(الــــــــــــوشم) رواية بقلمى .. رشا محمود

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • &أم محمد&
    مشرفة ركن همسات فتيات وفيض القلم
    • Jul 2007
    • 17518

    #16
    هذه الحلقة مؤثرة
    وكأني عشتُ هذه الأحداث منذ فترة
    صعبٌ علينا أن نرى الصرح الكبير يتهاوى أمام ناظرينا عاجزين أن نفعل شيئا....
    فقط لأنها إرادة الله فوق الجميع

    ::
    يا رب إن أعداءك قد جمعوا جمعهم ضد المسلمين
    فيـا رب يا مجرى السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم.

    ::

    تعليق

    • رشا محمود
      ملكة القصص
      • Nov 2005
      • 1626

      #17
      المشاركة الأصلية بواسطة &أم محمد&
      هذه الحلقة مؤثرة
      وكأني عشتُ هذه الأحداث منذ فترة
      صعبٌ علينا أن نرى الصرح الكبير يتهاوى أمام ناظرينا عاجزين أن نفعل شيئا....
      فقط لأنها إرادة الله فوق الجميع

      شكرا لردك غاليتى
      وتفاعلك مع الأحداث
      لا أصعب من شعور الخوف على من نحب فعلاً

      تعليق

      • رشا محمود
        ملكة القصص
        • Nov 2005
        • 1626

        #18

        (6)


        حين أفقت كنت فى فراشى .. قمت مذعورة وأنا أبحث عنه .. خرجت من حجرتى جرياً نحو حجرته وقد تعثرت مرات كثيرة حتى وصلت هناك .. كان عاصم يقف أمام الباب .. أزحته عن طريقى أو هكذا ظننت لكنه أمسك بيدى وهو يقول
        - اتركيه الآن
        نزعت يدى من يده ودفعته عنى وأنا أقول
        - ابتعد عنى .. لماذا تمنعنى من رؤيته؟
        حاول عاصم السيطرة على حركاتى العصبية وأنا أضربه كطفلة غاضبة وأخمشه كقطة مذعورة ليبتعد من أمام الباب حتى اضطر إلى حملى حملاً وتوجه بى نحو حجرتى .. دفع الباب بقدمه وأنا مازلت أصرخ به أن يتركنى .. ألقى بى على الفراش وقبل أن أقفز منه .. أمسك بى بشدة آلمتنى فاضطررت للتوقف عن الحركة وأنا أقول له
        - اتركنى يا عاصم أنت تؤلمنى
        - أنتِ من تضطرينى لذلك .. اهدأى قليلاً
        - لماذا لا تريدنى أن أرى أبى .. ماذا حدث له؟
        - لم يحدث له شىء .. الطبيب يفحصه الآن وسيكون بخير
        - يجب أن نكون معه إذن
        - عادل معه
        - ولم لا أكون معه؟
        - انتِ هيستيرية بطبعك ولا يمكنكِ السيطرة على انفعالاتك وهذا لا يناسب أبى حاليا
        - حقا ! وهل يجب علينا أن نتحول جميعا لقطع من الثلج مثلك .. ولماذا لم تظل معه أنت أيضا؟
        - كنت هناك لأمنعك من الدخول .. أعلم أن عادل لا يمكنه السيطرة عليكِ لذا تركته هناك مع الطبيب وهو سيخبرنا بكل شىء
        - لماذا تقرر عن الجميع .. من تظن نفسك

        قمت من مكانى بغيظ وأنا أحاول الهرب منه قبل أن يكبلنى من جديد ويعيدنى مكانى قائلاً
        - لا تحاولى
        - ومن أنت لتمنعنى .. ليس من حقك
        قال من بين أسنانه
        - اخفضى صوتك
        صرخت وأنا أتملص منه
        - لا تلق علىّ الأوامر .. سأرى أبى رغماًً عنك
        - لتجربى إذن
        واصلت محاولاتى الفاشلة للفكاك من بين ذراعيه اللتين تطوقانى بقوة قبل أن انتبه لما أنا فيه

        عاصم يحتوينى بالفعل .. أنفاسه تصطدم بوجهى .. عطره يغمرنى .. يمكننى رؤية خطوط قرنيتيه وشعيرات ذقنه وآثار أظافرى على صدره .. يمكننى سماع نبضات قلبه ولمس عضلات ذراعيه.. كيف حدث هذا .. لم يقترب عاصم منى لتلك المسافة من قبل .. ارتعشت أطرافى بشدة .. وتعالت نبضات قلبى .. ونبتت حبات من العرق فوق جبهتى .. أغمضت عينى حتى لا أرى المزيد من تفاصيله وحتى لا يرى هو ما يرتسم فى عينى وأخفيه بشدة .. قلت وأنا مغمضة العينين
        - حسناً يا عاصم .. اتركنى الآن .. أعدك ألا أتحرك من مكانى
        - لا أثق بكلامك
        ازداد ارتجاف جسدى حتى كاد يكشف مابى وأنا أقول له بتوسل
        - أرجوك يا عاصم .. أنت تؤلمنى .. أفلتنى أرجوك

        رأسى يدور بشدة .. ابعدنى عن مدارك يا عاصم إنه يجلب الجنون لمن يقترب منه .. تلك المنطقة حولك خطرة .. يجب أن تضع لافتة توضح ذلك للجميع .. أحسست برأسى يتهاوى فوق صدره .. ذلك الشعور يكاد يقتلنى .. كأنى ألقيت نفسى من فوق جبل شاهق .. أو ربما وسط موج بحر هائج .. أو عله قلب إعصار ما .. أو أى شىء آخر تعرف أنك لن تعود بعدها إلى نفسك .. لكننى أريد أن أبقى هناك للأبد

        ابتعد عاصم وهو يفلتنى ببطء .. فتحت عينى لتقابل عينيه .. كانت هناك نظرة غريبة لم أرها من قبل .. ظللت أنظر له وأنا أشعر كأنى ورقة شجر تعبث بها الرياح وتطيرها فى كل مكان .. مد يده ورتب خصلات شعرى المبعثرة على وجهى وهو يبتسم ويقول كمن يكلم طفلة
        - لن أغلق عليكِ الباب .. سأثق بكلامك تلك المرة

        وابتعد بهدوء وتوجه للخارج .. عله يتأكد أننى لن أتبعه لسبب واحد هو أننى لا أقو على استخدام قدمىّ الآن
        ما هذا الشعور العجيب .. ما تلك القوة الكاسحة التى تملكها يا عاصم .. من تلك التى يمكنها أن تتحمل طوفان جاذبيتكِ التى لا مثيل لها .. أنت لا تشبه أحد ممن يدعون رجال .. تلك الدمى البشرية التى أقابلها يوميا ولا تحرك شعرة منى .. كيف لك أن تبعث فىّ تلك المشاعر المتلاطمة .. كيف تثير الرجفة فى أوصالى كأنى أمسك بقطعة جليد لكنها فى الوقت نفسه تحرقنى كأنها قطعة جمر .. من يملك قوة الثلج والنار معا؟ً .. من أنت أيها الغريب؟

        ***

        لا أعرف كم من الوقت مضى وأنا فى هذا العالم الآخر .. استغرق الأمر طويلا حتى عدت لنفسى أو علها هى من عادت إلىّ
        قمت من فراشى وتوجهت نحو الباب .. بدت المسافة أطول بكثير وخطواتى ضيقة ومهتزة وكأننى أتعلم المشى
        لكننى وصلت أخيرا وقبل أمتار من غرفة أبى تجمدت مكانى
        لابد أن الطبيب انتهى من فحص أبى حيث كان هناك يتحدث مع عادل وهو يستمع له فى اهتمام
        بينما عاصم يتحدث معها هى

        علها المرة الأولى التى أجد فيها عاصم يتحدث لأنثى ما
        أغمضت عينىّ قليلا ثم فتحتهما لأتأكد من كونى لا أهذى
        لا أحتاج لذكاء كبير لأعرف من ملابسها البيضاء المميزة أنها ممرضة لكن هذا الشعور الغريب نحوها منعنى من إدراك ذلك لبعض الوقت
        كل ما رأيته هو أن امرأة ما تقف بجوار عاصم .. تستمع لكلماته .. ترتسم داخل عينيه .. تشغل حيز من عقله .. يتردد صوتها فى أذنيه .. هل تبتسم له أيضا؟ .. هذا كثير .. كثير جداً

        الآن عرفت لم منعنى عاصم من دخول غرفة أبى
        حتى لا أرى الملاك هذا الذى هبط على رؤوسنا بلا استئذان

        لا أدرى كيف حملتنى قدمىّ اللتين كانتا تدعيان نسيان كيف يكون المشى منذ قليل ووجدتنى أندفع نحو ملاك الجحيم هذه بلا تردد قبل أن تمنعنى ذراع فولاذية من اتمام مهمتى المجنونة وصوت عاصم يتردد
        - وهذه هى صغيرتنا حبيبة أبوها
        ابتسمت فى وجهى وهزت رأسها وهى تقول
        - تشرفت بمعرفتك
        وقبل أن يجيبها لسانى بما لن يسعدها بادر عاصم بشكرها وسحبنى من أمامها ببساطة كما تفعل طفلة صغيرة بدميتها ووجدتها تبتعد عن عينى وتدخل غرفة أبى وتغلق الباب خلفها بهدوء
        هل ما أفكر به صحيح .. ياللمصيبة!

        ***
        تتماوج الموجودات فى عينى .. أشعر بثقل جفونى التى ترغب فى البقاء مطبقة للأبد .. أحاول أن أعرف أين أنا .. تلك الأسلاك الموصلة بجسدى المنهك .. تلك الرائحة أيضا .. أنا فى المشفى .. هناك من أحضرنى هنا دون إرادتى .. هناك من حرمنى من الذهاب لأبى .. كنت أنتظر تلك اللحظة منذ زمن .. ليس من حق أحد أن يفعل بى هذا .. حاولت القيام من الفراش لكن كل شىء كان يدور من حولى بجنون .. رأيت خيال لشخص ما يقترب منى بملابس بيضاء مميزة .. رأيت مثلها من قبل .. أظنها كانت فى حياة أخرى بعيدة جداً ...

        #يُتبع
        إن شاء الله

        تعليق

        • &أم محمد&
          مشرفة ركن همسات فتيات وفيض القلم
          • Jul 2007
          • 17518

          #19
          ها قد بدأت "حبكة" القصة
          ويزداد معها لهفتنا لتتبعها
          متابعين معكِ ياغالية
          ::
          يا رب إن أعداءك قد جمعوا جمعهم ضد المسلمين
          فيـا رب يا مجرى السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم.

          ::

          تعليق

          • رشا محمود
            ملكة القصص
            • Nov 2005
            • 1626

            #20
            المشاركة الأصلية بواسطة &أم محمد&
            ها قد بدأت "حبكة" القصة
            ويزداد معها لهفتنا لتتبعها
            متابعين معكِ ياغالية
            شكرا لذوقك غاليتى أم محمد
            أتمنى فقط ممن يتابع الحلقات أن يشرفنى بإبداء رأيه فيها
            لم أعتد على الكتابة فى هكذا صمت
            شكراً لكِ مرة أخرى
            تحيتى

            تعليق

            • رشا محمود
              ملكة القصص
              • Nov 2005
              • 1626

              #21

              (7)


              هل تتخيلون ذلك؟
              هذا البيت الكبير لم يعرف له أميرة سواى .. لم تخطو أى امرأة عتبة بابه من قبل .. فكيف الآن يأتون بأخرى لتعيش فيه ولو لبعض الوقت
              من أخبرهم أن أبى بحاجة لها
              من أقنعهم أن وجودها سيجعل حالته تتحسن
              من سمح لهم أن يأتوا بها دون استشارتى وكأن لا وجود لى
              يمكننى أنا أن أقوم بتلك المهمة
              لن أفارق أبى لحظة واحدة
              سأنفذ أوامر الطبيب كلها ولو اضطررت لدراسة الطب من أجل أن أكون طبيبته الوحيدة
              والآن لا بد لذاك الملاك أن يرحل من حيث جاء قبل أن يحل عليه غضبى

              كانت بعض الأفكار السوداء تعبث فى رأسى قبل أن أسمع طرقات هادئة على باب غرفتى .. تجاهلتها عمداً ورغم ذلك وجدت عاصم أمامى يبتسم ببرود
              فسألته دون أن أنظر نحوه
              - لم تركت نوبة حراستك؟
              - أى حراسة!
              - حراستك للملاك الذى يسكن غرفة أبى
              - ومن أخبركِ أننى أقوم بحراستها؟
              قمت من مكانى بغيظ
              - وهل تفارق أنت باب غرفة أبى للحظة وكأنك تخشى أن أفترسها مثلاً
              - أعلم أن باستطاعتكِ أن تفعلى ذلك
              - .........
              - ألن تتخلى عن هوسكِ هذا حتى فى تلك الظروف؟
              - أى هوس؟
              - غيرتكِ المجنونة من كل أنثى تقابلك
              صرخت فى وجهه
              - أنا أغار منها .. ماهذا الذى تقوله .. كيف تجرؤ...
              - هذه هى الحقيقة التى ترفضين الاعتراف بها منذ طفولتك .. قد أصدق كونكِ بحاجة لعلاج ما من تلك الحالة
              دفعته بغيظ نحو الباب وأنا أضغط على أسنانى
              - عاصم .. اخرج من حجرتى حالاً وعد لحراسة باب الجنة حيث تسكن الملائكة
              نظر إلىّ صامتاً لبعض الوقت قبل أن يقول
              - إذن لابد أن أقوم بحراسة بابكِ أنتِ
              هدأت ثورتى فجأة وتعلقت بحروف كلماته كطوق نجاة فى خضم بحر هائج وتهدجت الكلمات على شفتى
              - هل .. هل تقصد أننى الملاك؟
              اقترب منى بنعومة وهو يقول
              - بالطبع .. للجحيم ملائكة كذلك
              - !!!!!!!!!!!!!!
              خيراً فعل بالهرب من أمامى بعد كلماته تلك .. كنت لأريه الجحيم على الأرض كيف يكون
              حسناً يا عاصم أنت لا تعرف ما الذى جلبته على ملاكك هذا

              ***

              اقتحمت غرفة أبى دون أن أطرق بابها
              وقفت هى تنظر نحوى بدهشة .. نظرت للكتاب الذى يتأرجح فى يدها والذى كانت تطالعه منذ قليل .. أشرت نحوه وأنا أقول
              - هل يتضمن عملك هنا قراءة الكتب أيضا
              - أنا ...
              - نحن ندفع لكِ لكى تهتمى بأبى لا أن ترفهى عن نفسك
              - لو سمحتى ....
              - لا عمل لكِ هنا سوى رعاية أبى فقط والعمل على تحسن صحته وإلا من الأفضل لكِ أن تغادرى هذا البيت فوراً
              - لا أفهم .. أنا لم أخطىء فى شىء
              - لا تجادلينى
              - يا آنسة....
              قاطعتها فى ثورة
              - أنا لست آنسة .. أنا سيدة هذا البيت والمسؤولة عن كل ما يخص أبى
              أجابتنى ببرود
              - أعتقد أن أستاذ عاصم هو المسؤول و .....
              هتفت بها بثورة وأنا لا أصدق أن اسم عاصم يجرى على لسانها بتلك البساطة
              - عاصم .. عاصم .. ما شأنكِ أنتِ بعاصم .. وكيف تجرؤين على الرد علىّ بتلك الوقاحة .. كيف؟
              أجابتنى بارتباك
              - من فضلك اخفضى صوتكِ .. ستوقظين المريض
              صرخت بها بنبرة أعلى
              - لا تملى علىّ الأوامر .. وما تصفينه بالمريض هو أبى .. لا مرضى هنا سواكِ أنتِ ولن تبق فى هذا المكان لحظة واحدة هل تفهمين؟

              سمعت بعض الأنات الخافتة .. التفت نحو أبى الذى كان يتحرك ببطء ويمسك برأسه فى ألم .. ووجدتها هى تهرع نحوه وتتفحصه باهتمام ثم تعطيه قرص ما من أحد العلب التى تزدحم بها الطاولة المجاورة له وبعدها هدأ قليلا ثم عاد للنوم .. إنه لم ينتبه حتى لوجودى أمامه ..

              هل أبى مريض لهذه الدرجة!
              وهل يحتاج لها فعلا
              وهل وجودها بجواره أكثر فائدة من وجودى أنا

              وضعت يدى على فمى لأكتم صرخة قهر كادت تفلت منى .. ما الذى كنت أحاول فعله .. هل تماديت فى جنونى حتى كدت أؤذى أبى الحبيب .. خرجت من الحجرة مسرعة ودموعى تسبقنى

              عاصم محق فعلا .. أنا مريضة ومهووسة
              لكنه لم يعرف بعد أننى مريضه به وحده
              فكيف لى بترياق يشفينى منه

              ***

              التزمت غرفتى ووجهت كل تركيزى نحو دراستى التى كدت أهملها .. لا أريد لأبى أن يغضب منى لهذا السبب
              لم أعد أزوره فى غرفته .. اطمئن على أخباره من عادل
              توقعت توبيخا ما من عاصم بسبب ما فعلت .. لكن ذاك الملاك كان من النبل بحيث لم يخبر أحد بما بدر منى

              هذا يزيد حالتى سوءاً ويجعلنى أشعر بتأنيب الضمير أكثر
              فكرت فى الاعتذار منها لكنى لم أجرؤ على ذلك .. لم أجرب الاعتذار لأحد ما من قبل .. أظننى بحاجة لتعلم بعض السلوكيات الجيدة لأتمكن من التعامل مع الآخرين بصورة أفضل حتى لا أترك ذلك الأثر السىء فى نفوسهم

              لمست بأصابعى تلك الصورة التى تزين مكتبى .. نظرت لملامح صاحبها التى هى كل عالمى ومصدر سعادتى ورمز حمايتى .. لا أصدق كونى لم أره منذ أيام .. لقد تغير كل شىء بغيابه .. لم أعرف كونى أحتاجه إلى تلك الدرجة .. أشعر بالخوف كطفلة تائهة فى الظلام .. تزورنى الكوابيس كل ليلة .. وتحاصرنى الظنون كل يوم .. لا أتخيل حياتى من دونه .. أظن الموت وقتها سيكون أكثر راحة .. انقبض قلبى بشدة لتلك الأفكار .. قمت من مكانى وتوجهت نحو الباب وقبل أن أخرج منه شعرت بالخجل من نفسى وكدت أعود لمكتبى لكن شىء ما دفعنى دفعاً للخروج والتوجه مباشرة نحو غرفة أبى

              ***

              هى لم تكن هناك لحسن حظى .. مازلت لا أعرف كيف يكون الاعتذار لأحد ما .. وكنت أفتقد أبى بشدة .. جلست بجواره أتأمله .. متى ينتهى كل هذا .. متى ستعود لتنير عالمى الذى أظلم بغيابك وغربت شمسه .. متى سأسمعك تنادينى صغيرتى وتوبخ الجميع من أجلى .. متى ستسألنى عن دراستى وتجلس بجوارى فى المساء نتحدث عن كل شىء .. كم أشتاقك .. وكم تبدو الأيام غريبة وموحشة من دونك .. متى ستعود يا أبى .. متى؟

              كانت دموعى تنهمر من عينى وأنا أمسك بكفه دون أن يشد على يدى بحنان .. أصابعه متراخيه وكأنها لا تشعر بى .. كنت دوما تشعر بى حتى فى نومك .. أين ذهبت عنى .. ليتنى أعرف مكانك لأذهب إليك .. سأجذبك من يدك الحانية وأعود بك لتعود لنا الحياة من جديد .. ولو لم ترد العودة سأبقى معك فلا رغبة لى فى حياة لست فيها

              قبلت كفه وأسرعت بالهرب من غرفته .. كم أكره أن يرى أحد دموعى .. حبات اللؤلؤ كما كنت تسميها
              لكم أهدرت اللؤلؤ فى غيابك يا أبى


              #يُتبع
              إن شاء الله

              تعليق

              • رشا محمود
                ملكة القصص
                • Nov 2005
                • 1626

                #22

                (8)


                لقد نجحوا فى ذلك .. أنا مازلت هنا .. أشعر بالسخط على كل شىء .. ولا أكف عن الصراخ فى وجه كل ذات معطف أبيض .. أريد الهرب من هذا المكان .. كانوا يحاولون السيطرة على ثورتى دون فائدة .. لم أهدأ حتى طالعنى وجه محبب إلىّ .. تلك السيدة الحنون جارتى فى البناية .. رغم امتناعى عن التعرف على أى ممن يسكنون تلك البناية .. لكن هذه السيدة تختلف عن الجميع .. ليست فضولية أبداً حتى إنها لم تسألنى عن اسمى .. كانت لا تكف عن الابتسام فى وجهى والسؤال عن حالى حين تقابلنى .. بل ومنحى بعض الأطعمة من صنع يدها رغم كونى لم أعد أشتهى الطعام كما أننى لم أعد أشتهى الحياة كذلك .. لكنى كنت أشعر بالاطمئنان حين أراها وكانت تنادينى ابنتى .. كانت تعوضنى قليلا عما فقدته فى حياتى الأخرى .. أظنها السبب فى وجودى هنا .. جلست بجوارى وابتسمت فى وجهى وهى تقول
                - حمداً لله على سلامتكِ يا ابنتى
                أجبتها بوهن
                - سلمكِ الله
                - لقد شعرت بالقلق عليكِ حين لم أركِ ذاك اليوم وطرقت بابكِ كثيراً ولكنكِ لم تردى أبداً فخشيت أن يكون أصابكِ مكروه فطلبت من ابنى أن يفتح بابكِ ولو بالقوة لأطمئن عليكِ فوجدناكِ فى حالة سيئة جداً وقمنا بنقلكِ فوراً إلى هنا .. حمداً لله لقد أحضرناكِ فى الوقت المناسب قبل أن تسوء حالتكِ أكثر

                هززت رأسى وابتسمت لها ابتسامة شاحبة .. لو تعرف أن ما فعلته هو آخر ما قد يسعدنى .. تلك الحياة لم تعد تعنينى فى شىء .. أتمنى لو رحلت عنها فوراً فلن أفتقد فيها أحد ولن يفتقدنى أحد كذلك

                نظرت لى بحنان وهى تقول
                - أنتِ لا تحسنين العناية بنفسكِ يا ابنتى .. لكم أشعر بالقلق عليكِ وأنتِ تسكنين بمفردكِ فى سنكِ الصغيرة هذه
                أين عائلتكِ .. لم لا تعيشين معهم؟

                أطرقت برأسى صامتة وأنا أفكر أن الفضول لابد أن يفرض نفسه وأن وقت الأسئلة قد جاء

                قالت بحرج
                - حسناً يا ابنتى إن كنتى لا تريدين الحديث عن هذا .. فلا تتحدثى .. لكنى لن أدعك تهملين صحتكِ بعد الآن

                أخرجت من الحقيبة التى تحملها بعض العلب التى تحوى طعاما ما وهى تقول
                - لن أذهب حتى تنهين طعامك .. اتفقنا
                هززت رأسى بابتسامة تقدير لتلك الأم الحنون وأنا أقول
                - شكراً لكِ
                وضعت أول ملعقة داخل فمى ثم نظرت نحوى قائلة
                - هل تسمحين لى على الأقل أن أعرف اسمكِ
                نظرت نحوها للحظات صامتة قبل أن أجيبها بارتباك
                - و ... و ... ورد .. اسمى ورد
                ابتسمت بحنان وهى تلقمنى ملعقة أخرى وتقول
                - يا أجمل من الورد أنتِ

                ***

                الاختبارات تقترب

                لا أعرف كيف مرت علىّ تلك الأيام .. أقضى كل وقتى بين الكتب أدرس جيداً حتى يفخر بى أبى عند عودته .. أظنه فى سفر بعيد لكنى أعرف أنه سيعود من أجلى .. وسأسعده بتفوقى كالعادة .. سيباهى بصغيرته الجميع كعهده دوماً .. لن أخذلك أبى .. أعدك بذلك

                لم أعد أكترث لذات الملابس البيضاء .. ولم أعد أفكر بعاصم .. ولم أعد أشاكس عادل .. كل ما أفكر به هو أبى والاختبارات التى اقتربت والتى ما أن أجتازها حتى يتحقق الحلم وأحصل على شهادة التخرج

                ثق بى يا أبى .. صغيرتك ستجعلك تفخر بها
                فقط عد إلينا من سفرك الطويل هذا فقد طال الغياب


                ***

                - ورد .. ورد
                التفت نحوها بعد لحظات
                - لم أنتِ شاردة يا ابنتى
                - ها .. لا شىء
                - يقول الطبيب أنكِ تحسنتى كثيرا ويمكنك أن تخرجى اليوم
                - حسنا .. أريد الخروج من هنا
                - وهل ستعودين لبيتك؟
                - نعم .. أشعر بتحسن الآن .. لا مشكلة
                - ولكن ....
                - لا تقلقى .. سأكون بخير .. صدقينى

                ارتسمت نظرة قلق فى عينيها فابتسمت لها مطمئنة إياها أن كل شىء سيكون على ما يرام
                - لكنى سأزوركِ لأطمئن عليكِ باستمرار
                هززت رأسى موافقة قبل أن يتناهى إلى سمعى صوتا رجوليا يقول
                - هيا يا أمى السيارة جاهزة
                التفت نحو مصدر الصوت كان يقف عند الباب شاب فى منتصف العشرينيات تقريبا متوسط القامة ذو ملامح مريحة وابتسامة تشبه بشدة ابتسامة السيدة الطيبة التى بادرته قائلة
                - تعال يا بنى
                اقترب بخطوات خجلى وهو يقول بأدب
                - حمداً لله على سلامتك
                أشارت نحوه السيدة وهى تقول
                - هذا هو ابنى (فضل) وهو من أوصلك للمشفى كما قلت لكِ

                هززت رأسى له محيية إياه بخجل وأنا أتخيل كونه كان يحملنى بذراعيه وينزل الدرج العالى بسرعة
                قاطع أفكارى صوت السيدة وهى تقول
                - هيا يا ابنتى سنقوم بتوصيلك إلى البيت

                #يُتبع
                إن شاء الله

                تعليق

                • ج ـسـوؤر الـفـن
                  النجم البرونزي
                  • Apr 2015
                  • 780

                  #23
                  يالله كم هي جميلة كلماتك
                  قصتك تجذبني بشدة
                  كلما اردت التوقف احس ان هناك ماهو اجمل واكمل للقصة

                  عشت الجو معك^^
                  والله اني كنت بأبكي يوم مرض ابوها
                  جمييلة جددا
                  ربي يسعدك ويبارك فيك وجمييع المسلمين
                  بانتظارك رشوو

                  تعليق

                  • خَفاياالرُوح
                    مشرفة ركن التصاميم
                    • Sep 2010
                    • 5447

                    #24
                    :
                    من المتابعات بصمت (:
                    عن جد والله لا أعرف ماذا أرد أو أكتب ..!!
                    روايه راائعة بكل مافيها من الأسلوب بالكاتبة
                    والتشويق والأحاسيس والمشاعر الرائعة
                    حقيقي حقيقي رواية مشوقة أحببتها رشا (=
                    واااااصلي..


                    تعليق

                    • رشا محمود
                      ملكة القصص
                      • Nov 2005
                      • 1626

                      #25
                      المشاركة الأصلية بواسطة ج ـسـوؤر الـفـن
                      يالله كم هي جميلة كلماتك
                      قصتك تجذبني بشدة
                      كلما اردت التوقف احس ان هناك ماهو اجمل واكمل للقصة

                      عشت الجو معك^^
                      والله اني كنت بأبكي يوم مرض ابوها
                      جمييلة جددا
                      ربي يسعدك ويبارك فيك وجمييع المسلمين
                      بانتظارك رشوو
                      شكراً لكِ غاليتى
                      أسعدتنى كلماتكِ كثيراً
                      شكرا للمتابعة والتعليق
                      دمتى بخير

                      تعليق

                      • رشا محمود
                        ملكة القصص
                        • Nov 2005
                        • 1626

                        #26
                        المشاركة الأصلية بواسطة خَفاياالرُوح
                        :
                        من المتابعات بصمت (:
                        عن جد والله لا أعرف ماذا أرد أو أكتب ..!!
                        روايه راائعة بكل مافيها من الأسلوب بالكاتبة
                        والتشويق والأحاسيس والمشاعر الرائعة
                        حقيقي حقيقي رواية مشوقة أحببتها رشا (=
                        واااااصلي..

                        شكراً لكِ غاليتى
                        يسعدنى جداً قراءة تعليقاتكن
                        التعليق يشجع الكاتب كثيراً
                        لا حُرمت طلتكِ
                        دمتى بكل الخير

                        تعليق

                        • رشا محمود
                          ملكة القصص
                          • Nov 2005
                          • 1626

                          #27

                          (9)


                          هناك صمت مطبق فى هذا البيت
                          هناك أجواء متوترة وقاتمة
                          أحاديث جانبية بين عاصم وعادل تنقطع بمجرد أن أمر بجوارهما
                          الطبيب يكثر من زياراته لغرفة أبى
                          وذات الملابس البيضاء لا تتركه لحظة واحدة

                          وأنا لا أسأل أحد عما يحدث
                          أتجاهل كل ما يدور حولى
                          أركز فقط فى دراستى واختباراتى التى أجتازها الآن
                          أخرس ذلك الهاتف المذعور بداخلى الذى ينبئنى أن أسوأ كوابيسى سوف يتحقق
                          أتجاهل وجيب قلبى الذى يعلو بطريقة مرعبة حين أمر بجوار غرفته دون أن أجرؤ على دخولها
                          لا أنظر فى عيونهم حتى لا أعرف ما يخفونه عنى
                          كل شىء سيكون على ما يرام
                          هذا ما أحدث به نفسى كل يوم
                          أعيش تلك الأيام كآلة لا هم لها سوى أداء مهمتها بنجاح
                          ولا مهمة لدى سوى النجاح بتفوق لأحقق حلم أبى


                          كان اليوم هو الأخير فى الاختبارات

                          زميلاتى يتجمعن معاً ليقضين أوقاتهن الأخيرة فى الجامعة .. وأنا أمضى بينهن كالمسحورة دون أن أنظر لأحد .. اسمع اسمى يتردد من حناجر مختلفة لكنى لا التفت خلفى .. شىء ما يعتصر قلبى بقوة .. شىء كريه يطبق على أنفاسى كحجر .. تتجمع دموع لا أعرف لها سبب فى عينى جعلت الموجودات من حولى تتماوج .. خطواتى ترتجف وساقاى لا تقويان على حملى .. ماذا حل بى؟

                          عله إرهاق أصابنى من كثرة المذاكرة
                          أو عله ذلك الهاجس المرعب الذى أرفض مجرد التفكير به .. ورغم ذلك لا يكف عن ملاحقة عقلى طوال الوقت .. هلا خرست الآن .. هلا خرست

                          صرخت بشدة وانفجرت فى البكاء وسقطت أرضاً وأنا أشعر أن قلبى سينفجر .. تجمع الكثيرين من حولى .. لكنى لا أرى أحد .. أنا وحدى تماما .. أين أنت يا أبى .. أين أنت يا عالمى بأسره؟

                          ***

                          عدت للبيت الخاوى والجدران الباردة والصمت الثقيل وكل ما يدفع جرح الماضى لينزف بلا توقف .. أشعر بوهن شديد .. نظرت للطعام الذى أحضرته جارتى الطيبة بلا شهية .. لقد أصبح هناك من يهتم لأمرى ويقوم برعايتى رغماً عنى .. تمنيت لو أبقى وحدى للأبد .. لو أكون شبح لا تراه عيون الآخرين .. ألا تنمو علاقة ما بينى وبينهم .. لكن هناك أشياء تحدث بلا إرادة منى .. كحنان تلك الجارة الذى لا يمكننى صده وشهامة ذلك الشاب أيضا .. هناك من يصر على الدخول لحياتى الباردة وإضرام النار فيها وإذابة جليدها .. فكيف سأتمكن من الهرب تلك المرة .. كيف؟

                          ***

                          لا أعرف كيف وصلت للبيت .. لكنى وجدتنى أخطو نحوه بخطوات ثقيلة مازالت ترتجف .. جلست على الدرج الخارجى فى الحديقة أرمق البيت الحبيب الذى يحمل كل ذكرياتى وأسعد أيامى وأغلى من فى حياتى

                          لا يمكننى الدخول .. أشعر بالخوف الشديد .. هناك شىء ما يحدث .. شىء مقيت لا يمكننى تصوره .. أتمنى لو يُفتح الباب الآن وأرى أبى يخرج منه بهيبته وقوته وابتسامته .. يجلس بقربى ويمسد شعرى وينادينى صغيرتى ويسألنى عن حالى .. نظرت حولى .. كل بقعة هنا تحمل منى الكثير ..أرانى هناك طفلة ألعب بجوار أبى وهو يقرأ الجريدة .. أرى مشاكستى لعادل والمقالب التى نالها منى واحداً تلو الآخر .. أرى عاصم العنيد وهو يثير غيظى فأسرع نحو أبى لأشكوه .. تهطل الأمطار من عينى بلا توقف والذكريات تتدفق على عقلى .. أشعر بالبرد الشديد رغم حرارة الجو .. أشعر وكأن أحدهم وضع حجرا ثقيلا على صدرى .. وكأن هناك من ينتزع روحى من جسدى

                          الباب يُفتح مصدراً صوتا جعلنى أجفل ثم التفت نحوه بلهفة .. طالعنى وجه عادل لكنه يبدو مختلفا .. كان واجما مصدوما .. لم يتوقع وجودى هنا .. أخبرتنى عيناه كل شىء .. وجهه كصفحة بيضاء لا يمكنه إخفاء ما بداخله فهو يرتسم عليه رغماً عنه .. ليتنى ما نظرت نحوه .. ليتنى لم أقرأ ما ارتسم على وجهه .. نظر نحوى بصمت مخيف ثقيل كثقل الحجر الذى يجثم على صدرى الآن

                          تراجعت بخطوات مرتعشة حتى التصقت بالجدار .. يدى تكمم فمى كى لا أصرخ .. ووعيى يتداعى ويكاد يتخلى عنى .. هززت رأسى بقوة لأستفيق من هذا الكابوس الحى الذى يحاصرنى بشراسة

                          هل الأرض تتشقق من تحتى
                          هل السماء تُطبق علىّ
                          هل أنسحقت أنا فيما بينهما
                          هذا ما شعرت به وأنا أهوى فى تلك الهوة السحيقة المظلمة كجوف القبر

                          #يُتبع
                          إن شاء الله

                          تعليق

                          • خَفاياالرُوح
                            مشرفة ركن التصاميم
                            • Sep 2010
                            • 5447

                            #28
                            :

                            :
                            من أصعب الأحاسيس فقدان السند فعلا وقتها
                            بنحس بالعجز والهم والحزن
                            أتقنتي الوصف وبدقة غاليتي
                            رعاكِ الله وحماكِ
                            متشوقة لرؤية البقية (:
                            :



                            تعليق

                            • &أم محمد&
                              مشرفة ركن همسات فتيات وفيض القلم
                              • Jul 2007
                              • 17518

                              #29
                              مشاعر وأحاسيس ترتسم أمامنا تمثل صورة حقيقية للقصة
                              وكأننا نشاهدها على شريط بصور متحركة أمامنا تجسد واقع لا قصة
                              جميلة تلك الحروف التي تنسجين منها كلماتك المعبرة

                              ::
                              يا رب إن أعداءك قد جمعوا جمعهم ضد المسلمين
                              فيـا رب يا مجرى السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم واجعل الدائرة عليهم.

                              ::

                              تعليق

                              • رشا محمود
                                ملكة القصص
                                • Nov 2005
                                • 1626

                                #30
                                المشاركة الأصلية بواسطة خَفاياالرُوح
                                :

                                :
                                من أصعب الأحاسيس فقدان السند فعلا وقتها
                                بنحس بالعجز والهم والحزن
                                أتقنتي الوصف وبدقة غاليتي
                                رعاكِ الله وحماكِ
                                متشوقة لرؤية البقية (:
                                :


                                شكراً لكِ غاليتى خفايا الروح
                                تسعدنى متابعتكِ كثيراً
                                دمتى بخير

                                تعليق

                                يعمل...