يا رفيق الدرب
غريب هو القدر الذييحكم حياتنا ؛ فأحيانا يجمعنا بأشخاص لا نتوقع أن نقابل مثلهم , ليصبحوا فجأة همأعز أصدقائنا وربما أغلى ما نملك . في مكان لا يمكن أن نتخيل أنه سيكون مسرحالبداية جديدة في حياتنا , وفي وقت ربما نكون قد ظننا فيه كل الظن أن الحياة قدتخلت عنا وتركتنا خلفها . في تلك اللحظة يظهر ذلك الشخص ليغير حياتنا كلها وليجعلهارهينة للحظة ظهورها ... رهينة للحظة التي تعرفنا عليه فيها وليصبح دون سابق إنذارخليل الروح....
كان ربيعا عاصفا ذاكالذي مر على قريتنا في العام الماضي , تفتحت فيه كثير من الأزهار الحمراء , الجميعهنا يعيش على أعصابه , الكل متأهب ومترقب لما سيحدث , الحواجز تملأ الطرقات ,السلاح في كل مكان .
وجوه غريبة تنتشر فيكل زاوية . لقد مر الآن عام على تلك الأحداث .نعم لقد مر عام منذ فارقنا فادي .لقد كان لقاء عابرا ذاك الذي جمع بين فادي وخليل أول مرة , وما كنا ندري حينها أنهسيكون بداية صداقة متينة , وما كنا ندري أنها صداقة ما تكاد تقوى عراها وتستوثقوتتفتح أزهارها حتى تقطف . صداقة قصيرة حقا ولكنها تركت أثرا لن تمحوه الأيام مهماطالت .
مازلت أذكر ذلك اليومالذي غادرنا فادي بكل تفاصيله ؛ كنت برفقة خليل نتجول في القرية ونتفقد بعض الأمورالهامة والتقينا بفادي وكان على عجلة من أمره . مازلت أذكر ذلك الشاب جيدا ؛ شابعشريني مفعم بالحياة , ذو طلة بهية , هادئ القسمات له قلب جريء وعينان واثقتان .شاب يعرف كيف يفكر و كيف ينفذ . جاءنا مسرعا وقال : إنهم قادمون ,علينا أخذ الحيطةوالحذر , الوضع غير مطمئن . لن يدخلوا إلا على جثتي . ثم وجه خطابه إلى خليل :تأكد أن الأهل جميعا في مكان آمن . فهز خليل رأسه بالموافقة وقال : إن شاء الله ,سآخذهم الآن إلى مكان آخر .
أعطانا كل التفاصيل ,كل ما يجب أن نقوم به بينما راقبته أنا بصمت . كانت عيناي معلقتان به , لم أستطع أن أرفع بصري عنه . لقد ساءني ماقال وانقبض صدري وشعرت بمصيبة قادمة , واعتراني القلق . لكنني لم أُحر جوابا ولمأعلق بكلمة . كنت أنظر إلى عيني صديقي فقط . نظرت طويلا إلى عينيه وهو يخاطبنيبكلام لم أع منه شيئا , كنت قلقلا وحسب , وأترقب الآتي بينما كان هو هادئا ورابطالجأش .لقد كان وجهه منيرا على نحو عجيب تعلوه السكينة والوقار . كل شيء عنده مخططله بإتقان . هو باختصار الرجل الذي يعتمد عليه في الملمات , إنه رجل الأوقاتالصعبة . كم أتمنى أن أكون مثله . أخبرنا بكل التفاصيل ولما فرغ جلس مكان خليل فيالسيارة وقال : هيا بنا نذهب يا عامر . لدينا الكثير لنقوم به .
وبينما مضيت مع فادينتفقد بقية الشباب ونخبرهم بجديد الأخبار والترتيبات التي يجب أن نتخذها , أسرعخليل بأهله إلى المزرعة التي خارج القرية .
وبعد سويعات قليلةدخلت الدبابات إلى القرية , كان أزيز الرصاص يصم الآذان , ورائحة البارود تعبق في المكان , وأشباحالموت تحوم في كل زاوية قاتلة كل أمل في النجاة . وبينما الحال كذلك أعاد خليلأهله إلى البيت من أحد الطرق الفرعية , في حين كل من سلك الطرق الرئيسية لقي مصرعه.
وبقيت مع فادي نتجولفي طرقات القرية نتفقد الأحوال , ولكن فجأة أصبحت الدبابات أمامنا والرصاص في كلمكان . فقررنا النزول من السيارة ومحاولة الدخول إلى أحد المنازل . نزلنا بسرعة واختبأنا خلفها محاولين الوصولإلى أقرب منزل . قد نال مني القلق , كنت ألتفت إلى جميع الاتجاهات محاولا العثورعلى أسلم طريق للاختباء وبينما أنا كذلك إذ بفادي يميل علي . فبادرته بالسؤال :
ماذا يجب أن نفعلالآن ؟ هيا أخرجنا من هذه الورطة .
ولكن ... لا جواب ولاحتى حركة , فنظرت إليه برعب و ناديت : فادي هل أنت بخير ؟
ولكن فادي قد أسلمالروح إلى بارئها ...رصاصة واحدة وانتهى كل شيء ... رصاصة قد نالت منه .
أرهبني الموقف لم أكنأتخيل يوما أن يموت صديقتي أمامي على هذا النحو . ورغم الصدمة القوية التي تعرضتلها كان علي أن أتمالك نفسي سريعا كي أتمكن من إخراجه وإخراج نفسي من هذا الموقفالعصيب . وبالكاد استطعت ذلك . ثم همت على وجهي لا أدري إلى أين .
عبرت طرقات قطعتمزارع تحت وابل من الرصاص ولم أجد نفسي إلا وأنا أمام بيت خليل أطرق الباب . فتحالباب سريعا وإذ بخليل يقف أمامي فزعا منرؤيتي وبادرني قائلا : ما الخطب ؟! أينفادي ؟!
فلم أدر ما أقول ..أطرقت بصمت وحسب ..فأمسكني من كتفي وهزني بقوة :
- أين فادي ؟! ماذا حدث ؟! هيا أخبرني .
فأجبت بصوت متحشرجمتقطع لا يعدو أن يكون نفسا خرج من صدر تغلي براكينه :
لقد استشهد فادي ...
فإذا خليل يترنحأمامي ويخر على الأرض لا يعي شيئا مما حوله . لقد كانت صدمة كبيرة .
كيف اتفق أن حدث هذه؟! لا أدري ! غريبة هي الحياة حقا ! يا الله كيف تسير الأقدار ! لو بقي خليل فيتلك السيارة لكان هو الذي استشهد بدلا من فادي .
لقد بقي خليل بعد تلكالحادثة طويلا حتى تمالك نفسه وخرج من حداده . أكثر من شهر حتى استطاع ترك لبسالسواد , ومع ذلك بقي يتمنى لو أنه ظل في السيارة واستشهد بدلا من فادي كي لايتجرع كأس حسرته مرة بعد مرة .
منذ ذلك اليوم أقسمأن يأخذ بثأره من قتله , ومازال يتحين الفرص حتى أزف الرحيل . لم يفارقه لحظه ,لقد بقي لقد بقي حاضرا في كل مكان وفي كل ساعات غيابه . والآن آن له أن يبر بقسمهذاك . ولكن كان عليه أن يخطو أصعب الخطوات على الإطلاق ......
غريب هو القدر الذييحكم حياتنا ؛ فأحيانا يجمعنا بأشخاص لا نتوقع أن نقابل مثلهم , ليصبحوا فجأة همأعز أصدقائنا وربما أغلى ما نملك . في مكان لا يمكن أن نتخيل أنه سيكون مسرحالبداية جديدة في حياتنا , وفي وقت ربما نكون قد ظننا فيه كل الظن أن الحياة قدتخلت عنا وتركتنا خلفها . في تلك اللحظة يظهر ذلك الشخص ليغير حياتنا كلها وليجعلهارهينة للحظة ظهورها ... رهينة للحظة التي تعرفنا عليه فيها وليصبح دون سابق إنذارخليل الروح....
كان ربيعا عاصفا ذاكالذي مر على قريتنا في العام الماضي , تفتحت فيه كثير من الأزهار الحمراء , الجميعهنا يعيش على أعصابه , الكل متأهب ومترقب لما سيحدث , الحواجز تملأ الطرقات ,السلاح في كل مكان .
وجوه غريبة تنتشر فيكل زاوية . لقد مر الآن عام على تلك الأحداث .نعم لقد مر عام منذ فارقنا فادي .لقد كان لقاء عابرا ذاك الذي جمع بين فادي وخليل أول مرة , وما كنا ندري حينها أنهسيكون بداية صداقة متينة , وما كنا ندري أنها صداقة ما تكاد تقوى عراها وتستوثقوتتفتح أزهارها حتى تقطف . صداقة قصيرة حقا ولكنها تركت أثرا لن تمحوه الأيام مهماطالت .
مازلت أذكر ذلك اليومالذي غادرنا فادي بكل تفاصيله ؛ كنت برفقة خليل نتجول في القرية ونتفقد بعض الأمورالهامة والتقينا بفادي وكان على عجلة من أمره . مازلت أذكر ذلك الشاب جيدا ؛ شابعشريني مفعم بالحياة , ذو طلة بهية , هادئ القسمات له قلب جريء وعينان واثقتان .شاب يعرف كيف يفكر و كيف ينفذ . جاءنا مسرعا وقال : إنهم قادمون ,علينا أخذ الحيطةوالحذر , الوضع غير مطمئن . لن يدخلوا إلا على جثتي . ثم وجه خطابه إلى خليل :تأكد أن الأهل جميعا في مكان آمن . فهز خليل رأسه بالموافقة وقال : إن شاء الله ,سآخذهم الآن إلى مكان آخر .
أعطانا كل التفاصيل ,كل ما يجب أن نقوم به بينما راقبته أنا بصمت . كانت عيناي معلقتان به , لم أستطع أن أرفع بصري عنه . لقد ساءني ماقال وانقبض صدري وشعرت بمصيبة قادمة , واعتراني القلق . لكنني لم أُحر جوابا ولمأعلق بكلمة . كنت أنظر إلى عيني صديقي فقط . نظرت طويلا إلى عينيه وهو يخاطبنيبكلام لم أع منه شيئا , كنت قلقلا وحسب , وأترقب الآتي بينما كان هو هادئا ورابطالجأش .لقد كان وجهه منيرا على نحو عجيب تعلوه السكينة والوقار . كل شيء عنده مخططله بإتقان . هو باختصار الرجل الذي يعتمد عليه في الملمات , إنه رجل الأوقاتالصعبة . كم أتمنى أن أكون مثله . أخبرنا بكل التفاصيل ولما فرغ جلس مكان خليل فيالسيارة وقال : هيا بنا نذهب يا عامر . لدينا الكثير لنقوم به .
وبينما مضيت مع فادينتفقد بقية الشباب ونخبرهم بجديد الأخبار والترتيبات التي يجب أن نتخذها , أسرعخليل بأهله إلى المزرعة التي خارج القرية .
وبعد سويعات قليلةدخلت الدبابات إلى القرية , كان أزيز الرصاص يصم الآذان , ورائحة البارود تعبق في المكان , وأشباحالموت تحوم في كل زاوية قاتلة كل أمل في النجاة . وبينما الحال كذلك أعاد خليلأهله إلى البيت من أحد الطرق الفرعية , في حين كل من سلك الطرق الرئيسية لقي مصرعه.
وبقيت مع فادي نتجولفي طرقات القرية نتفقد الأحوال , ولكن فجأة أصبحت الدبابات أمامنا والرصاص في كلمكان . فقررنا النزول من السيارة ومحاولة الدخول إلى أحد المنازل . نزلنا بسرعة واختبأنا خلفها محاولين الوصولإلى أقرب منزل . قد نال مني القلق , كنت ألتفت إلى جميع الاتجاهات محاولا العثورعلى أسلم طريق للاختباء وبينما أنا كذلك إذ بفادي يميل علي . فبادرته بالسؤال :
ماذا يجب أن نفعلالآن ؟ هيا أخرجنا من هذه الورطة .
ولكن ... لا جواب ولاحتى حركة , فنظرت إليه برعب و ناديت : فادي هل أنت بخير ؟
ولكن فادي قد أسلمالروح إلى بارئها ...رصاصة واحدة وانتهى كل شيء ... رصاصة قد نالت منه .
أرهبني الموقف لم أكنأتخيل يوما أن يموت صديقتي أمامي على هذا النحو . ورغم الصدمة القوية التي تعرضتلها كان علي أن أتمالك نفسي سريعا كي أتمكن من إخراجه وإخراج نفسي من هذا الموقفالعصيب . وبالكاد استطعت ذلك . ثم همت على وجهي لا أدري إلى أين .
عبرت طرقات قطعتمزارع تحت وابل من الرصاص ولم أجد نفسي إلا وأنا أمام بيت خليل أطرق الباب . فتحالباب سريعا وإذ بخليل يقف أمامي فزعا منرؤيتي وبادرني قائلا : ما الخطب ؟! أينفادي ؟!
فلم أدر ما أقول ..أطرقت بصمت وحسب ..فأمسكني من كتفي وهزني بقوة :
- أين فادي ؟! ماذا حدث ؟! هيا أخبرني .
فأجبت بصوت متحشرجمتقطع لا يعدو أن يكون نفسا خرج من صدر تغلي براكينه :
لقد استشهد فادي ...
فإذا خليل يترنحأمامي ويخر على الأرض لا يعي شيئا مما حوله . لقد كانت صدمة كبيرة .
كيف اتفق أن حدث هذه؟! لا أدري ! غريبة هي الحياة حقا ! يا الله كيف تسير الأقدار ! لو بقي خليل فيتلك السيارة لكان هو الذي استشهد بدلا من فادي .
لقد بقي خليل بعد تلكالحادثة طويلا حتى تمالك نفسه وخرج من حداده . أكثر من شهر حتى استطاع ترك لبسالسواد , ومع ذلك بقي يتمنى لو أنه ظل في السيارة واستشهد بدلا من فادي كي لايتجرع كأس حسرته مرة بعد مرة .
منذ ذلك اليوم أقسمأن يأخذ بثأره من قتله , ومازال يتحين الفرص حتى أزف الرحيل . لم يفارقه لحظه ,لقد بقي لقد بقي حاضرا في كل مكان وفي كل ساعات غيابه . والآن آن له أن يبر بقسمهذاك . ولكن كان عليه أن يخطو أصعب الخطوات على الإطلاق ......
يتبع.......

تعليق