و بعدها بأيام

هزّ هزيم الرعد قاعة الامتحان

و دبّ الرعب فينا آن ذاك

فَ ماء المطر يقرع النوافذ قرعًا صاخبًا !!

حاولنا تجاهله

و مَا إن انهمكنا حلًا إذا به يرعِدنا تارة أخرى

اضطربنا فأسرعنا و خرجنا

استقبلتني هَاجر أمام القاعة: ايش بك تأخرتِ ؟ الناس كلها خرجت سووا إخلاء

أخذت أبرّر لها ، فأمسكتْ بيدي على عجل متجهة إلى بوابة الخروج : السواق برااا

وصلنا للسيارة و قد ابتلت عباءاتنا و انطلقنا

ريم: وناااااسة يااااارب نكشت اليوم الجو خيالي

هاجر: من جد لازم نسوي حفلة بمناسبة أننا عطلنا خلاااص رااااحة ما عد في مادة اسمها إحصاء في حياتي

أخذنا نتضاحك و نتساءل حول امتحان اليوم و المعدل... إلخ


,،

كانت السيارة تتحرك ببطيء و الازدحام شديد

ففي كل مرة ننظر إلى النافذة نجدنا في المكان نفسه

و هذا المطر يضرب الأرض ضربًا

و يصب من السماء صبًا لا ينتهي

اتصلت أمي بي أين أنتِ ؟ فأخبرتها أن الطريق متوقف

تكررت الاتصالات بي ( أمي، أبي، إخوتي ) و كذا هاجر، فصلاة العصر آنت

وصلنا خبر انفجار سد أم الخير أمامنا مما أدى إلى تعطل حركة السير

بعدها ساد الصمت!

,،

أتذكرها علبة الماء الفارغة تلعب بها يدي

نظرت لصاحبتي و همست بها مازحة: ايش رآيك نكتب وصايانا و نحطها هنا ( أقصد في علبة الماء )

و الصدمة أنّها أجهشت بكاءً

كم كنت حمقاء!

ريم: هاجر ايش فيك ؟ ربي بيحفظنا إن شاء الله خلينا نستغفر و ندعي ="

بكاء هاجر نبهني لكل شيء لم تدركه نفسي

سيارتنا كأنها سفينة محاطة بالمياه، ولسنا سوى فتاتين وحيدتين مع سائق أجنبي، الطريق مغلق،

قد يحل الظلام و نحن كما نحن إن بقينا على هذا الحال

هنا انهمرت دموع ريم كما المطر حولها

أتذكرها تلك اللحظات قلوبنا راجفة

خوف، بكاء، عطش ، جوع

تبكي فأواسيها، ثم أجدني باكية و تعود لتواسيني

و كيف لا نبكي وكل شيء حولنا غير مأمون

فهذا المطر به اضطربنا و السيل يجري ليصطدم بالمباني و يعود إلينا و كأنه موج

كاد الماء يصلنا !

التواصل مع الأهل يكاد ينعدم فإن تمكنت من الاتصال مرة لا أتمكن عشرة.

,،

ما زالت سيارتنا على هون تسير

و إذا بها السيارات أمامنا تأخذ مسارًا آخر و سلكناه معها

فوجدنا منطقة رحبة قد شربت أرضها الماء

اجتمع الناس فيها بعد أن خف المطر ضربه

توقفنا و خرج السائق ليرى ما بال الجموع هنا ؟

فعاد إلينا حاملًا خبره

" أن ( الهيلاكوبتر ) سيحمل النساء و الأطفال حيث الأمان "

وقع عليّ الخبر كوقع السيف فكيف لي أن أخوض

هذه التجربة بعيدًا عن أهلي

اعترضت و بكيت و أصر السائق فهذا أأمن لنا.

حاولت أن أتصل بأخي لأشكو له و أحكي

أخذ يهدئني و يقول كوني مع الجماعة أينما حلوا لا تخافي، كوني شجاعة

ألححت: أن يُطمئن أمي على حالي حتى لا تقلق

حاول أبي أن يأتي إليَّ فعلق هو الآخر و كذا أهل هاجر حاولوا

أجمعوا أن ينقلنا (الهيلاكوبتر) حيث الأمان الذي لا نعلم أين هو!

انتظرناه فقد أخذ ركبٌ قبلنا

و انتظرناه و الوقت يمضي لكنه ذهب بلا رجعة

رباااااااه ارحم ضعفنا ربااااااه ارحمنا يا رحيم و الدمع يخط على الخد.

و حل الظلام و مع حلوله اشتد الخوف و زاد، و القلق أخذ منا مأخذه

ركب السائق السيارة و قد احمر وجهه غضبًا من هذا التهاون

و انطلق و عاد بنا يسير عكس اتجاه الطريق بسرعة هائلة

إذ خلا الطريق من السيارات و صعد بنا إلى (الكوبري ) و مازال عاكس

و دخلنا أحد الأحياء و منه إلى آخر حتى غشيتنا رحمة الله ووصلنا حيّنا

و ابتهجت وجوهنا البائسة فحمدنا الله وحضنا بعضنا، بكينا

أتذكرها لحظات فرحنا كم كانت مؤثرة

فدموع خوفنا أصبحت تسيل فرحًا ="

ودعت صاحبتي بضحكات الناجين و دعوت لها بعطلة سعيدة

دخلت البيت أجرّ قدماي الساعة الثامنة مساءً

إذا بأمي تحضنني و تبكي و أبكي فلقائي بها حياة جديدة

سلموا علي إخوتي و حمدوا الله على سلامتي

صليت ما فتني من صلاوات ( ظهر، عصر، مغرب، عشاء )

و شكرت ربي أن عدت إلى بيتي سالمة !

,،

:: لا أنسى ::

لا أنساها تلك السيارة حين توقفت في منتصف الطريق و كأنها في بحيرة ماء
عاجزة عن السير، تتصاعد أبخرتها، إلى هذه اللحظة أتساءل كيف هم من كانوا فيها ؟

لا أنساهم أولئك الشبان المتطوعون بمساعدتهم من توجيه و غيره ( أفعال لم يقم بها رجال الدفاع المدني )

و لا أنسى كثير من الغالين الذين لم أدرك حجم أخوتهن و حبهم إلا بعد ذاك اليوم فاهتمامهم بي و قلقهم كشف عن حبهم

و كل اللحظات التي حكيتها لكم لن يعترها نسيان أبدًا ="

فقد كانت سيول العام الماضي ذكريات مرّة بمعنى الكلمة

كلما أتذكرها لسان حالي يقول الحمد لله أن نجاني

و لا أنكر أنها تجربة زادت من رصيد خبرتي في الحياة

,،