:
:
حكايتي هُنا ستكونُ عميقة وجدا , مؤلمة وجدا , مُبكية وجدا !
فعُذرا إن كنتُ سأؤلم بها قلوبا أحبها ,
عُذرا !
أرجوكم تنحّوا عنها لأني لا أُريد لقلوبًا أحبها أن تتألم فالمنطقة محظورة !
:
غيمة ,,
عصر الجمعة كنتُ قربها , وكان وجهها شاحبًا كـ الأمل الذي أتشبثُ به , كنتُ أنظرُ إليها بخوفٍ شديد وهي صفراء واهنة , وعند خروجنا من عندها قُبيل الغروب نادت علينا : " تعالوا سلّموا عليّه" خفق قلبي حينها بشدة فقد كان طلبُها غريبا جدا , وقبّلناها وحين ضمّتني إليها بوهنٍ شديد كنتُ أهرب عنها وأبتعد لأني أريد أن أطرد عن رأسي فكرة فقدها !
ليلتها أباحت لي أمّي وقالت : جدّتك ستموت قريبا , فقد رأيتُ الموت بعينيها ! كانت تقولها بخوف وألم ويأسْ ونظرتُ إليها وأنا أتمنى أنها لم تقل شيئا وصمتُ حينها لكني وقبل أن أنام بكيتُ وحدي وابتهلتُ كثيرا أن يااارب احفظها ولاتفجع قلوبنا بفقدها!
:
مطر ,,
يوم السبت كان مُظلمًا منذُ البداية , فالغيمُ يملأ السماء , خفتُ وتذكرت دعاء جدتي : "اللهم اجعل يومي ماطرا حتى لايؤذي غبار قبري أحد" وبكيتْ !
حادثتْ أمّي خالتي في صباحهِ ؛ لتطمئن وقالت لها : "الحمدلله اليوم بخير , اليوم تحركتْ وتوضأتْ وصلّتْ , اليوم أكلتْ وتحدثتْ معنا , اليوم عادتْ كما كانتْ " .. كلّهم فرحوا سواي , فقد شعرتُ بشيء مؤلم في قلبي وسألتُ أبي قائله : "ماهو الدعاء الذي من يقوله لاتصيبه مصيبة في يومه ؟" لا أدري لمَ قلتُ ذلك وكأنّي سأستقبل المصيبة .. وكأنّ جدتي تودّع الدنيا وتودّعنا ..
عصر السبت كان المطرُ شديد , وكان خروجنا يومها لا أدري أيّ مسارٍ قد أخذه ! كلّ ما أعرفه أنّ الجميع يومها صامتْ وكانت نُزهة كئيبة , وقفتُ يومها تحت المطر لأُخفي دمعي عن أُمّي , بكيتُ كثيرا وأنا ألهجُ بالدعاء !
:
فقد ,,
دخولنا البيت كان غريبا , جلسنا كلّنا قرب بعض صامتين وكأننا ننتظر شيئا , رنّ الهاتف وشيئا بداخلي يهتز بقوة معه , كانت المتصلة خالتي و لم أعِي من المكالمة إلا أنّ جدتي مُتعبه وجدا ..! وتحتضِر !
ذهبت أمّي إليها , ونحنُ بقينا ننتظر خبرًا مُفزعا يأتي أو أملًا يجعلنا نبكي فرحا !
وبعد أن غربتْ شمسُ ذلك اليوم , جاءنا صوتٌ باكي ينعى جدتّي , بكتْ أختي والهاتف بيدها , أغلقتُه وإذ بأخي الصغير يصرخُ فزعًا وهو لا يفقهُ معنى الموت بعد لكنّه رآه شيئًا مُرعبا جدا بأعيُننا , حينها هدّأتُه أختي وقالت أنها لم تمُت ولكنها مريضة جدا ! .. توقفتُ عن البُكاء رغبةً في تصديق الخبر , وسألتُها بأملٍ كبير : هل حقًا لم تمُت ؟!
وأجابني انهيارها أمام سؤالي وبكاؤها وقتها بكيتُ جدا وصرختُ بقوة و ...... ليتني كنتُ صابرة يا جدتي ليتني !
:
سكونْ ,,
يأتي أبي ويُعزيّنا ويُثبتنا ويُخبرنا أن نذهب لبيت خالتي حيثُ العزاء والغسيل سيكون هُناك , نلمّ أحزاننا مع ما نحتاجه ونذهب . وبالصغار فرحةٌ بالاجتماع وهنيئا لهم أنّهم لا يشعروا بحجم المُصيبة !
هنيئًا لهم !
:
انهيار ,,
يوم الأحد كان مؤلما بكل معاني الألم , لأن بكاءنا كان قد سكت فينا ولكنه عاد فتفجر من جديد ,
أنا وأختي وابنة خالتي رتبنا كل شيء لاستقبال المُعزين و .. جدتي !
وصلوا بها , وحين أدخلوها ورأيناها "جنازة" تُحمل على الأكتاف , حينها صدّقنا خبر رحيلها , وبدأت رحلة الدموع من جديد !
:
عُمْق ,,
نزلنا إليها نجرُّ ألمنا وفقدنا وكل ما بنا , تأملنا المكان والصمتُ يملؤه إلا من نشيج يُمزقنا بقوة , ووحدها تقبع في المنتصف ووجهها مغطى! بالكاد استطعنا أن نكون قربها لنكشف عن وجهها الغطاء ونقبّلها ...
ما رأيتُه يومها لا أستطيع وصفه , جدتّي لم تكن جدتي التي كانت قبل يومين , وجهها مُشرق وجدا وكأنّها لم تكُن يومًا مريضه , حتى التجاعيد اختفت , جدتي كانت كـ عروس بكامل زينتها !
حين رأينا عينا جدتي وقد أغمضها الموت , وجسدها سااااكن لا حياة به ! حينها صدّقنا وفاتها وأنّها حقا رحلت , وأنّها لن ستكون معنا في العيد ولا في حفلة تخرجّي ولا في حفل زفافي , جدتي رحلت ولن تعود , صدّقنا أنّه ماعاد هُناك شيئا اسمه جدة نزورها كل أسبوع في ذلك البيت وذلك الوادي !
فقدنا بفقدها الكثير ولازال يتوالى الفقد فحتى الذكريات فقدُها مُرّ وجدا !
:
عزاء ,,
تذكرتُ أمّي , بحثتُ عنها وجدتها تبكي بصمت فقط دموعها تحكي ما بها حاولتُ تصبيرها وبكيتُ قربها وضممتها وهي لازالت صامته , خالتي كانت تُنادي على جدتي وتبكي بصوت واهن وتُحاول تصبير نفسها عزّيتُها ولم أجد شيئا أُرقّع به الفقد , فابتعدت !
وخالتي الأخرى كانت لا تعي من حولها وربما ذاك أهونُ عليها , فقد غابت عن الوعي ولا شيء حولها يجعلها تصحو !
والصغرى كانت أشدهم ألمًا , خالتي التي رافقت جدتي كثيرا , وكانت أكثرهم وجعًا لفقدها لأنها ستعود لبيتٍ يحويها فقط دون جدتي ! كانت تجلس بالقرب منها , تكشف عن وجه جدتي وتتأمّله ولا شيء غير ذلك , تمنيتُ أن تبكي أن تصرخ أن تفعل أيّ شيء سوى الصمت , لكنها كانت كلما أتَى أحدهم وغطّى وجه جدتي سارعت بكشفه واستمرت بالتأمّل وكأنّها تُريد حفظ كلّ التفاصيل حتى لا تنساها !
:
انفجار ,,
وانتهت مراسيم الغسيل والتكفين وحُملت جدتي على الأكتاف و ... رحلت !!
حينها ضجّ المكانُ بالبكاء والدعاء , لا أنسى أمي التي كانت تبكي بصمت حين رأتني قالت لي وهي تبكي بشدة : "خلااااااص رااااحت " فأبكي وأُتمنّى لو أستطيع أن أحملَ عن أمّي ألم الفقد !
وخالاتي يبكون بقوة , والمؤلم في الأمر أنّ اسمي هو نفسُه اسم جدتي , فكلّ من رآني يرى جدتي فيّ , فكنتُ موجِعه لهم جميعا , كلّ من رآني سارع بضمي والبكاء بقوة !
حتى خالي حين أتيتُ لعزاءه بكى وضمني وأجهش بالبكاء !
:
ذكرى ,,
بعد أسبوعٍ من رحيلها سكت فينا البُكاء , و بدأ النسيان يسري بنا , لكن لازال بكلّ واحد فينا شرخٌ عمييييق خلّفه رحيلها ,
بعد أسبوع زرنا بيتها , وكان شعورا صعبا ومؤلما جدا أن نكون بذات المكان الذي رحلت به , نشمّ رائحة الموت وجدتي !
ولا نجدها ,
كان صعبا أن نلج البيت دون أن نسمع صوتها تُرحب بنا , كان صعبا أن نرى أثرها بكل مكان وأغراضها هنا وهناك ,
بدأوا بترتيب أغراضها وتنفيذ وصيّتها , وكانوا يتوزعون فيما بينهم أشياءها الخاصة , وأنا لم أستطع أن أكون مثلهم ورجوتهم أن أحتفظ بشيء منها لأجلي ولم يسمعني أحد ,
لا أزال أذكر ذلك اليوم تمامًا , حين ألقوا بأدويتها وكل ما يخصّ المشفى ليتخلصوا منه , يومها سارعتُ بأخذ تلك البطاقة التي تحمل اسمها ورقم ملفها واسم المشفى , خبأتُها لأحتفظ بها , وكانت أجمل ذكرى حصلتُ عليها كنتُ كلما اشتقت لها , أخرجت البطاقة وتأملتُها وبكيت وحدّثتُ جدتي بأخباري ونمت !
وقريبا وقبل أيام فقدتُ تلك البطاقة , بكيتُ فقدها بقوة , فقد كانت تعني لي جدتي , لا أدري أين ذهبت ؟ كنتُ حريصة عليها بشدة , لكن لا أدري ما الذي حصل وأين اختفت ؟!
:
وأخيرا ,,
جدتي ستظل عميقة بقلبي , ستظل بقلبي حيّة لم تمت , وسأبقى أحبها وأدعو لها ,,
المؤلم أنني إلى اليوم لا أزال أخطئ حين أدعو لها وأقول "يارب اشفي جدتي..! " وكأنني لم اُصدّق بعد أنها رحلتْ وأن سبعًا من السنوات تفصلُ بيننا ,
رحمكِ الله يا جدة وأسكنكِ فسيح الجنان وجمعنا الله بكِ على سرر متقابلين ,,
:
وانتهى يوم 22-6-1430 وقد عشتُ ذكرى يوم 22-6-1423 وبكيتُ كثيرا ودعوتُ أكثر !
فعذرا لأني لم أحتمل , فقد جاءت ذكرى هذا العام موجعه أكثر من أيّ ذكرى مضت !
:
: