
يا رب إن أعداءك قد جمعوا جمعهم ضد المسلمين
فيـا رب يا مجرى السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم.
::
تعليق
-
وشم - نور - احلام
شخصيات اعجز فعلا عن وصف المتعه الي عايشتها معها
سلمتي اختي وسلم قلمك الرائع
وبارك الله فيك وفيهتعليق
-
-
-
(20)
***
مطبوعة أنا
فوق قلبك
بين ثنايا عقلك
على صفحة عينيك
يتلون جلدك
فيصطبغ بى
شئت أم أبيت
أنا وشمك الأبدى
***
صوت ضحكات طفولية يعلو وتلك الصغيرة ذات الضفائر الطويلة التى تتطاير خلف ظهرها تعدو وخلفها يظهر عادل وهو يعدو ورائها قائلاً
- سأمسك بكِ يا شقية
- لن تستطيع يا عمو
- حسناً سترين
يواصل الركض خلفها وهى تراوغه ببراعة وتضحك .. يعلو صوت عاصم القادم من الخارج
- ما تلك الضجة؟ ماذا بكما؟
- اسأل ابنتك الشقية هذه .. لا تتوقف عن عمل المقالب .. يا إلهى لكم تشبه أمها لقد أشبعتنى مقالب هى الأخرى .. ألا يوجد سواى فى هذا البيت؟
نظر عاصم للطفلة مبتسما ثم تصنع الجدية وهو يقول
- ورد .. اعتذرى من عمك عادل الآن
اقتربت ورد بحياء وقالت وهى تنظر للأرض
- أعتذر يا عمو
سألها عادل
- حسنا .. هل ستتوقفين عن عمل المقالب؟
نظرت له بشقاوة وهى تقول
- بل سأجعلها أخف قليلاً فى المرات القادمة
وانطلقت تعدو من أمامه وكاد أن يلحق بها قبل أن يوقفه عاصم قائلاً
- دعك منها أيها الطفل الكبير .. ألم تكبر بعد يا دكتور؟ .. كيف يمكنك أن تُدرس لطلبة الجامعة إذن؟!
أجابه ضاحكاً
- لقد تركت لك الوقار يا أخى .. لا يوجد أجمل من أن تكون طفل أبدى
- لا فائدة منك .. أين زوجتك وابنك؟
- ندى بالداخل تساعد وشم فى تحضير الطعام ومروان لا بد وأنه نائم ما دمت لا أسمع ضجته المعتادة .. يكفينى ضجيج ورد ومقالبها .. عن إذنك سأذهب لأنال من تلك الشقية
نظر له عاصم وهو يركض ليلحق بورد فى الحديقة ثم هز رأسه بابتسامة وهو يقول
- وكأنى أرى عادل وهو طفلاً يلهو مع وشم
قاطعه صوت رقيق يقول
- وأنت تقف بعيداً ترمقهم بكبريائك المعهود
نظر لصاحبة الصوت مبتسماً فاسترسلت قائلة
- ألم تفكر يا عاصم أنك لم تكن طفلاً أبداً ولم تعش لحظات حماقة مثل هذه .. لقد فاتك الكثير
أجابها مبتسماً
- لقد مارست الحماقة بالكامل حين تزوجت بكِ
ضربت صدره بقبضتها وهى تقول
- يا لك من غليظ
ضحك بصوت عالى وهو يمسك بيدها وينظر فى عينيها
- كم أحب أن أثير غيظك .. فتلمع عينيكِ بغضب .. كم أعشقكِ يا وشم فى كل حالاتكِ
أجابته برقة
- وأنا قد تجاوزت مرحلة العشق يا عاصم إلى تلك التى لا أعرف لها اسم
ابتسم لها بحب وقال
- كيف استطعتى أن تنجبى لنا وشم جديدة تماثلكِ فى كل شىء
- بل هى ورد
- لم أسألكِ من قبل .. لم اسميتها ورد؟
نظرت له بصمت قبل أن تجيب
- ورد كانت داخلى يوماً ما .. كانت ضعيفة وضائعة وتثير الشفقة .. كانت تختصر كل ألمى ومخاوفى وهواجسى .. كانت الجانب المظلم الذى اخترت بحماقة أن أعيش فيه يوماً ما بعيداً عنكم .. فأردت أن أجعل منها صورة مختلفة تماماً فلا تعود تثير وجعى كما كانت تفعل .. انظر إليها الآن لكم تشبه وشم التى أعرفها والتى أتمنى أن تظل كذلك طوال العمر
- حقاً لكم تذكرنى بطفولتكِ المشاغبة
ضحكا سوياً قبل أن يرتفع صوت ندى وهى تخبرهم أن الطعام جاهز .. فتوجه عاصم للحديقة لينادى على عادل وورد .. كانت الصغيرة تعدو بخفة وشرائطها الملونة تتطاير خلفها ..
لمعت عينىّ وشم بسعادة وهى تتابعها فترى نفسها طفلة تركض فى ذات الحديقة وابتسمت بشرود لوجه أبيها الذى يلوح لها فى الأفق
*** تمت بحمد الله ***تعليق
-
شكراً لكن من أعماق قلبى
لقد أسعدتمونى جداً بتفاعلكن وحماسكن وتعليقاتكن الرائعة
حقاً لم يخذلنى الفيض الحبيب كعادته
قد تكون النهاية قصيرة إلى حد ما
لكنى وجدت أن تلك القفزة الزمنية هى الأنسب لوشم
لنطمئن عليها بعد سنوات مضت وطوت معها كل الألم والحزن الذى مرت به
شكراً من جديد لكل من خطت حرفاً هنا من أجل وشم وقصتها
دمتن غالياتى بكل الخير
تحيتىتعليق




تعليق