لا تسألوا عن جدَّةَ ..!!

قصيدة الشاعر الدكتور عبدالرحمن العشماوي في كارثة جدة
لا تسألوا عن جدَّةَ الأمطارا … لكنْ سلوا مَنْ يملكون قرارا
لا تسألوا عنها السيولَ فإنها … قَدَرٌ، ومَنْ ذا يَصْرف الأقدارا؟
لا تسألوا عنها بحيرةَ (مِسْكِهَا) … فَلِمِسْكِهَا معنىً يؤجِّج نارا
أتكون جدَّةُ غيرَ كلِّ مدينةٍ … والمسكُ فيها يقتل الأزهارا؟!
لا تسألوا عن جدَّةَ الجرحَ الذي … أجرى دموعَ قلوبنا أنهارا
لكنْ سلوا عنها الذين تحمَّلوا … عبئاً ولم يستوعبوا الإنذارا
مَنْ عاش في أغلى المكاتب قيمةً … وعلى كراسيها الوثيرة دارا
مَنْ زخرف الأثواب فيها ناسياً … جسداً تضعضع تحتها وأنهارا
لا تسألوا عن بؤسِ جدَّةَ غيرَ مَنْ … دهَنَ اليدَيْن، وقلَّم الأظفارا
مَنْ جرَّ ثوب وظيفةٍ مرموقةٍ … فيها، ومزَّق ثوبها وتوارى
وأقام في الساحاتِ أَلْفَ مجسَّمٍ … تسبي برونق حُسْنها الأبصارا
صورٌ تسرُّ العينَ تُخفي تحتها … صوراً تثير من الرَّمادِ (شراراً)
أهلاً برونقها الجميل ومرحباً … لو لم يكن دونَ الوباء سِتارا
لا تسألوا عن حالِ جدَّةَ جُرْحَها … فالجرح فيها قد غدا موَّارا
لكنْ سلوا مَنْ يغسلون ثيابهم … بالعطر، كيف تجاوزوا المقدارا
ما بالهم تركوا العباد استوطنوا … مجرى السيول، وواجهوا التيَّارا
السَّيْلُ مهما غابَ يعرف دربَه … إنْ عادَ يمَّم دربَه واختارا
فبأيِّ وعيٍ في الإدارة سوَّغوا … هذا البناء، وليَّنوا الأحجارا؟!
ما زلت أذكر قصةً ل(مُواطنٍ) … زار الفُلانَ، وليته ما زارا
قال المحدِّث: لا تسلني حينما … زُرْتُ (الفُلانَ) الفارس المغوارا
ومَرَرْتُ بالجيش العَرَمْرَمِ حَوْلَه … وسمعتُ أسئلةً وعشتُ حصارا
حتى وصلْتُ إلى حِماه، فلا تسلْ … عن ظهره المشؤوم حين أدارا
سلَّمتُ، ما ردَّ السلامَ، وإنَّما … ألقى عليَّ سؤاله استنكارا
ماذا تريد؟ فلم أُجِبْه، وإنَّما … أعطيتُه الأوراقَ و(الإِشعارا)
ألقى إليها نظرةً، ورمى بها … وبكفِّه اليسرى إليَّ أشارا
هل كان أبكم – لا أظنُّ – وإنَّما … يتباكم المتكبِّر استكبارا
فرجعتُ صِفْرَ الرَّاحتَيْن محوقلاً … حتى رأيتُ فتىً يجرُّ إزارا
ألقى السؤالَ عليَّ: هل من خدمةٍ؟ … ففرحتُ واستأمنتُه الأسرارا
قال: الأمور جميعها ميسورةٌ … أَطْلِقْ يديك وقدِّم الدولارا
وفُجِعْتُ حين علمتُ أن جَنَابَه … ما كان إلا البائعَ السِّمْسارا
وسكتُّ حين رأيتُ آلافاً على … حالي يرون الجِذْعَ والمنشارا
ويرون مثلي حُفْرةً وأمانةً … ويداً تدُقُّ لنعشها المسمارا
يا خادم الحرمين، وجهُ قصيدتي … غسل الدموعَ وأشرق استبشارا
إني لأسمع كلَّ حرفٍ نابضٍ … فيها، يزفُّ تحيَّةً ووقارا
ويقول والأمل الكبير يزيده … أَلَقاً، يخفِّف حزنَه الموَّارا
يا خادم الحرمين حيَّاك الحَيَا … لما نفضتَ عن الوجوه غبارا
واسيتَ بالقول الجميل أحبَّةً … في لحظةٍ، وجدوا العمارَ دَمَارا
ورفعت صوتك بالحديث موجِّهاً … وأمرتَ أمراً واتخذت قرارا
يا خادم الحرمين تلك أمانة … في صَوْنها ما يَدْفَعُ الأَخطارا
الله في القرآن أوصانا بها … وبها نطيع المصطفى المختارا
في جدَّةَ الرمزُ الكبيرُ وربَّما … تجد الرموزَ المُشْبِهَاتِ كِثارا
تلك الأمانة حين نرعاها نرى … ما يدفع الآثام والأوزارا





تعليق