التحدي سمة السياسة الإسلامية
من أهداف ممارسة السياسة بشكل عام، السعي ضِمن أساسيات المشروع السياسي المطروح؛
للوصول لتأسيس دولة يكون أساس حُكمِها الفِكرَ الذي يُدوِّر تلك السياسة، وهذه الدولة إما أن تكون قائمة ولها تاريخ،
ولكنها جَنحَت عن قواعد الحق والعدل، فيُسعى في تصحيح مسارها،أو أنها تُنشأ نشأةً جديدة على أساسَي الحقِّ والعدل.
فحين يكون سعي السياسة الإسلامية للتأسيس لولادة دولة جديدة، في أرض مِثل الجزيرة العربية،
وفي زمن مِثل ذلك الزمان الذي عاشه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -
فإن ذلك يُمثِّل قمة التحدي في عالم السياسة، والسبب هو عدم توفُّر أيٍّ من الأسباب الداعية لنجاح مِثل هذا المشروع
.إن المناخ السياسي يمثِّل أسوأ المناخات في جغرافية المنطقة، وإن العرب في جزيرتهم وقتئذٍ
هم أضعفُ حَلْقة في حلقات منظومة تاريخ الدول في المنطقة، وربما دول العالم،
ولنا أن ننظر في رأي رئيس دولة مجاورة للعرب في ذلك الوقت هو كسرى (يزدجرد)
في معرِض كلامه مع المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - بقوله:
"إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددًا ولا أسوأ ذات بينٍ منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي ليكفُوناكم،ولا تغزوكم فارس"[1].
إنهم يستنكِفون أن يكلِّموا العرب بشكل مباشر، بل وحتى أن يغزوهم؛ لقلة شأنهم، وضعْف حالهم،
ودنوِّ قدْرهم في نظر أولئك المتجبِّرين، بل كانوا يُكلِّفون عمالهم في أطراف دولهم بهذه المهام،
لقد انطوى كلام كسرى السياسي على كثير من القسوة، وابتعد كثيرًا عن البروتوكولات السياسية، ولكنه لم يُجافِ الحقيقة،
وفيما يأتي مجموعة من أسباب التحدي في إقامة دولة إسلامية في أرض جزيرة العرب:
1- من الجانب الجغرافي؛ فإن أرض الجزيرة العربية غير ملائمة ألبتة لإقامة دولة؛ وذلك من وجوه عدة:
• إنها أرض إما صحراوية رمليَّة، أو جبلية صخرية؛ فهي لا تصلُح للزراعة إلا في بعض مناطق الواحات أو العيون المُتفرِّقة هنا وهناك،
لقد وصَف رب العزة - سبحانه وتعالى - قلبَ الجزيرة العربية (مكة) بأنها وادٍ غير ذي زرع،
والزراعة معدومة إلا في بعض المناطق كالطائف وخيبر وأطراف المدينة (يثرب)،
وهذا يعني عدم ازدهار الزراعة فيها بشكل عام، والزراعة كما هو معروف أمر في غايةِ الأهمية لقيام أي دولة،
فهي التي توفِّر السلة الغذائية للشعب، وخاصة لمنطقة مِثل الجزيرة العربية، مع عدم توفُّر سبل النقل التجاري السريع،
والمسافات الشاسعة بينها وبين أقرب الدول المجاورة.
• أما الماء، فإن عدم وجود أنهار فيها لا يُعقِّد قضية الزراعة فحسب؛ وإنما يؤثِّر على الحياة بشكل عام؛
لأن الماء هو أساس الحياة، ومن أمثلة ذلك أن المدينة المنورة (يثرب) حين هاجر إليها
النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، لم يكن فيها سوى بئر واحدة يُستعذَب ماؤها، هي بئر رومة،
فلنا أن نتخيَّل مدينة كبيرة من مدن جزيرة العرب، وهي مرشَّحة لتكون عاصمة الدولة القادمة، تعتمد على بئر واحدة.
2- إن طبيعة الفرد العربي هي نُفور الطَّبع، وحِدَّة المزاج، وصعوبة الانقياد، وقساوة المنطق،
إضافة إلى ركونه للعشوائية وعدم رغبته للانضباط والقوانين، على الرغم من اتِّسامه بصفات إيجابية كثيرة؛
كالكرم والنخوة والشهامة والغَيرة والعاطفة الجياشة، ولكن في بِناء الدول فإن الصفات المؤثِّرة هي المتعلّقة بحب النظام،
والانصياع للأوامر، والعمل الجماعي والتنظيم، ورقَّة الطبع وغيرها، هذا النوع من الأفراد كان في حاضرة الجزيرة العربية؛ أي: مُدنها.
أما باديتها، فكان الأعراب سكانها، وهؤلاء قُساة الطبع، وأشد قساوة من عرب الحواضر،
ويُضرَب بقساوتهم المَثَل، ويغلِب عليهم الجفاء والغِلظة، حتى إن القرآن الكريم قال فيهم:
﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 97].
3- افتقار العرب لخبرة تَجرِبة دولة، فكما هو معروف لم تَقُم دولة بمعناها الصحيح تاريخيًّا في جزيرة العرب قبل الإسلام،
على الرغم من وجود الكعبة كقاسم مشترَك بينهم والتفاف العرب حولها على مر الدهر،
ولكن في أحسن الأحوال تَشارَكت بطون قريش في الحكم، من غير أن يُعيَّن رئيس صريح يحكمهم،
وحتى فترة رئاسة قُصي بن كِلاب، فإنها لم تكن رئاسة حكومة ودولة ومؤسسات؛ وإنما هي رئاسة سياسية قَبَلية،
مثَّلت وَحدة سياسية مستقلة في نِطاق الكعبة وما جاوَرها، وكان الناس يلتزمون إزاءه التزامًا أدبيًّا قَبَليًّا قبل كل شيء.
أما الدول التي قامت في صنعاء وحضرموت والحيرة وعلى مشارف الشام، فكانت مسلوبة الإرادة والسيادة والقرار السياسي،
وهي في كل الأحوال كانت تابِعة لسلطان دول الجوار، أو تحت خطر تهديد من تلك الدول بشكل دائم
كالدولة الفارسية والدولة الروميّة أو الحبشية، كما أنها كانت بعيدة سياسيًّا عن جزيرة العرب، فلم يكن لها تأثير واضح.
4- ضعْف الجانب الاقتصادي كمقوِّم أساس لقيام دولة، والاعتماد على التجارة فقط،
ومن علامات ودلائل ضعْف الشأن الاقتصادي عند العرب:
• فِقدان الموارد الطبيعية: كالثروة المعدنية، أو الطبيعية،والثروات الأخرى، أو عدم وجود الخِبرة الفنية والعلمية لاستخراجها.
• عدم وجود عُمْلة نقدية خاصة بالعرب، فلم تكن العملة تُسَكُّ عندهم، وهم يعتمدون على الدنانير والدراهم التي تأتي من بلاد الروم.
• التأخر في مجال الصناعات المختلفة، فلم تشتهر الكثير من الحِرف والصناعات عندهم،
ربما باستثناء صناعةِ السيوف وبعض الحِرف البسيطة الأخرى، بل كانت الصناعات المتوفرة بيد اليهود؛
لذلك كانوا يضطرُّون لجلب ما يحتاجه مواطن الجزيرة العربية من الأقمشة والعطور والمعادن
والأصباغ والجلود والمصوغات الذهبية والأخشاب من البلاد المجاورة؛ مثل الحبشة وفارس والشام وغيرها.
5- التأخر الثقافي والحضاري، فهم في الغالب يفتقِدون أول أُسس الثقافة، وهي القراءة والكتابة،
فأهل الجزيرة العربية (أمِّيون) كما عرَّفهم القرآن الكريم، والعرب هم الأمة الأميَّة مع بعض الاستثناء،
فإن بعضًا من أهل مكة كان يُجيد الكتابة بحكم نوع العلاقات مع الحضارات الأخرى،
بينما لم تكن الطائف ويثرب وبقية المدن كذلك، ودليلنا على ذلك ما حدث في أسرى بدر؛
حيث فدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضَ أهل مكة بتعليمهم الكتابةَ لأهل المدينة.
ولعل من أبرز مظاهر التخلُّف الثقافي إصرارهم ومبالَغتهم في عبادة الأصنام، وخاصة في الكعبة وما حولها؛
حيث وضعوا حولها وداخِلها مئات الأصنام، والتي لم تكن سوى حجارة، إلا أنهم انقادوا لها بالكامل وبشكلٍ غريب.
6- الجزيرة العربية تُطِل على أكثر من بحر أو منفذٍ بحري؛ فهناك بحر القلزم (البحر الأحمر)،
وبحر العرب، والخليج العربي، وهذه مسالكُ بحريَّةٌ مهمة للوصول للدول المجاورةِ والانفتاحِ على العالم،
ورغم ذلك لم يتملّك العرب أسطولاً بحريًّا، وإنما امتلَكوا بعض السفن البسيطة الصنع لاستخدامها في التجارة،
بل في الأصل كان العرب يخشون الخوض في ثَبَجِ البحر، ولعل وصف عمرو بن العاص - رضي الله عنه - للبحر
في الرسالة التي كتبها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خيرُ شاهد على ذلك، فهو يقول:
"إني رأيتُ خلقًا كبيرًا يركبه خَلْق صغير، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرَّك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قِلَّة،
والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرِق، وإن نجا برق"[2].
7- غياب ثقافة وجود الدولة في الأصل عند الفردِ العربي؛ لأنه مجبولٌ على الولاء القَبَلي والعشائري،
فالقبائل العربية القوية تملأ الجزيرة العربيةَ، ولن يكون من السهل انفراد إحداها بالسلطة والحكم والسياسة،
ومن الصعب أن تمنحها القبائل الأخرى الولاء الاجتماعي والسياسي والعسكري.
ولكن بالرغم من كل هذه المعوِّقات والمطبَّات والمُثبِّطات والمشاكل،
استطاع رسول الله محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وبالاعتماد على الله - سبحانه وتعالى - أولاً،
ثم على رجال النُّخبة من العرب (الصحابة) - تذليل هذه الصِّعاب كافة، وحقَّق النجاح الباهر،
وقدَّم تجرِبة سياسيَّة عالمية فريدة في داخل الجزيرة العربية، واستطاع ترسيخَ قواعد بناء الدولة الإسلامية التي امتدت شرقًا وغربًا،
كنموذج فريد للتحدي، في وقت كانت ولادتها وظهورها أشبه بالمستحيل.
لقد نجحت السياسة الإسلامية من تأسيس دولة من أفرادٍ يَصِفُهم المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - في حديثه مع ( يزدجرد)، بقوله:
"إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منا،
وأما جوعنا، فلم يكن يُشبِه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا،
وأما المنازل، فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم،
ديننا أن يقتُل بعضُنا بعضًا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليَدفِن ابنته وهي حية؛
كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك"[3].
لقد استطاع المسلمون بناءَ دولة متحضّرة خضع لها الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، بفضل السياسة الحكيمة التي انتهجوها،
كل ذلك حصل خلال حِقبة زمنية قصيرة في الحسابات الزمنية الإستراتيجية في عالم السياسة، وليس ذلك فحسب؛
وإنما لم تكن السياسةُ الإسلامية بحاجة إلى أي شيء من الدول الأخرى وخبرتها الطويلة في عالم السياسة،
فلم تكن في السياسة الإسلامية أفكار أو أنظمة مستوردة؛ وإنما كانت تحمِل بصمتَها وهُويتها الخاصة بها دائمًا.
من رحِم هذه الظروف القاهرة، والمعطيات المجدِبة، والوسائل المفقودة، والخبرات الفقيرة،
خرَّجت السياسة الإسلامية رجالَ سياسة من طراز فريد؛ إذا قالوا صدقوا وأفحموا، وإذا فكَّروا ابتكروا،
وإذا عمِلوا أبدعوا، شجعان في النزال، وفصحاء في المقال، منهم من يقول لكسرى (يزدجرد) في هيلمانه ومُلكه،
ومن داخل قصره وحراسه من حوله: "فاختر إن شئت الجزيةَ وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تُسلم فتُنجي نفسك"[4].
للوصول لتأسيس دولة يكون أساس حُكمِها الفِكرَ الذي يُدوِّر تلك السياسة، وهذه الدولة إما أن تكون قائمة ولها تاريخ،
ولكنها جَنحَت عن قواعد الحق والعدل، فيُسعى في تصحيح مسارها،أو أنها تُنشأ نشأةً جديدة على أساسَي الحقِّ والعدل.
فحين يكون سعي السياسة الإسلامية للتأسيس لولادة دولة جديدة، في أرض مِثل الجزيرة العربية،
وفي زمن مِثل ذلك الزمان الذي عاشه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -
فإن ذلك يُمثِّل قمة التحدي في عالم السياسة، والسبب هو عدم توفُّر أيٍّ من الأسباب الداعية لنجاح مِثل هذا المشروع
.إن المناخ السياسي يمثِّل أسوأ المناخات في جغرافية المنطقة، وإن العرب في جزيرتهم وقتئذٍ
هم أضعفُ حَلْقة في حلقات منظومة تاريخ الدول في المنطقة، وربما دول العالم،
ولنا أن ننظر في رأي رئيس دولة مجاورة للعرب في ذلك الوقت هو كسرى (يزدجرد)
في معرِض كلامه مع المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - بقوله:
"إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددًا ولا أسوأ ذات بينٍ منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي ليكفُوناكم،ولا تغزوكم فارس"[1].
إنهم يستنكِفون أن يكلِّموا العرب بشكل مباشر، بل وحتى أن يغزوهم؛ لقلة شأنهم، وضعْف حالهم،
ودنوِّ قدْرهم في نظر أولئك المتجبِّرين، بل كانوا يُكلِّفون عمالهم في أطراف دولهم بهذه المهام،
لقد انطوى كلام كسرى السياسي على كثير من القسوة، وابتعد كثيرًا عن البروتوكولات السياسية، ولكنه لم يُجافِ الحقيقة،
وفيما يأتي مجموعة من أسباب التحدي في إقامة دولة إسلامية في أرض جزيرة العرب:
1- من الجانب الجغرافي؛ فإن أرض الجزيرة العربية غير ملائمة ألبتة لإقامة دولة؛ وذلك من وجوه عدة:
• إنها أرض إما صحراوية رمليَّة، أو جبلية صخرية؛ فهي لا تصلُح للزراعة إلا في بعض مناطق الواحات أو العيون المُتفرِّقة هنا وهناك،
لقد وصَف رب العزة - سبحانه وتعالى - قلبَ الجزيرة العربية (مكة) بأنها وادٍ غير ذي زرع،
والزراعة معدومة إلا في بعض المناطق كالطائف وخيبر وأطراف المدينة (يثرب)،
وهذا يعني عدم ازدهار الزراعة فيها بشكل عام، والزراعة كما هو معروف أمر في غايةِ الأهمية لقيام أي دولة،
فهي التي توفِّر السلة الغذائية للشعب، وخاصة لمنطقة مِثل الجزيرة العربية، مع عدم توفُّر سبل النقل التجاري السريع،
والمسافات الشاسعة بينها وبين أقرب الدول المجاورة.
• أما الماء، فإن عدم وجود أنهار فيها لا يُعقِّد قضية الزراعة فحسب؛ وإنما يؤثِّر على الحياة بشكل عام؛
لأن الماء هو أساس الحياة، ومن أمثلة ذلك أن المدينة المنورة (يثرب) حين هاجر إليها
النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، لم يكن فيها سوى بئر واحدة يُستعذَب ماؤها، هي بئر رومة،
فلنا أن نتخيَّل مدينة كبيرة من مدن جزيرة العرب، وهي مرشَّحة لتكون عاصمة الدولة القادمة، تعتمد على بئر واحدة.
2- إن طبيعة الفرد العربي هي نُفور الطَّبع، وحِدَّة المزاج، وصعوبة الانقياد، وقساوة المنطق،
إضافة إلى ركونه للعشوائية وعدم رغبته للانضباط والقوانين، على الرغم من اتِّسامه بصفات إيجابية كثيرة؛
كالكرم والنخوة والشهامة والغَيرة والعاطفة الجياشة، ولكن في بِناء الدول فإن الصفات المؤثِّرة هي المتعلّقة بحب النظام،
والانصياع للأوامر، والعمل الجماعي والتنظيم، ورقَّة الطبع وغيرها، هذا النوع من الأفراد كان في حاضرة الجزيرة العربية؛ أي: مُدنها.
أما باديتها، فكان الأعراب سكانها، وهؤلاء قُساة الطبع، وأشد قساوة من عرب الحواضر،
ويُضرَب بقساوتهم المَثَل، ويغلِب عليهم الجفاء والغِلظة، حتى إن القرآن الكريم قال فيهم:
﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 97].
3- افتقار العرب لخبرة تَجرِبة دولة، فكما هو معروف لم تَقُم دولة بمعناها الصحيح تاريخيًّا في جزيرة العرب قبل الإسلام،
على الرغم من وجود الكعبة كقاسم مشترَك بينهم والتفاف العرب حولها على مر الدهر،
ولكن في أحسن الأحوال تَشارَكت بطون قريش في الحكم، من غير أن يُعيَّن رئيس صريح يحكمهم،
وحتى فترة رئاسة قُصي بن كِلاب، فإنها لم تكن رئاسة حكومة ودولة ومؤسسات؛ وإنما هي رئاسة سياسية قَبَلية،
مثَّلت وَحدة سياسية مستقلة في نِطاق الكعبة وما جاوَرها، وكان الناس يلتزمون إزاءه التزامًا أدبيًّا قَبَليًّا قبل كل شيء.
أما الدول التي قامت في صنعاء وحضرموت والحيرة وعلى مشارف الشام، فكانت مسلوبة الإرادة والسيادة والقرار السياسي،
وهي في كل الأحوال كانت تابِعة لسلطان دول الجوار، أو تحت خطر تهديد من تلك الدول بشكل دائم
كالدولة الفارسية والدولة الروميّة أو الحبشية، كما أنها كانت بعيدة سياسيًّا عن جزيرة العرب، فلم يكن لها تأثير واضح.
4- ضعْف الجانب الاقتصادي كمقوِّم أساس لقيام دولة، والاعتماد على التجارة فقط،
ومن علامات ودلائل ضعْف الشأن الاقتصادي عند العرب:
• فِقدان الموارد الطبيعية: كالثروة المعدنية، أو الطبيعية،والثروات الأخرى، أو عدم وجود الخِبرة الفنية والعلمية لاستخراجها.
• عدم وجود عُمْلة نقدية خاصة بالعرب، فلم تكن العملة تُسَكُّ عندهم، وهم يعتمدون على الدنانير والدراهم التي تأتي من بلاد الروم.
• التأخر في مجال الصناعات المختلفة، فلم تشتهر الكثير من الحِرف والصناعات عندهم،
ربما باستثناء صناعةِ السيوف وبعض الحِرف البسيطة الأخرى، بل كانت الصناعات المتوفرة بيد اليهود؛
لذلك كانوا يضطرُّون لجلب ما يحتاجه مواطن الجزيرة العربية من الأقمشة والعطور والمعادن
والأصباغ والجلود والمصوغات الذهبية والأخشاب من البلاد المجاورة؛ مثل الحبشة وفارس والشام وغيرها.
5- التأخر الثقافي والحضاري، فهم في الغالب يفتقِدون أول أُسس الثقافة، وهي القراءة والكتابة،
فأهل الجزيرة العربية (أمِّيون) كما عرَّفهم القرآن الكريم، والعرب هم الأمة الأميَّة مع بعض الاستثناء،
فإن بعضًا من أهل مكة كان يُجيد الكتابة بحكم نوع العلاقات مع الحضارات الأخرى،
بينما لم تكن الطائف ويثرب وبقية المدن كذلك، ودليلنا على ذلك ما حدث في أسرى بدر؛
حيث فدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضَ أهل مكة بتعليمهم الكتابةَ لأهل المدينة.
ولعل من أبرز مظاهر التخلُّف الثقافي إصرارهم ومبالَغتهم في عبادة الأصنام، وخاصة في الكعبة وما حولها؛
حيث وضعوا حولها وداخِلها مئات الأصنام، والتي لم تكن سوى حجارة، إلا أنهم انقادوا لها بالكامل وبشكلٍ غريب.
6- الجزيرة العربية تُطِل على أكثر من بحر أو منفذٍ بحري؛ فهناك بحر القلزم (البحر الأحمر)،
وبحر العرب، والخليج العربي، وهذه مسالكُ بحريَّةٌ مهمة للوصول للدول المجاورةِ والانفتاحِ على العالم،
ورغم ذلك لم يتملّك العرب أسطولاً بحريًّا، وإنما امتلَكوا بعض السفن البسيطة الصنع لاستخدامها في التجارة،
بل في الأصل كان العرب يخشون الخوض في ثَبَجِ البحر، ولعل وصف عمرو بن العاص - رضي الله عنه - للبحر
في الرسالة التي كتبها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خيرُ شاهد على ذلك، فهو يقول:
"إني رأيتُ خلقًا كبيرًا يركبه خَلْق صغير، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرَّك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قِلَّة،
والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرِق، وإن نجا برق"[2].
7- غياب ثقافة وجود الدولة في الأصل عند الفردِ العربي؛ لأنه مجبولٌ على الولاء القَبَلي والعشائري،
فالقبائل العربية القوية تملأ الجزيرة العربيةَ، ولن يكون من السهل انفراد إحداها بالسلطة والحكم والسياسة،
ومن الصعب أن تمنحها القبائل الأخرى الولاء الاجتماعي والسياسي والعسكري.
ولكن بالرغم من كل هذه المعوِّقات والمطبَّات والمُثبِّطات والمشاكل،
استطاع رسول الله محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وبالاعتماد على الله - سبحانه وتعالى - أولاً،
ثم على رجال النُّخبة من العرب (الصحابة) - تذليل هذه الصِّعاب كافة، وحقَّق النجاح الباهر،
وقدَّم تجرِبة سياسيَّة عالمية فريدة في داخل الجزيرة العربية، واستطاع ترسيخَ قواعد بناء الدولة الإسلامية التي امتدت شرقًا وغربًا،
كنموذج فريد للتحدي، في وقت كانت ولادتها وظهورها أشبه بالمستحيل.
لقد نجحت السياسة الإسلامية من تأسيس دولة من أفرادٍ يَصِفُهم المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - في حديثه مع ( يزدجرد)، بقوله:
"إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منا،
وأما جوعنا، فلم يكن يُشبِه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا،
وأما المنازل، فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم،
ديننا أن يقتُل بعضُنا بعضًا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليَدفِن ابنته وهي حية؛
كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك"[3].
لقد استطاع المسلمون بناءَ دولة متحضّرة خضع لها الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، بفضل السياسة الحكيمة التي انتهجوها،
كل ذلك حصل خلال حِقبة زمنية قصيرة في الحسابات الزمنية الإستراتيجية في عالم السياسة، وليس ذلك فحسب؛
وإنما لم تكن السياسةُ الإسلامية بحاجة إلى أي شيء من الدول الأخرى وخبرتها الطويلة في عالم السياسة،
فلم تكن في السياسة الإسلامية أفكار أو أنظمة مستوردة؛ وإنما كانت تحمِل بصمتَها وهُويتها الخاصة بها دائمًا.
من رحِم هذه الظروف القاهرة، والمعطيات المجدِبة، والوسائل المفقودة، والخبرات الفقيرة،
خرَّجت السياسة الإسلامية رجالَ سياسة من طراز فريد؛ إذا قالوا صدقوا وأفحموا، وإذا فكَّروا ابتكروا،
وإذا عمِلوا أبدعوا، شجعان في النزال، وفصحاء في المقال، منهم من يقول لكسرى (يزدجرد) في هيلمانه ومُلكه،
ومن داخل قصره وحراسه من حوله: "فاختر إن شئت الجزيةَ وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تُسلم فتُنجي نفسك"[4].
[1] البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، ج22، ص 124.
[2]سفراء الرسول، محمود شيت خطاب، ج2، ص 260.
[3] البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، ج22، ص 124.
[4] نفس المصدر السابق، ص 125، والكلام للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه.
[2]سفراء الرسول، محمود شيت خطاب، ج2، ص 260.
[3] البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، ج22، ص 124.
[4] نفس المصدر السابق، ص 125، والكلام للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه.
للكاتب:
عبد الستار كريم المرسومي
عبد الستار كريم المرسومي

تعليق