أمسكتُ به ، وقُلتُ له : اكتُب .
قال : لن أكتُب .
قُلتُ : لِمَ ؟!
قال : لقـد نَفِـدَ حِبْري .
قُلتُ : مُنذُ متى ؟!
قال : مُنذُ أنْ تغيَّرتِ .
قلتُ : وهل تغيَّرتُ أنا يا قلمي ..؟!
قال : نعم .
قُلتُ : أتمنى أنْ أكونَ قـد تغيَّرتُ للأفضل .
قال : لا .
قُلتُ : كيف ؟!
قال : لقـد ضَعُفَت هِمَّتُكِ ، وقَلَّ نشاطُكِ ، ولم تعودي الساعيةَ التي كُنتُ أعرِفُها ، وتُملي عَلَيَّ ، فأكتُبُ كلماتِها ونصائِحَها ومواضيعَها .
قُلتُ له : لقـد أحزنتني يا قلمي " (
قال : وأنا قَلِقٌ عليكِ ، وكذلك بَقِيَّةُ أصدقائِكِ قلِقون عليكِ .
قلتُ : مَن ؟!
قال : أصدقاؤكِ ! يبـدو أنَّكِ نسيتيهم ، فهم أيضًا يشكون مِنكِ ، وحُقَّ لكِ أنْ تنسيهم ، وقـد هجرتيهم .
قُلتُ : أنا ؟!
قال : نعم ؛ إنَّهم مُصحفُكِ ، وكِتابُكِ ، ودفترُكِ .
قُلتُ : آهٍ ثُمَّ آهٍ يا قلمي . لا تُقلِّب عَلَيَّ مواجعي ، فإنِّي أفتقِدُ أصدقائي بشِدَّة ، ولم أنساهم أبدًا ، ولم أهجُرهُم يومًا ، فهُم دائمًا على بالي .
قال : وهل يكفي هـذا ؟!
قُلتُ : لا تُتعبني أكثرَ يا قلمي ، يكفي ما أنا فيه .
قال : وماذا بِكِ ؟!
قُلتُ : أتُريدُني أنْ أَبُثَّ إليكَ هُمومي وآلامي أم تُريدُني أنْ أشكوَ لِمَن حولي ، وأُقلقَهم معي ، وأُشغلَِهم عَلَّى ؟!
قال : أتُريدين أنْ تعيشي الحياةَ وَحدَكِ ؟!
قُلتُ : لا ، لكنْ لِكُلِّ إنسانٍ ما يَشغلُه ، ولا أُريدُ إزعاجَ أحـد .
قال : ستكتُمين ، ثُمَّ تتعبين ، وبعـدها ستندمين .
قُلتُ : لا يا قلمي ، فالحياةُ علَّمتني ألَّا أُكثِرَ الشَّكوَى ، وأنْ أكتفيَ بقولِ ( الحَمْدُ للهِ ) إذا سُئِلْتُ عن حالي ، فهو سُبحانه الذي يُزيلُ الهَمَّ ، ويكشِفُ الغَمَّ ، ويُذهِبُ الأحزان .
قال : صدقتِ واللهِ يا ساعية ، لكنْ ماذا إذا جاءت مَن تشكو إليكِ ، أو تُفَضفِضُ معكِ ، أتَرُدِّينها ؟!
قُلتُ : لا يا قلمي ، أنا لا أرُدُّ أحـدًا ، ولا أنزعِجُ مِن ذلك أبدًا . لكنْ لِكُلِّ إنسانٍ شخصيتُه وطبيعتُه التي تختلِفُ عن غيره .
قال : وماذا تُريديني أنْ أكتُب ؟
قُلتُ : اكتُب أىَّ شئ ، المُهِمُّ ألَّا تبقى صامِتًا ، وأنْ يَذهبَ عنكَ هـذا القَيْدَ الذي يمنعني مِن تحريكِكَ .
قال : كُلُّ ما أُريدُهُ هو حِبْـرٌ جديـدٌ يُعيدُ إليَّ نشاطي وحَيويَّتي .
قُلتُ : ومِن أين لي بهـذا الحِبْرِ الذي تُريد ؟
قال : هو بيــدِكِ .
قُلتُ : أين ؟!
قال : في إخلاصِ نِيَّتِكِ ، وصِدقِ عَزيمتِكِ ، وقُـوَّةِ هِمَّتِكِ ، وسلامةِ قلبِكِ مِن الأحقادِ والأضغان . هو في سعيكِ نحو جَنَّةِ رَبِّكِ سُبحانه وتعالى بكُلِّ ما يُقرِّبُكِ إليها مِن عملٍ صالِحٍ ، وعِلمٍ نافِعٍ . هو في استباقِكِ للخيراتِ بكُلِّ أشكالِها .
قُلتُ : ومَن يُساعِـدُني على ذلك يا قلمي ؟! إنِّي أرى نفسي وحيدةً في الطريق ، أأقطعه وحـدي ؟! مِن أين لي برَفيقٍ يقطعُه معي ؟!
قال : بل حولَكِ الرِّفاقُ كثير ، ولَعلَّ ما أصابَكِ جعلَكِ لا ترينهم أو لا تشعرين بوجودِهم .
قُلتُ : لا يا قلمي ، بل هم قليل ، ولَعلَّهم لا يظهرون حولي لبُعدِهم عَنِّي أو لانشغالِهم .
قال : إذًا ، فلتستعيني باللهِ عَزَّ وجلَّ ، فهو وَحـدَهُ المُستعانُ ، ولتُكثري مِن دُعائِهِ وذِكرِهِ جَلَّ شأنُهُ .
قُلتُ : بإذن اللهِ سأُحاوِلُ يا قلمي ، فلا تبتعِـد عَنِّي ، فإنَّكَ رفيقي الذي لا يُمكنُني الاستغناء عنه ، وسأُحاوِلُ جاهِدةً مُصالحةَ بقيَّةَ أصدقائي ، فإنِّي قَصَّرتُ كثيرًا في حَقِّهم ، وليعلموا جميعًا أنَّهم في قلبي ، وقريبون مِنِّي . واللهُ المُستعان .
قال : لقـد سَعِـدتُ بكِ يا ساعية ، وتُسعِـدُني رُفقتُكِ ، وأنا معكِ دائمًا بإذن الله ، وسأُحاوِلُ الاحتفاظَ بحِبْري أطولَ مُدَّةٍ مُمكِنة .
قُلتُ : أشكُرُكَ يا رفيقي ، وأنا لن أُفَرِّطَ فيكَ أبدًا بإذن الله .
()
كلماتٌ كُتِبَت بقلم / الساعية إلى الجنة
مسـاء الجُمُعــة
11 ربيع أول 1433 هـ
3 فبراير 2012 م
م



تعليق