مرحبا بك في منتديات لكِ النسائية. إذا كانت هذه هي زيارتك الأولى، فيمكنك الإطلاع على الأسئلة المتكررة بالضغط على الزر اعلاه. قد تحتاج للتسجيل من هنا
قبل أن تتمكن من كتابة مواضيع جديدة.
العولمة هي مصطلح من المصطلحات التي شاعت بيننا في هذه السنين الأخيرة، مثل الحداثة، والاستعمار والإمبريالية وغيرها...
أحمد الديب
العولمة هي مصطلح من المصطلحات التي شاعت بيننا في هذه السنين الأخيرة، مثل الحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد الاستعمار، وما بعد الإمبريالية وغيرها، وهي تعبير جديد على لغتنا، فهي مترجمة قطعا، كما سنروي المعروف أن (العولمة) مصدر على وزن (فوعلة) مشتق من كلمة (العالَم)، كما يقال (قولبة) اشتقاقا من كلمة (قَالَب).
فالتعبير صحيح من الناحية اللغوية، ولكن يبقى علينا أن نعرف معناه والمقصود منه، حتى يمكننا الحكم عليه؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره، كما قال قديمًا علماء المنطق. العولمة تعني في نظر البعض: إزالة الحواجز والمسافات بين الشعوب بعضها وبعض، وبين الأوطان بعضها وبعض، وبين الثقافات بعضها وبعض. وبذلك يقترب الجميع من (ثقافة كونية) و(سوق كونية) و(أسرة كونية). ويعرفها بعضهم بأنها تحويل العالم إلى (قرية كونية). ولذا نرى بعض الباحثين يستخدم هنا (الكوننة) اشتقاقا من كلمة (الكون) بمعنى العالم أيضا. كما أن بعضهم استعمل كلمة (الكوكبة) إشارة إلى كوكب (الأرض) التي نعيش عليها. ولكن الكلمة التي ذاعت وانتشرت هي (العولمة).
ويتعامل الفرنسيون مع كلمة العولمة بلفظة: Mondialisation، في حين أن الأمريكيين والإنجليز يتعاملون مع كلمة Globalization الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل. وبهذا المعنى يمكن أن نحدس، أو على الأقل نفترض، أن الدعوة إلى العولمة بهذا المعنى إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة وجعله يشمل الجميع: العالم كله. من هنا نستطيع أن نحدس، منذ البداية، أن الأمر يتعلق بالدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله. وبعبارة أخرى: بما أن الدعوة إلى العولمة قد ظهرت فعلا في الولايات المتحدة الأمريكية بهذا المعنى، في أوساط المال والاقتصاد، فإن لنا أن نستنتج أن الأمر يتعلق ليس فقط بآلية من آليات التطور الرأسمالي الحديث، بل أيضا بالدعوة إلى تبني نموذج معين. وبالتالي فالعولمة هي، إلى جانب كونها نظاما اقتصاديا، هي أيضا أيديولوجيا تعكس هذا النظام وتخدمه وتكرسه. وهناك من الكُتاب من يقرن بينها وبين "الأمركة"، أي نشر وتعميم الطابع الأمريكي.
بين العولمة والعالمية:
وربما كان معنى العولمة في ظاهره يقترب من معنى (العالمية) الذي جاء به الإسلام، وأكده القرآن في سورة مكية، مثل قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء:107)، {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} (الفرقان:1)، {إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين} (ص: 87،88). ولكن هناك في الواقع فرق كبير بين مضمون (العالمية) الذي جاء به الإسلام، ومضمون (العولمة) التي يدعو إليها اليوم الغرب عامة، وأمريكا خاصة.
فالعالمية في الإسلام تقوم على أساس تكريم بني آدم جميعا {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70)، فقد استخلفهم الله في الأرض، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه. وكذلك على أساس المساواة بين الناس فـي أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأنهم جميعًا شركاء في العبودية لله تعالى، وفي البنوّة لآدم، كما قال الرسول الكريم أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر، إلاّ بالتقوى…" وهو بهذا يؤكد ما قرره القـرآن في خطابه للناس كل الناس: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات: 13). ولكن القرآن في هذه الآية التي تقرر المساواة العامة بين البشر، لا يلغي خصوصيات الشعوب فهو يعترف بأن الله تعالى جعلهم (شعوبا وقبائل) ليتعارفوا.
أما (العولمة) فالذي يظهر لنا من دعوتها حتى اليوم: أنها فرض هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية من الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وخصوصًا عالم الشرق، والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي. الولايات المتحدة بتفوقها العلمي والتكنولوجي وبقدرتها العسكرية الهائلة، وبإمكاناتها الاقتصادية الجبارة وبنظرتها الاستعلائية.. ترى نفسها أنها سيدة العالم. إنها لا تعني معاملة الأخ لأخيه كما يريد الإسلام، بل ولا معاملة الند للند كما يريد الأحرار والشرفاء في كل العالم، بل تعني معاملة السادة للعبيد والعمالقة للأقزام والمستكبرين للمستضعفين. العولمة في أجلى صورها اليوم تعني (تغريب العالم) أو بعبارة أخرى (أمركة العالم). إنها اسم مهذب للاستعمار الجديد الذي خلع أرديته القديمة، وترك أساليبه القديمة ليمارس عهدا جديدا من الهيمنة تحت مظلة هذا العنوان اللطيف (العولمة). إنها تعني فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وأي دولة تتمرد أو تنشز، لا بد أن تؤدب بالحصار أو التهديد العسكري أو الضرب المباشر، كما حدث مع العراق والسودان وإيران وليبيا.
وكذلك تعني فرض السياسات الاقتصادية التي تريدها أمريكا عن طريق المنظمات العالمية التي تتحكم فيها إلى حد كبير، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها. كما تعني فرض ثقافتها الخاصة التي تقوم على فلسفة المادية والنفعية وتبرير الحرية إلى حد الإباحية، وتستخدم أجهزة الأمم المتحدة لتمرير ذلك في المؤتمرات العالمية، وتسوق الشعوب إلى الموافقة على ذلك بسياط التخويف والتهديد، أو ببوارق الوعود والإغراء.
وتجلى ذلك في (مؤتمر السكان) الذي عقد بالقاهرة في صيف 1994، والذي أريد فيه أن تمرر وثيقة تبيح الإجهاض بإطلاق، وتجيز الأسرة الوحيدة الجنس (زواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء) وإطلاق العنان للأولاد في السلوك الجنسي، والاعتراف بالإنجاب خارج إطار الزواج الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور التي تخالف الأديان السماوية كلها، كما تخالف ما تعارفت عليه مجتمعاتنا، وغدا جزءا من كينونتها الروحية والحضارية. ومن هنا وجدنا الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في مكة، وجمهورية إيران الإسلامية، والجماعات الإسلامية المختلفة، تقف جنبًا إلى جنب مع الفاتيكان ورجال الكنيسة، لمقاومة هذا التوجه المدمر؛ إذ شعر الجميع أنهم أمام خطر يهدد قيم الإيمان بالله تعالى ورسالاته، والأخلاق التي بعث الله بها رسله عليهم السلام.
العولمة استعمار جديد:
إن (العولمة) كما تطرح اليوم، إنما تصب في النهاية لصالح الأقوياء ضد الضعفاء، ولكسب الأغنياء ضد الفقراء، ولمصلحة الشمال الغني ضد الجنوب الفقير. وهذا طبيعي؛ لأن التكافؤ مفقود في حلبة المصارعة أو الملاكمة، بين الأوزان الثقيلة والأوزان الخفيفة، بل بين المصارع المدرب الممارس، وبين خصمه الضعيف الذي سيسقط لا محالة في بداية اللقاء من أول ضربة. وماذا يمكن أن نتصور من نتائج سباق يفتح ميدانه لمن يريد المشاركة فيه؟ كيف يكون مصير من يركب الجمل أو الحمار إذا سابق من يركب السيارة؟ إن فتح الأبواب على مصاريعها - بدعوى العولمة - في مجالات التجارة والاقتصاد، والتصدير والاستيراد، أو في مجالات الثقافة والإعلام، سيكون لحساب القوى الكبرى، والدول التي تملك ناصية العلم والإعلام الجبار والتكنولوجيا العالية والمتطورة، ولا سيما الدولة الأكبر قدرة، والأشد قوة، والأعظم نفوذا وثروة، وهي أمريكا.
أما بلاد (العالم الثالث) كما يسمونها، وخصوصا (البلاد الإسلامية) منها، وهي ما أطلق عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله (محور طنجة - جاكرتا) فليس لها من هذا السباق العالمي، إلا بقايا ما يفضل من الأقوياء، إن بقي لديهم ما يجودون به من فتات على الآخرين. إنه الاستعمار القديم بوجه جديد واسم جديد. إن الاستعمار يغير لونه كالحرباء، ويغير جلده كالثعبان، ويغير وجهه كالممثل، ويغير اسمه كالمحتال، ولكنه هو هو، وإن غير شكله وبدل اسمه: استكبار في الأرض بغير الحق، وعلو كعلو فرعون في الأرض، والذي جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم? ولكن الاستعمار الجديد الذي يريد العلو والفساد في الأرض كافة، لا يستضعف طائفة، بل يستضعف شعوب الأرض، لمصلحة أقلية ضئيلة منهم.
منقول * كاتب المقال، أحمد الديب، هو كاتب فلسطيني.
هذه المقالة محاولة اجتهادية لطرح رؤية موضوعية لقضية العولمة، وهي الجمع بين فكرة المقاومة والاستثمار؛ وذلك أن معظم الخطاب الإسلامي في هذه القضية يتناول جانب المقاومة وبيان المخاطر الضخمة للعولمة؛ وهذا أمر مهم لا بد منه. ولكن جانب الصورة الأخرى يبدو أنه لا يقل أهمية على الرغم من قلة من يتطرق إليه؛ حيث نتلمس وجودنا الإسلامي من خلال خريطة العولمة الضخمة والسريعة الإيقاع فيما نسميه في هذه المقالة بالاستثمار.
وهناك جانب آخر وهو جانب تصوريٌّ يساعد على التوصل إلى الحكم السابق، وهو فهمنا لطبيعة هذه العولمة من خلال الملامح والواقع والمستقبل، وأن فيها جانباً ليس إرادة مقصودة للأقوياء، وينبني على هذا الفهم أن بعض سلبياتها قد يرتد على أصحابها؛ فهل تنجح هذه المقالة في تحويل بعض صور الخطاب العاطفي حول هذه القضية ليكون أكثر موضوعية؟
مقدمة:
مصطلح العولمة مصطلح جديد ظهر في العالم الغربي في بداية عقد التسعينيات، وقد سبقه حدثان ضخمان أثرا في حركة العلاقات الدولية واتجاهاتها وعلى موازين القوى في العالم: الأول: سقوط المعسكر الشرقي الذي اتخذ من سقوط جدار برلين رمزاً له في عام 1989م، والذي أنهى فـترة من الحرب الباردة بين المعسكرين (وارسو/الأطلسي) بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وصاحبها حالات من الاستقطاب والمد والجزر في علاقات هذين المعسكرين؛ بحيث وصلت في الجَزْر إلى التهديد بحرب عالمية ثالثة مباشرة أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، وفي المد وصلت إلى الاتفاق على تقسيم مناطق نفوذ في بعض بقاع العالم، وبين ذلك حصلت حروب بالوكالة كما حصل في فيتنام وأفغانستان. وقد أتاحت حالة الحرب الباردة والصراع والتنافس العالمي على مناطق النفوذ وجود هامش من الحرية لما سمي بـ (دول عدم الانحياز) مكّن كثيراً من الدول من الاستقلال عن الدولتين الكبيرتين أو إحداهما.
ثم جاء الحدث الآخر الكبير وهو حرب الخليج الثانية في عام 1991م، وهي حرب شبه عالمية لكن من طرف واحد ودون تكافؤ في القوى. وانتهت هذه الحرب بانتصار أمريكي غربي أضيف إلى ذلك النصر التاريخي على المعسكر الشرقي. وهذان الانتصاران أتاحا لأمريكا نوعاً من السيادة العالمية مستغلة تقدمها التقني والاقتصادي وقوتها العسكرية في تكريس هذه السيادة. فبدأ في هذا الظرف التاريخي ظهور مصطلحات جــديدة مثل «العالم الجديد» ومثل «العولمة». وهذا المصطلح الأخير أخذ حظه من الانتشار باعتبار أنه يمثل حركة الهيمنة والسيادة الغربية بأسلوبها الحضاري الجديد، وظهرت أعمال وكتابات كثيرة لدى الغربيين تؤدلج هذه الفكرة مثل فكرة «نهاية التاريخ»، وكذلك فكرة «صراع الحضارات» وإن كانت سابقة لفكرة نهاية التاريخ إلا أنها شُهرت أخيراً.
تعـاريف:
البعد الاقتصادي يأخذ النصيب الأكبر في أدبيات الكُتَّاب الغربيين عن العولمة لقوة تأثيره على الدول والمجتمعات وارتباط كثير من المجالات به. وكمثال لذلك كتاب: «فخ العولمة»؛ فإنه يركز على البعد الاقتصادي وأثره على المجتمعات الغربية. كما أن العولمة الاقتصادية هي المجال الوحيد الذي اتفق على تعريف له؛ حيث تبنى مؤتمر الأمم المتحدة للإدارة والتنمية UNCTADتعريفاً لها يقوم على فكرة فتح الأسـواق والتبادل الحر وتقليل سلطة الدولة على حركة الاقتصاد. لكن هذا المصطلح اكتسب فيما بعد دلالات استراتيجية وثقافية مهمة من خلال تطورات عديدة بدأت منذ أوائل التسـعينيات. ومن هنا لا نستطيع أن نتوقف عند هذه النظـرة والرؤية الجزئية للعولمة، وإن كانت مهمة. ولذا عبر كثير من المفكـرين والكتاب عن رؤية أشمل للعولمة. وهذه النظرة الشمولية بدأت تظهر أخيراً حتى على الكتابات الغربية. ومن الطريف أن كاتبين غربيين أصدرا في عام 2000م كتاباً بعنوان: «إعادة النظر في العولمات» هكذا بصيغة الجمعRethinking Globazation(s) .
ونستطيع أن نلخص أهم توصيفات العولمة وملامحها بما يلي:
هي التوجه الأيديولوجي لليبرالية الجديدة التي تركز على قوانين السـوق، والحرية المطلقة في انتقال البضائع والأموال والأشخاص والمعلومات في الاقتصاد، وعلى فكرة الديمقراطية في البعد السياسي، وعلى مفهوم الحرية والمساواة المطلقة في البعد الاجتماعي والأخـلاقي. فهي نظام عالمي يشمل المجالات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، كما يشمل مجال التسويق والمبادلات والاتصال.
ويرى بعضهم أنها فكرة تعبر بصورة غير مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وتغريبه أو أمركته مستغلة مظاهر وآليات التطـور الحضاري الذي يشهده العصر: فالهيمنة العسكرية بواسطة الأحلاف العسكرية ومنها حلف الأطلسي، والسياسية بواسطة الهيمنة على مجلس الأمـن، والاقتصادية من خلال المنظمات الدولية الاقتصادية مثل منظمة التجارة العالمية، والاجتماعية من خلال مؤتمرات دولية وإقليمية، والفكرية من خلال القوانين والاتفاقيات والصكوك الدولية في هذا المجال؛ مدعومة بقوة دفع ضخمة بواسطة إمبراطوريات إعلامية وشبكة معلومات دولية (إنترنت) يسيطر الغربيون على معظمها؛ حيث اعتبر بعضهم (جارودي) العولمة هي الاسم الجديد للاستعمار.
وفي المقابل يرى بعض آخر أن العولمة هي اتجاه فطري للإنسان يتسارع أثره مع تطور آليات الاتصال بين المجتمعات وتركيز الصناعات وتجاوز المجتمع التقليدي، وأنها مظهـر من مظاهر التطور الطبيعي الحضاري المعاصر، وأن المجتمعات الأكثر حضارة تفيض على المجتمعات الأقل حضارة بشكل تلقائي عبر قنوات تصل بين المنبع والمصب. فهو نظام رأسمالي أكثر تكاملاً وليس رسملة للعالم بالمفهوم الغربي أو الأمريكي. وقد يعبر عن ذلك بطريقة أخرى فيقال: إن ما يحـدث هو إفراز من إفرازات الدولة الحضارية في لحظة تضخم قوتها في المجالات المختلفة على العالم من حولها.
ويتفق عدد من المفكرين بأنها آلية يمكن أن تؤدي بشكل متسارع إلى نشـوء نظام عالمي جديد بواسطة ثلاثية التكنولوجيا ورأس المال والإدارة، وتشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والأعراف، ليؤسس القرية الكونية الجديدة التي تقوم على ثورة الكمبيوتر والاتصالات والثورة المعلوماتية والأسواق المفتوحة والشركات متعددة الجنسيات لتوحيد مصير الإنسانية.
هذه أهم الأدبيات في توصيف واقع العولمة ومستقبلها؛ على أن الساحة الفكرية المنظِّرة لفكر العولمة لا تخلو من اتهام لمثل هذه الأطروحات موجه إلى بعض نقاد العولمة وإلى بعض مؤيديها بالمبالغة.
السؤال الآن:
هل العولمة مظهر من مظاهر التطور الحضاري الطبيعي الذي يشهده العصر ولكنه يتم بمقاييس الأقوياء؟ أم أنها عقيدة تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم من قِبَل الأقوياء؟ ليكن الحال مزيجاً من الأمرين والنتيجة واحدة وهي:
سيطرة الأقوياء مادياً وحضارياً على الضعفاء مستخدمين قدراتهم وسبقهم في توظيف آليات العولمة وثمار التقنية لصالحهم؛ حتى تتم عملية «تغريب العالم» كما وصفها أحد الكتاب الغربيين أو «أمركة العالم» حسب وصف أحد الكتاب المسلمين، وهو ما دعا الرئيس الأمريكي السابق كلينتون إلى أن يقول: «إن أمريكا تؤمن بأن قيمـها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا».
مجـالات العـولمة:
تظهر العولمة في مجـالات عديدة من مجالات الحياة التي تشكل شبكة العلاقات الدولية المعاصرة، وأهم هذه المجالات:
أولاً: المجال الاقتصادي:
وترتكز العولمة فيه على فكرة وحدة السوق، وإزالة العوائق أمام حركة رأس المال، وحرية الاقتصاد، واتخاذ الدولار معياراً للنقد، وتحويل المجتمعات إلى مجتمعات منتجة هي مجتمعات الدول الصناعية، ومجتمعات مستهلكة هي مجتمعات الدول الأخرى؛ حتى أصبح مظهر التأثر الاستهلاكي للعولمة هو لبس الجينز وشرب الكوكا كولا وأكل الهمبرجر ومشاهدة المحطة الأخبارية CNN، وكلها نتاج أمريكي، لدرجة أن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتيران وقف يخطب في الجموع المحتشدة محـذراً من تفشي ظاهرة لبس بنطلون الجينز بين الشباب الفرنسي؛ لأنه مظهر من مظاهـر الغزو الأمريكي.
وتستخدم العولمة الاقتصادية عدداً من الوسائل والآليات:
1- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: وهما منظمتان أمميتان. فالأول يقوم على ضبط النقد الدولي واستقراره، والآخر يمارس عمليات الإقراض ودراسات الجدوى في مجال الإنشاء والتعمير للدول المتضررة من الحروب والدول الفقيرة ضمن شروط قاسية.
2 - منظمة التجارة العالمية: من خلال قوانينها في السلع والخدمات وحقوق الملكية الفكرية، ومن خلال هيئة فض المنازعات والتحكيم؛ حيث تحوَّل مفهوم التجارة لدى المنظمة من مفهـوم تقليدي إلى مفهوم يشمل البيئة والعمل وحقوق الإنسان والعمال. وهذه المؤسسات الثلاث تشكل ثالوثاً خطيراً يمكن أن يمسك بخناق الدول الفقيرة حتى يجعلها في تبعية شبه كاملة للغرب وشركاته.
3 - الإعلام والدعاية الإعلامية: وهي من أوضح الوسائل لترويج المنتجات الاستهلاكية، وتروج معها بشكل غير مباشر البيئات المطلوبة التي هي إفراز للثقافة والمصالح الغربية، وتقوم إمبراطوريات إعلامية على خدمة الدعـاية والإعلان، وتنفق الشركات الكبرى مئات الملايين من الدولارات سنوياً على هذه الخدمة.
4 - الشركات المتعددة الجنسيات: التي نجح الكثير منها في الهيمنة على السوق بنوعية منتجاتها وخدماتها، وبضخامة رأس مالها، وباندماجاتها.
ولقد شهد العالم اندماجات ضخمة بين شركات عملاقةMega Mergers فمثلاً:
أ - في مجال السيارات: اندمجت مرسيدس مع كرايزلر.
ب - وفي مجال النفط: اندمجت شركة أكسون مع شركة موبيل.
ج - وفي مجـال الاتصالات: اندمجـت شركة AT& T مع برتش تلكوم.
د - وفي المجال المصرفي: اندمج Citi corp مع Travelers group.
ويكفي أن نعلم أن رأسمال الشركات المندمجة في مجال الحاسبات فقط على مستوى العالم قد قفز إلى 246 مليار دولار عام 1999م بينما كان 21 مليار دولار عام 1988 م.
وهناك صناعات أخرى لم تذكر: كالتأمين، وصناعات الطائرات المدنية والحربية. وفي المجالات المذكورة أمثلة أخرى مهمة جداً.
وقد يكون من المناسب التذكير بالتغير الذي طرأ على موقف الحكومات الغربية من مثل تلك الممارسات؛ فقد كانت تلك الممارسات تعد صيغة احتكارية يمنع منها القانون. ولكن اللعبة تغيرت، والسوق كبرت، وأصبح التحدي ليس محلياً، بل ولا غربياً، بل على مستوى العالم كله، مما حدا بالدول الغربية إلى تجاوز الفهم التقليدي للاحتكار في أسواقها لمساعدة شركاتها للحصول على نصيب أكبر من السوق العالمية.
ثانياً: المجال الاجتماعي:
وذلك بتنميط العالم على نحو من نمط المجتمعات الغربية (تغريب العالم) وبالذات أمريكا (الأمركة)؛ وذلك بنقل قيم المجتمع الغربي والأمريكي بالذات ليكون المثال والقدوة، سواء ما نقل منها بإرادة مقصودة، أو ما انتقل منها نتيجة طبيعية لرغبة تقليد الغالب؛ لأن الأمة المغلوبة مولعة بتقليد الغالب؛ كما قال ابن خلدون. وتسلك العولمة الاجتماعية وسائل لذلك منها:
أ - المؤتمرات الدولية في مجال المرأة والشباب والأطفال والسكان والتنمية الاجتماعية والمستوطنات البشرية، التي شهدتها حقبة التسعينيات بشكل كبير وما زالت متواصلة؛ حيث تطرح وثائقها وتوصياتها نموذج الحياة الاجتماعية الغربية. ومثالاً على ذلك ما طرح في وثيقتي مؤتمر السكان في القاهرة ومؤتمر بكين عن المرأة.
ب - نقل السلوكيات والعادات الغربية من خلال المواد الإعلامية في القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت. والمثال على ذلك عيد الحبValentine ، وهي عادة غربية ذات أصول دينية وثنية وأخلاقية غربية، وقد بدأ ينتشر حتى في المجتمعات المحافظة كدول الخليج.
ثالثاً: المجـال الفكري والثقافي:
وذلك بترويج الأيديولوجيات الفكرية الغربية، وفرضها في الواقع من خلال الضغوط السياسية والإعـلامية والاقتصادية والعسكرية أيضاً؛ وذلك في مجالات عدة كحقوق الإنسان، والديمقراطية، وحقوق الأقليات، وحرية الرأي. وتستخدم في ذلك آليات ووسائل منها:
أ - إصدار الصكوك والاتفاقيات الدولية المصاغة بوجهة نظر غربية والضغط من أجل التوقيع عليها، مثل (الإعـلان العالمي لحقوق الإنسان، مكافحة التمييز ضد المرأة.. إلخ). وهذه الاتفاقيات وإن كان فيها بعض الحق إلا أن فيها الباطل، ويكفي أنها مصاغة بوجهة نظر غربية صرفة.
ب - إصدار القوانين من أجل استخدامها ضد دول العالم الثالث باسم حماية الأقليات، مثل قانون التحرر من الاضطهاد الديني الصادر عن الكونجرس الأمريكي.
ج - إصدار التقارير الدورية للضغط الإعلامي والسياسي والاقتصادي على المجتمعات الأخرى، مثل إصدارات الكونجرس الأمريكي ووزارة الخارجية الأمريكية الدورية، وإصدارات المنظمات العالمية الكبرى الدورية، بل حتى الشركات التي تعنى بالتصنيف الائتماني (أي الملاءة المالية) للدول؛ حيث تستغل لصالح الدول والبنوك والمؤسسات المالية الغربية.
رابعاً: المجال السياسي:
وذلك من خـلال استخدام الأمم المتحدة بعد الهيمنة عليها وعلى مؤسساتها السياسية المؤثرة خاصة مجلس الأمن الذي تعتبر قرارته ملزمة عالمياً، واستخدام حق النقض (الفيتو) المجحف عند الضــرورة أو التلويــح باستخدامه لمنـع أي قـــرار لا يريده الغرب وخاصة أمريكا. ولعل ما يجري الآن من تعسف أمريكي بدعم بريطاني ومجاملة من بقية الأعضاء الدائمين في استعمال هذه المنظمة العالمية لتكريس هيمنة أمريكا دليل على ذلك. وما كشفه بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة في كتابه: «بيت من زجاج» بعد خلافه مع أمريكا هو غيض من فيض.
خامساً: المجال العسكري:
وذلك من خلال الأحلاف والمعاهدات العسكرية التي تعقدها الدول الكبرى وبالذات أمريكا مع الدول الصغيرة، ومن خلال الأحلاف الإقليمية التي تكون هذه الدول طرفاً فيها، وكذلك من خلال حلف الأطلسي الذي حددت أهدافه تجاه الجنوب بعد أن كان تجاه الشرق بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي وانحلال حلف وارسو.
آليـات العولمـة التقنيـة:
وهي الوسائل التقنية التي تعتبر ثمرة المعرفة العلمية، ونتاجاً للثورة التقنية الضخمة التي يشهدها الغـرب؛ حيث تضاعفت الاختراعات التقنية بشكل كبير ربما يصل إلى معدل اختراع أو اكتشاف جديد كل دقيقتين. وأبرز مجال يشهد ثورة تقنية ضخمة هو مجـال الاتصالات. ومن مظـاهر ذلك ما يلي:
- سوف يدور قريباً حول الأرض حوالي 2000 قمر صناعي للاتصالات المدنية سوى أقمار التجسس والأقمار ذات الأغراض العسكرية. ويكفي أن نعرف أن (بل جيتس) صـاحب شركة مايكروسوفت وعد بمفرده بإطلاق 500 قمر صناعي لخدمة الاتصالات ونقل المعلومات.
- تضاعف استخدام هذه التقنية عالمياً حتى جاوز الوقت الذي استهلك في الاتصالات 60 مليار دقيقة في عام 1995م، وتضاعف سوقها حتى قارب الآن من نصف مليار دولار سنوياً، ويزداد بنسبة 10% سنوياً.
- ستقل تكلفة الاتصالات إلى أن تصبح شبه مجانية في غضون السنوات العشر القادمة. فعن طريق الإنترنت الآن بإمكان أي شخص في منطقة الخليج الاتصال بأوروبا وأمريكا بتكلفة لا تزيد عن 4 سنتات للدقيقة.
- صرحت شـركة كيوويستQwest للاتصالات الأمريكية أن نظامها التقني الحديث يستطيع نقل كم هائل من المعلومـات يوازي ما تحويه مكتبة الكونجرس من واشنطن إلى أي مكان في العالم خلال مدة لا تتجاوز عشرين ثانية.
- التطـور التقني القادم سيشمل أجهـزة التلفـاز خاصة بعد تطـوير الشاشة عـالية الوضوح (High definition TV). وسيكون الدخول إلى الإنترنت عن طريق التلفاز والتحكم بالبرامج أسهل. وقد بدأت الكثير من القنوات التلفزيونية بث برامجها عبر شبكة الإنترنتWeb TV مثل قناةCNN ، وقناة الجزيرة، وغيرهما.
- ومع تطور كاميرات الفيديو الرقمية سيكون بإمكان الأشخاص العاديين بث برامج ومعلومات عبر قنوات ومحطـات شخصية خاصة بهم كما هو الحال في مواقع شبكة الإنترنت.
- وفي مجـال الإنترنت ـ وهي الشبكة التي حطمت القيود والحواجز وحققت وحدة معلوماتية ـ نرى أهمية هذه الشبكة وخطورتها من خلال سعتها ومحتوياتها وحرية استخدامها وسهولته، ومن ذلك:
- مستخدمو الإنترنت حوالي 500 مليون مستخدم؛ كما أن مواقع الإنترنتWeb Sites التجارية والحكومية والخاصة قد زادت على 200 مليون موقع (عام 1999م)، وهي تزداد يومياً بشكل سريع.
- طرحت بدائل جديدة للتجارة تسمى الآن التجارة الإلكترونيةE-Commerce ونشـأت الأسواق الإلكترونية، وتحققت وحدة للسوق العالمي وضُخت مليارات الدولارات في هذا السوق. ولمثل هذا الغرض أنشأت إمارة دبي مدينة الإنترنت. وقد يكون هذا بعض معنى ما روي عن النبي # في تقارب الأسواق في آخر الزمان.
- زادت صفحات الإنترنت (في نهاية عام 2000م) على 5ر1 مليار صفحـة، والمستخدمون العرب أقل من 1% من مجموع المستخدمين.
- محركات البحث لا تغطي سوى 15% من سعة الشبكة؛ فمحرك ياهوYahoo مثلاً لا يغطي إلا حوالي 5ر7% تقريباً من الشبكة.
ومع أن هذه الإحصائيات ليست دقيقة؛ وذلك لصعوبة تحقيق ذلك في مثل نظام الشبكة، لكن المقصود هو تقريب الصورة.
مخاطـر العولمـة:
للعولمة مخاطر ضخمة ومفاسد جمة من خلال تحوُّل العالم إلى غابة إلكترونية يستعلي فيها الكبار على الصغار؛ وتظهر هذه المخاطر داخل المجتمع للدولة الواحدة، وكذلك داخل المجتمع العالمي. ومن أهم المخاطر:
الخطـر المجتمعـي:
يحذر علماء الإصلاح الاجتماعي من أن أسوأ ما يقع على الأمم هو انقسام مجتمعها إلى طبقات الأغنياء والفقراء، وأن الآثار السيئة لتكدس الأموال في أيدي قلة من الناس تسبب تسلطهم وتحكمهم في مصير الكثرة، وتسخرهم لخدمتهم بغير حق. وكمثال لذلك أمريكا ذات النظام الديمقراطي، وكيف يؤثر المال على امتلاك وسائل الإعلام ومن ثم التأثير على العملية الانتخابية؛ بحيث لا تعبر في النهاية عن رأي الأغلبية. ولهذا كان منهج الإسلام هو وجـود تشـريعات تمنع أن يبقى المال دُولة بين الأغنياء؛ وقد ظهرت الطبقية والاحتكار من خلال إيجاد آليات وهياكل ومؤسسات اجتماعية، سواء كانت اقتصادية أو قانونية أو تشريعية، يتم من خلالها توجيه المال والسلطة والتأثير للأغنياء دون الفقراء، وتكرس انعدام الفرص أمام الفقراء في مزاحمة الأغنياء. بل ويكون المال والغنى معياراً لكثير من المناصب والمهام. ومن ذلك التشريعات الخاصة ببعض الأسواق التجارية والبورصات والتشريعات القانونية (غير المكتوبة) في أمريكا والمنحازة إلى فئة دون أخرى، ومن ذلك ما يظهر في طبيعة هيكلة الأحزاب السياسية. وقد حذرت مجلة Foreign Affairs الأمريكيـة في عدد سابق من نشوب ثورة اجتماعية عالمية بعد نقدها لفكرة العولمة؛ لأنها تترك وراءها الملايين من العمال الساخطين، وحالات اللامساواة، والبطالة، والفقر المستوطن، واختلال التوازن الاجتماعي، بالإضافة إلى تخلي الدولة عن مواطنيها، ونشـوء الطبقية الفاحشة داخل مجتمع الدولة الواحدة. كذلك تسبب تكريس الهوة بين الدول النامية والدول المتقدمة وبين أغنياء العالم وفقرائه.
ومن مظاهر الخطر الاجتماعي:
- ثلاثة أغنى أغنياء أمريكا ثروتهم أكثر من ثروة قارة إفريقيا كلها التي فيها 600 مليون نسمة.
- 30% من سكان العالم دخلهم اليومي يقل عن دولارين، و20% من سكان العالم يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد، وكلهم من الدول النامية.
- 20% من سكان العالم يملكون 80% من ثروته، والباقي من السكان يملكون الباقي من الثروة.
- حركة المال العالمي اليومي تزيد على 10 تريليون دولار يملك معظمه عدد محدود من الشركات والأشخاص في هذا العالم، معظمهم في العالم الغربي.
- التجارة الإلكترونية (السوق الإلكتروني) شبه محتكرة للغربيين خاصة أمريكا التي تحصل على نصيب الأسد من هذه التجارة، حيث بلغت حصتها من هذه السوق نسبة قريبة من النصف والباقي لبقية العالم وخاصة الدول الغربية الأخرى، بينما الدول النامية لا تحصل إلا على واحد بالألف.
- خمس دول غربية فيها 172 شركة من أصل 200 شركة كبرى في العالم، وهي أمريكا، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا.
- في العالم 358 شخصاً يملكون ما يملك 45% من سكان العالم أي 6ر2 مليار شخصاً.
- هناك توقعات بازدياد البطالة والفقر مستقبلاً؛ فحوالي 30% من طاقات العمـل تكفي عندما تدخل التقنية الإلكترونية في الإدارة وفي سوق العمل.
- الأرباح المتوقعة من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية قد تصل إلى 200 مليار دولار، معظمها يذهب إلى الشركات الغربية بينما لن يحصل العالم العربي إلا على 1% منها.
- كل خمس دولارات في العالم يملك الغرب أربعة منها ويترك دولاراً واحداً فقط لبقية المناطق.
- وفي مجال التكنولوجيا نجد أن 40% من كمبيوترات العالم توجد في أمريكا؛ بينما نجد واحداً من كل ثلاثمائة أفريقي يملك خطاً هاتفياً واحداً، ونجـد أن 80 % من مالكي الهواتف الخلوية هم من العالم الغني بينما توصف بنغلادش بأنها صحراء هاتفية.
الخطـر الثقـافي:
محاولة صهر الثقافات الموجودة في ثقافة واحدة هي الثقافة الغربية وبالذات الأمريكية، وجعلها النموذج العالمي مستغلة التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات، وما ترسله عبر الفضائيات من سيل جارف من المواد الإعلامية، وتفريغ العالم من الهوية الوطنية والقومية والدينية.
ومن مظاهر ذلك أيضاً:
- يوجد في العالم 6000 لغة، لكن 90% من برامج الإنترنت تبث باللغة الإنجليزية مما يسبب تهميشاً للغات الأخرى حتى الحية منها؛ مما دعا الرئيس الفرنسي شيراك إلى الدعوة إلى إقامة تحالف بين الدول التي تعتمد لغات من أصل لاتيني للتصدي بشكل أفضل لهيمنة اللغة الإنجليزية لدى افتتاحه منتدى حول تحديات العولمة في 20/3/2001م. ومن المعلوم أن الوكالة الفرنكفونية والمنظمة الدولية للفرنكفونية أُنشئتا لهذا السبب. كما أفادت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة نشرت في 8/2/2001م أن نصف اللغات المحلية في العالم في طريقها للزوال، وحذرت الدراسة من أن 90% من اللغات المحلية سوف تختفي في القرن الحادي والعشرين.
- استخدام بعض الصكوك الدولية والقوانين عند بعض الدول للضغط من أجل تغيير الهويات وصهر الثقافات، وكمثال على ذلك قانون (التحرر من الاضطهاد الديني) الأمريكي الذي تستخدمه في التدخل بشؤون العالم الإسلامي بدعوى حماية الأقليات، وإتاحة حرية ممارسة العبـادة وإقامة دور لها.
- الآثار الثقافية السلبية التي يمكن أن تنشأ من السير في فلك منظمة التجارة العالمية؛ حيث تتيح تفسيرات قوانينها الاعتداء على الخصوصيات الثقافية بدعوى تسهيل انسياب حركة التجارة العالمية.
الخطـر الأخـلاقي:
- وذلك بما يبث عبر شبكات التلفزة والإنترنت من أفلام جنسية ومواد إعلامية تروج الفاحشة والرذيلة. وقد بلغ هذا النوع من المواد والأفلام من الكثرة لدرجة أن ألمانيا التي يسمح قانونها بعرض العملية الجنسية على المسرح مباشرة أمام المشاهدين قامت بإغلاق 200 موقـع إباحي عام 1996م. وبلغت تلك البرامج رواجاً كبيراً لدرجة أن استفتاءً في بريطانيا أظهر أن نسبة 1: 3 من طلاب المدارس الثانوية يشاهدون أفلاماً إباحية.
- هناك نصف مليون موقع على الإنترنت تتعامل مع الصور المخلة بالآداب، وتشرح طرق استعمال المخدرات، ووسائل استخدام العنف (1997م).
- استخدام جسد المرأة أداة نفعية مادية؛ وذلك بتضخيم الجانب الشهواني؛ حيث تعتبر المرأة سلعة يمكن تسويقها من خلال العروض التلفزيونية والإعلانات. وكذلك تعتبر المرأة آلة لتسويق السلع الاستهلاكية لمستحضرات التجميل والأزياء، ويظهر ذلك من خلال عروض الأزياء، ومسابقات ملكات الجمال، وقد توسعت مسابقات ملكات الجمال لتشمل ملكات جمال الإنترنت.
الخطـر الاجتماعي:
ويتمثل ذلك بمحاولات الدول الغربية تحت مظلة الأمم المتحدة أن تفرض أنموذجها الاجتماعي، وأن تفرض على العالم قيم المجتمع الغربي المختلة في مجال الأسرة والمرأة من خلال المؤتمرات الدولية في المجالات الاجتماعية المختلفة، ومن خلال المؤتمرات الإقليمية ولجان المتابعة لتوصيات هذه المؤتمرات المتعددة والمنتشرة، والتي تدعو إلى اعتماد النموذج الغربي في الحياة الاجتماعية والسكان، كما أن توصيات هذه المؤتمرات قد تصل إلى ما يشبه القرارات الملزمة.
ومن أبرز توصيات هذه المؤتمرات:
- الحرية الجنسية وإباحة العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة، وتقليل قيمة الزواج.
- تكريس المفهوم الغربي للأسرة، وهو أنها تتكون من شخصين فأكثر ولو كانا من نوع واحد.
- إباحة الشذوذ الجنسي بكل أنواعه، ومن المعلوم أنه مُقَرٌّ في بعض القوانين الغربية.
- فرض مفهوم المساواة الشكلي بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات والحياة العامة.
ومن مظاهر الاستجابة لهذه العولمة الاجتماعية في العالم العربي نلاحظ:
- تزايد النشاط النسوي الوافد بما يحمله من فكر تغريبي، ومثاله: الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية في المغرب (2000م).
- الاتجاه لإعادة النظر في قوانين الأسرة في العالم الإسلامي، كما حصل في مصر أخيراً.
- تزايد التمويل الأجنبي المشبوه لمنظمات وهيئات نسوية أو معنية بشؤون الأسرة والمرأة.
- طرح مناقشات وبرامج حـول المرأة في المجتمعات المحافظة، كما حصـل في بعض دول الخليج أخيراً.
خطر الفوضى العالميـة وعدم السيطرة:
تتيح التقنية وسائل جديدة للمجرمين واللصوص وتجار المخدرات؛ حيث إن توحد السوق وضخامة ما يضخ فيه من مال يغطي عمليات السرقة وغسيل الأموال، فتكثر عصابات المافيا وأساليب الاحتيال، وقد تغري بدخول أجهزة استخبارات لبعض الدول وسط معمعة الفوضى لتحقيق أغراض مالية أو سياسية. ومن مظاهر ذلك:
- مواقع على الإنترنت فيها إرشادات للإرهابيين؛ حتى وصل الأمر إلى أن يناقش هذا الموضوع في الكونجرس الأمريكي تحت عنوان: «الإنترنت وعلاقته بالإرهاب».
- عشرات الألوف من المواقع على الإنترنت تشرح طرق استعمال المخدرات ووسائل استخدام العنف.
- سرقة البرامج؛ حيث قدرت قيمة البرامج المسروقة في عام 1993م ببليوني دولار.
- سرقة أرقام بطاقات الائتمان؛ حيث قامت عصابة واحدة بسرقة 140.000 بطاقة عام 1994م، وتم نشرها على لوائح.
- إفساد البرامج داخل أنظمة الكمبيوتر. وبحكم ترابط شبكات الكمبيوتر والمعلومات يعظم الإفساد. وكمثال قريب لذلك فيروس «الحب». وما زالت محاولات نشر الفيروسيات عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني مستمرة.
هذه جوانب من المخاطر، وهناك جوانب أخرى لم نتطرق إليها لوضوحها للمراقب والمتابع، ومنها خطر العولمة الاقتصادية ذلك الغول الخطير الذي يهدد دول الجنوب عامة، ويمكن أن يحولها إلى شبه ملكية خاصة للشركات الغرببة العملاقة المتعددة الجنسيات.
مسـتقبل العــولمـة:
يظهر ـ والله أعلم ـ أن هيمنة الغرب وبالذات أمريكا الدولة المركزية على عملية العولمة لن تستمر طويلاً؛ وذلك بحسب استشراف الأمريكان أنفسهم لمستقبل دولتهم، وإن كانت ستبقى ذات مـركز عالمي مهم لكن ليس مهيمناً، للأسباب الآتية:
1 - أن فكرة العولمة ليست مثاقفة بين المجتمعات وحواراً بين الحضارات، والتي من شأنها أن تتلاقح فيها الحضارات مع الاحتفاظ بالخصوصيات، وإنما هي هيمنة نمط حضارة واحدة بكل ما تحمله من ازدواجية في المعايير، وتناقض في القيم، وفوضى في الحياة الاجتماعية، وهذا يؤدي إلى روح المقاومة والمغالبة من الآخرين، عندما تبدأ عملية الاختراق والتحدي الثقافي والفكري والاقتصادي والسياسي.
2 - أن طبيعة الإنسان عندما يملك القوة ولا يضبطه منهج رباني، ولا يجد مقاومة مكافئة فهو كما قال الله ـ تعالى ـ عنه: {إنَّهٍ كّانّ ظّلٍومْا جّهٍولاْ} [الأحزاب: 72]، وقال: {إنَّ الإنسّانّ خٍلٌقّ هّلٍوعْا ><ر19ر> إذّا مّسَّهٍ پشَّرٍَ جّزٍوعْا ><ر20ر> $ّإذّا مّسَّهٍ پًخّيًرٍ مّنٍوعْا} [المعارج: 19 - 21]. ولذلك سيكثر الظلم والبغي والابتزاز ومحاولة السيطرة على موارد الآخرين من قِبَل الأقوياء. وأما دعاوى الحرية والمساواة وحقوق الإنسان فتلك داخل مجتمعاتهم، وتستخدم خارجها من أجل مزيد من الهيمنة في الغالب، وهذا سيزيد من حجم العـداء وإثارة روح المقاومة.
3 - أن أيديولوجية العولمة التي تقوم على الترغيب بمجتمع الليبرالية الغربية كما في فكـرة (نهاية التاريخ) عند فوكوياما، وعلى الترهيب من الصدام الحضاري كما في أطروحة (صدام الحضارات) عند هنتنجتون، وهما مفكران أمريكيان يستشرفان علاقة الغرب بالعالم الآخر، هما فكرتان توحيان بأن هذه الأيديولوجية التي تسعى إلى محـاولة إلغاء الخصوصيات الحضارية بالترغيب والترهيب يخالف طبيعة الأشياء، مما يسبب قيام تيار معاكس في كل حضارة، وبالذات الحضارات التي تملك عناصر القوة والمنعة، ثم يحصل الصراع الذي يعتقده هنتنجتون، والإسلام في طليعة تلك الحضارات، وخاصة في ظل استهداف الإسلام بخصومة ضخمة بالرغم من حالة ضعف المسلمين.
4 - إن توقع أن العالم سيتحول إلى ولايات أمريكية كما يعتقد أحد مؤلفي «فخ العولمة» في ندوة له بالرياض هذا العام هو مخالف للسنة الإلهية التي تحكم هذا الكون، ولسنة التدافع والصراع التي تحكم العلاقة بين الحق والباطل منذ وجـود الإنسان على هذه الأرض. فالاختلاف والتدافع والصـراع كانت من سمات الحياة البشرية عبر التاريخ بسبب الاختلاف بين الحق الذي جاء به الأنبياء والباطل الذي تدعو إليه الشياطين، أو بسبب نوازع النفس البشـرية وأنانيتها وعنصريتها وظلمها وبغيها على الآخرين. قال الله ـ تعالى ـ: {$ّلّوًلا دّفًعٍ پلَّهٌ پنَّاسّ بّعًضّهٍم بٌبّعًضُ لَّفّسّدّتٌ الأّرًضٍ} [البقرة: 251] وقال ـ تعالى ـ: {$ّلّوًلا دّفًعٍ پلَّهٌ پنَّاسّ بّعًضّهٍم بٌبّعًضُ لَّهٍدٌَمّتً صّوّامٌعٍ $ّبٌيّعِ $ّصّلّوّاتِ $ّمّسّاجٌدٍ يٍذًكّرٍ فٌيهّا \سًمٍ پلَّهٌ كّثٌيرْا} [الحج: 40]، وقال ـ تعـالى ـ: {$ّلّوً شّاءّ رّبٍَكّ لّجّعّلّ پنَّاسّ أٍمَّةْ $ّاحٌدّةْ $ّلا يّزّالٍونّ مٍخًتّلٌفٌينّ ><118> إلاَّ مّن رَّحٌمّ رّبٍَكّ $ّلٌذّلٌكّ خّلّقّهٍمً} [هود: 118، 119].
5 - إن وجـود الطائفة المنصورة التي أخبر عنها النبي # إلى نهـاية الزمان والتي هي بعض قدر الله في هذه الأرض يتناقض مع الدعوى العريضة لهذه العـولمة والمبشرين بها. بل فيه إشارة إلى أن ظهور هذه الطائفة سيكون في بعض المراحل على ظلمات وظلم هذه العولمة، وأن عدم تضررهم بمن خالفهم وخذلهم إشارة إلى بعض الفئام من المسلمين الذين سيركبون قطارها.
وعلى أرض الواقع نشاهد ما يلي:
1 - المشكلات الداخلية مثـل التفكك الأسري ـ المخدرات ـ الطبقية: 60مليون في أمريكا تحت خط الفقر، وفي الاتحاد الأوروبي 50 مليون تحت خط الفقـر، وفي أمريكـا 1% من الناس يملكون 40% من الثروة.
2 - الأمراض الناتجة من التحلل الأخلاقي (الإيدز): تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية (الغرب له نصيب كبير من هذه الأرقام):
- حتى عام 2000م هناك 40 مليون مصاب بالإيدز، والنساء أكثر إصابة بهذا المرض.
- عدد المتوفين بسبب الإيدز منذ بداية المرض في أواخر السبعينيات حتى عام 2000م حوالي 22 مليون، أكثر من 4 ملايين منهم من الأطفال.
- 250 مليون حالة جديدة من حالات الإصابة بأمراض انتقلت عن طريق الاتصال الجنسي.
3 - الفوضى الأخلاقية:
وهي إحدى مظاهر القصور في مجتمعات الحضارة المعاصرة، وهذا المظهر مع غيره من جوانب قصور أخرى تخفف من بريق هذه المجتمعات وتزهد فيها، ومن أمثلة ذلك:
- في بعض الدول الأوروبية 65% من النساء العاملات يتعرضن للتحرش الجنسي في أماكن عملهن، وعلى مستوى كل دول الاتحاد الأوروبي تبلغ النسـبة 35%، وهذا بحسب مسؤولة التوظيف والسياسة الاجتماعية في المجلس الأوروبي في بروكسل.
- حوالي 18% من النساء في أمريكا اغتصبن أو تعرضن لمحاولة اغتصاب في مرحلة من مراحل عمرهن، وأكثر من نصف الضحايا كن تحت سن 17 سنة عندما تعرضن للاغتصاب للمرة الأولى، وهذا بحسب دراسة أعدت بتكليف من وزارات العدل والصحة والشؤون الاجتماعية في أمريكا.
- كثر التحرش الجنسي في السنوات الأخيرة في اليابان حتى بات من الضروري وضع قانون وطني لمكافحته، وذلك بحسب رأي خبيرة القضايا القانونية في الحزب الديمقراطي. وجاء في هذا الصدد أن شركة القطارات في اليابان تفكر جدياً بتخصيص عربات خاصة بالنساء، وقد بدأ تطبيق ذلك أخيراً، علماً أن عربات النسـاء الليلية موجودة منذ سنين.
4 - ظهور ملامح صراع بين أمـريكا وبعض الدول الغربية بسبب الاختراق الثقافي والاقتصادي كما حصل مع فرنسا ومع كندا عندما احتجتا على الهيمنة الأمريكية على حساب الثقافة المحلية والامتيازات الاقتصادية. وسبق ذكر موقف الرئيس الفرنسي السابق ميتيران من ظاهرة لبس الجينز، وموقف الرئيس شيراك من الغزو اللغوي.
5 - توقع ظهور مراكز قوى جديدة عسكرية واقتصادية (الصين، الاتحاد الأوروبي، اليابان) يمكن أن تنافس أمريكا وتنهي بذلك حقبة القطبية الأحادية؛ وخاصة مع ما يتوقع من أن أمريكا ستبدأ مرحلة انكفاء على الذات على حساب الهيمنة العالمية في غضون السنوات العشرين القادمة حسب دراسات أمريكية.
6 - مقاومة العديد من دول العالم خاصة النامية للعولمة أو على الأقل عدم الاستسلام لشروطها القاسية؛ وذلك لما ترى لها من أثر على تقليص السيادة الوطنية في مـجال صنع السياسات الاقتصادية وغيرها؛ وخاصة أن هذه الدول ترى أن الأزمات المالية والاقتصادية الطاحنة التي ألمت بالمكسيك عام 1994م، والبرازيل عام 1999م وفي غـيرهما كانت نتيجة حتمية للعولمة والاندفاع إلى الاندماج فيها دون قيد وشرط، وأن الطبقية التي تحصل في بعض الدول كمصر، والمتوقعة في أخرى كدول الخليج التي سارت في قطار العولمة أو التي تستعد لركوبه مؤشر آخر على ذلك. وكمثال على ذلك السعودية التي كان من المقرر أن تنضم لمنظمة التجارة العالمية في نهاية عام 2000م، لكنها قاومت الانصياع للشروط واستمرت في المفاوضات إلى الآن.
7 - الأزمات العسكرية والثقافية والاجتماعية والشعور بالتفكك الداخلي لدى الغرب تزداد عمقاً، كما أنه يزداد عجزاً عن فرض سياسته، وإن تم له ذلك فبتكاليف باهظة.
8 - ازدياد وعي جماهير العالم الثالث وخاصة العالم الإسلامي، وازدياد فهم النخب لقواعد اللعبة الدولية، وبروز روح تمرد عند دوله على الهيمنة الغربية (نموذج ليبيا في ما يسمى مشكلة لوكربي)، حيث تمردت دول منظمة الوحدة الأفريقية على الحصار الجوي المفروض على ليبيا، وتهديد الدول العربية بالتمرد أيضاً كما في توصيات مؤتمر القمة العربي في عمان.
9 - إخفاق بعض الأطروحات الغربية (تـحرير المرأة) في تلك المجتمعات لدرجة أن باحثة أمريكية أصدرت كتاباً باسم: «أخوات في الجريمة» ترى أن تحـرر المرأة سوف يزيد من إجرامها، وأنه يمكن التعامل مع الحالة الإجرامية للمرأة كمؤشـر على درجة التحـرر التي تحققهـا في المجتمع. وأوردت بعض الإحصائيات التي تدعم وجهة نظرها، وكمثال لذلك خريطة النساء في البرلمانات: إحصائية عام 1993م الصادرة عن الاتحاد البرلماني الدولي:
أمريكا 11% بريطانيا 9% فرنسا 6%
روسيا 8% اليابان 2% مصـر2% تركيا 2%
ويمكن القول إن معـدل وجود المرأة في البرلمانات والمجالس الشعبية في العالم هو 10% بالرغـم من الدعاوى والجهود المبذولة منذ مطلع القرن من أجل تحقيق مساواة بين الرجل والمرأة وإلغاء التخصص بين الجنسين على أساس وظيفي.
10 - مصيدة الديمقراطية وحقوق الإنسان جعلت الغرب يظهر بعدم صدقه فيما يدعو له، وبأنه صاحب معايير مزدوجة، وهو كذلك كما حصل مع الصين ومع الاتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة، وهو كذلك الآن عندما تأتي الديمقراطية بخصوم الغرب إلى الحكم أو تأتي حقوق الإنسـان على حساب بعض أصدقائهم في دول العالم الثالث، ولذا سكت الغرب عن انقلاب العسكر على الديمقراطية في كل من نيجيريا والجزائر، وهذا يظهر الغرب بعدم صدقه في ادعائه حماية القيم.
11 - ظهور بوادر إخفاق وعود العولمة ومبشريها في تقليل الفجوة بين الشمال والجنوب على مستوى العالم وعلى مستوى الدولة الواحدة؛ فالعولمة تمنح الفرص للشريحة الغنية الضيقة وتظل الشرائح الكبيرة على مستوى الدول والأفراد تعاني ويلات العولمة مما يعني تكريس الظلم واللامساواة الاجتماعية. ومن طريف ما كتب في كتاب: (عالم منفلتRunway World ) أن العولمة التي توصف بأنها حولت العالم إلى قرية معولمة صغيرة global village قد حولته أيضاً إلى عملية نهب معولمة صغيرةglobal pillage .
12 - ظهور تيار عالمي مناوئ للعولمة له جمعياته ومنظماته ومنتدياته داخل الدول الصناعية مثل المنتدى الاجتماعي العالمي المناهض لمنتدى (دافوس) والتنسيق العالمي المناهض لمنظمة التجارة العالمية. ويقوم هذا التيار بدور التوعية بمخاطرها وآثارها السيئة على المجتمعات، ويحاول الاحتجاج عليها وإبطال أي فعـالية لدفع ودعم تيارها مثلما حدث في (سياتل، ودافوس، ومونتريال، وجنوا أخيراً). وتظهر عدائية عـدد من منظمات المجتمع المدني الغربي للعولمة في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أقوى كالمنظمات العمالية واتحادات الشغل التي تراقب أثر عولمة الاقتصاد على معدلات أجور العمال وعلى نسبة البطالة.
كيف نستثمر آليات العولمة؟
كما أن للعـولمة أخطارها الضخمة فإن هناك كثيراً من المكاسب والفـرص التي هي جزء من الحركة الفاعلة والإيقاع السريع لمعطيات العصر؛ فالموقف العقـلاني الرشيد ليس فقط المقاومة، وإنما نضيف إلى ذلك ما ينبغي أن يكون عليه موقفنا من استثمار الفرص السانحة باستخدام آليات العولمة بما يخدم المسلمين ويحافظ على هويتهم ويبرز موقفهم ويحمي كيانهم. ومن أمثلة هذا الاستثمار:
في مجال الإعلام والاتصالات:
- إن سهولة الاتصالات ونقل المعلومات ستُحدِث نقلة نوعية في أساليب الإدارة والعمل، فيستطيع الأفراد العمل من منازلهم في بعض الوظائف. وقد بدأت عدد من الشركات الأمريكية والأوروبية بتخصيص أوقـات معينة لكي ينجــز الموظفون أعمالهم الموكلة بهم من منـازلهم دون الحاجة للحضور، وأغلب الذين يعملون بهذا الأسلوب من النساء. فهذا الأسلوب سيتيح الفرصة أمام الأسر المحافظة والمجتمعات المحافظة لإنجاز أعمـال كثيرة عن طريق الإنترنت دون الحاجة لخروج المرأة من منزلها وترك بيتها وأطفالها، وخاصة إذا علمنا أن نسبة استخدام النساء للإنترنت في مجتمع محافظ كالسعودية نسبة عالية بحسب إحصائية أخيرة.
- تحرير وسائل الإعلام وتطورها وسهولة امتلاكها وإنشـاء القرى الإلكترونية الحرة سيتيح مجالاً لأي فرد أو مجموعة أو منظمة تريد أن تقيم محطات فضائية أو وسـائل إعلام أخرى لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، ونشر العلم، والدفاع عن المسلمين، والرد على الشبهات بحرية دون وصاية أو رقابة رسمية أو الخضوع لأنظمة مقيدة، ومن أمثلة ذلك الجهود الحثيثة في أكثر من جهة لإنشاء قنوات فضائية إسلامية مستقلة داخل القرى الإعلامية الحرة المقامة في بعض الدول.
- التغطيه الإعلامية الواسعة للأحداث من خلال الفضائيات أتاحت تغطية واسعة لقضايا المسلمين، وقلل من فرصة الإعلام الغربي أن يعتم إعلامياً على قضايا المسلمين أو يعرضها من وجهة نظره المنحازة في أغلب الأحيان، وكمثال على ذلك التغطية الواسعة لما يجري في فلسطين المحتلة بحيث وضع العالم في صورة ما يحدث لحظة لحظة، وكشف ممارسات الصهاينة هناك، ولا شك أن الإعلام له تاثير مباشر على صنع الرأي العام الذي يؤثر على الأنظمة السياسية في سبيل تعديل مواقفها، ومما هو جدير بالذكر أن صورة مقتل (محمد الدرة) التي أثرت بشكل ملحوظ على الرأي العام العالمي كانت لقطة لمصور وكالة الصحافة الفرنسية، وهذا أمر أغضب اليهود، وأغضبهم أكثر أن تكون من مصور وكالة غربية.
وفي المجال الاقتصادي:
مع التسليم بخطورة العولمة الاقتصادية على اقتصاديات الدول الضعيفة، وخطورة فتح الأسواق وتحرير التجارة في هذه الدول والذي سيكون لصالح الشركات الكبرى الغربية إلا أن كثيراً من هذه الدول إذا أحسنت استخدام إمكاناتها وما تتميز فيه من موارد على غيرها من الدول الغربية، ورشدت سياساتها الاقتصادية، وحاربت الفساد المالي والإداري المستشري، فإنه يمكنها أن توظف جانباً من هذه العولمة الاقتصادية لصالحها فمثلاً:
- الانضمام لمنظمة التجارة العالمية يمنع أوروبا من وضع رسم 12% على المستوردات البتروكيمائية من بعض الدول الإسلامية البترولية؛ فمثلاً الإنتاج السعودي من البتروكيمائيات يزيد على 5% من الإنتاج العالمي؛ فكم ستكون الفائدة إذا أزيلت الحواجز الجمركية أمام هذه السلعة المتوفرة لدى الدول المنتجة للنفط ومعظمها دول إسلامية؟
- يتيح انضمام الدول المنتجة للنفط إلى المنظمة الفرصة للضغط بمعاملته باعتباره سلعة صناعية من سلع المنظمة، فتزول الضرائب المفروضة عليه في الدول المستوردة. ففي تقرير لمنظمة الأوبك مؤخراً أظهر أن أكثـر من 70% من سـعر النفط المصدر إلى دول الاتحاد الأوروبي يذهب إلى الخـزائن الحكومية بينما يحصل منتجو النفط على أقل من 30%. كما أوضحت تقارير أخرى أن عائدات أربع دول أوروبية من ضرائب النفط في عام 1998م يفوق عائدات كل دول أوبك من تصدير النفط في ذلك العام. فإذا علمنا أن معظم الدول المنتجة هي دول إسلامية، ومنها السعودية التي يعادل إنتاجها 13% من الإنتاج العالمي يتبين مدى الفائدة المرجوة.
- كذلك فالانضمام إلى المنظمة سيدفع إلى إزالة معوقات كثيرة تقف في وجه التنمية، وإلى تحديث الأنظمة وإلى وجود الشفافية لتصحيح مسارات التنمية، وإلى تحديث الإجراءات القضائية، وتخليص الأنظمة الحمائية التي لا تتمشى مع روح النظام الاقتصادي الإسلامي وتضعف هياكل الإنتاج.
- انفتاح السوق مع ما يجلبه من سلبيات إلا أنه سيدفع إلى التنافس الذي سيحكم طبيعة السوق الحـر المفتوح، وهذا سيدفع إلى تخصيص مؤسسات عامة كثيرة؛ وخاصة قطاع الخدمات الذي يعاني من سـوء في الإدارة وضعف في الإنتاجية في معظم دول العالم الثالث، لتكون أقدر على المنافسة وأوضح للمحاسبة، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى الخدمات وتحسين مستوى المعيشة والرفاهية، وسيخلق بيئة عمل حيوية وفعالية أكثر للمجتمع.
- انفتاح السوق وإزالة العوائق النظامية سيتيح طرح البدائل الإسلامية في الخدمات، كالبنوك الإسلامية التي قيد انتشارها في عدد من البلدان مع نجاح التجربة، بحيث ستجد فرصتها في سوق الخدمات الحر، كذلك بدائل التأمين التعاوني الشرعي في مواجهة التأمين التجاري بصورته الرأسمالية.
- تتيح التقنية الحديثة للاستثمار (التجارة الإلكترونية) لمشاركة عدد من مستثمري دول العالم الثالث عبر القنوات المفتوحة، خاصة إذا استحدثت قنوات آمنة للاستثمار من الناحية الشرعية في أسواق البورصات العالمية، مثل محاولة عدد من المتخصصين في الاقتصاد الإسلامي إيجاد مؤشر إسلامي على «مؤشر داوجونز» باسم Dowjones' Islamic Index.
وفي مجال الإنترنت:
- الإنترنت ثمرة من ثمار التقنية كسرت احتكار الغرب للمعلومات، وأتاحت فرصة الوصول إلى المعلومات في المجالات المختلفة بنفس السرعة المتاحة للغربيين سواء كانت معلومات علمية أو إخبارية. وإذا كانت مقولة أن العصر هو عصر المعلومات، وأن هيمنة الغرب هي بالمعلومات وذلك باستخدامه الفاعل لها؛ فإن هذه الفرصة أصبحت متاحة لغيرهم، فإذا أحسنا استخدام المعلومة، وعرفنا طرق الوصول إليها فسنستطيع أن نقلل الهوة بيننا وبين الغربيين في مجالات عدة.
- كذلك فالإنترنت منبر حـر دون رقيب، وميدان فسيح دون قيود لكل من يحسن استثماره واستغلاله، ويستطيع أي مفكر مسلم أو داعية مسلم أن يطرح ما يريد من خلال صفحات لا حصر لها، ويمكن نشر الإسلام والعلم الشرعي وإتاحته لكل من يطلبه دون عناء. ويمكن أن تصدر صحف ومجلات دورية دون قيد أو شرط. وكمثال على ذلك موقع القوقـاز الذي يغطي أخبـار المجاهدين الشيشان على شـبكة الإنترنت؛ فلقد استطاع أن يحطم حاجز التعتيم الإعلامي عليهم، وأن يضع العالم في صورة ما يحدث هناك بشكل شبه يومي، وشكَّل مصدراً مهماً لأخبار المجاهدين الشيشان لوكالات الأنباء العالمية.
- كذلك نستطيع استخدام هذه الشبكة في مجال الاحتساب العام من خلال توسيع مجاله وتطوير مفهومه ليتلاءم مع الآليات المتطورة. وبذلك نستطيع رفع فعالية المصلحين والمحتسبين على المنكرات العامة الدولية منها والإقليمية.
ومن أمثـلة هذه المحاولات: إصدار وثيقة تستنكر أفعال الصهاينة بالفلسطينيين في بداية الانتفاضة الثانية والتي وقعها مئات العلماء والدعاة والمفكرين والمثقفين في أنحاء العالم عن طريق الإنترنت. كذلك ما تجريه بعض القنوات الفضائية من التصويت على قضية من القضايا وموقف من المواقف الهامة تجاه مستقبل الأمة ومصيرها، وما تطرحه بعض المواقع على هذه الشبكة من حشد التواقيع ضد قضية ظلم تجاه المسلمين وإرسالها إلى الظالمين. وكذلك ما تقوم به المنظمات الإسلامية في أمريكا والمدافعة عن حقوق المسلمين مثل منظمة «كير»CAIR في واشنطن واستخدامها الفعال للإنترنت في الاحتساب على منتهكي حقوق الإسلام والمسلمين. ومن أبرز الأمثلة في هذا الجانب كيفية توظيف معارضي العولمـة أثناء قمة سياتل عام 1999م أدوات العولمة لمواجهتها، حيث نظم المعارضون جهودهم ونسقوها عبر شبكة الإنترنت مما أربك المؤتمر وساعد على هزيمته.
- استثمار تقنيات نقل المحاضرات، مثل تقنية غرفPAL TALK في نظام هذه الشبكة، حيـث تستطيع أن تلقي دروساً وتقدم محاضرات وتجري حوارات وتدفع بردود على الهواء مباشرة بشكل مرئي ومسموع، ويُستمع إليك من كل أنحاء العالم. وإذا علمت أن المشتركين في هذا النظام بلغ حتى الآن خمسة ملايين مشترك ويزيدون باطراد؛ فلك أن تتصور مقدار المصالح التي يمكن أن تتحقق في باب الدعوة ونشر العلم وإزالة الشبهات وترسيخ المنهج. وقد استخدم هذا النظام في نقل بعض دروس الحلقات العلمية الصيفية بالرياض فكان المستمعون لها من كل أنحاء العالم يتابعون دروسها في الوقت نفسه الذي يستمع لها المشاركون في المسجد نفسه، ويطرح البعيدون أسئلتهم كما يطرحها القريبون.
وفي المجال الثقافي والفكري والاجتماعي:
- نستطيع أن نوظف المشاركة في هذا النوع من المؤتمرات واللجان في طرح الرؤى الإسلامية في المجالات الفكرية والثقافية الاجتماعية، ونبين مخاطر قيادة الغرب للعالم في هذه المجـالات، ببيان الآثار في الواقع وأن ذلك ثمرة لحَيْدة البشرية عن مصدر الهدى والرشاد وهو الوحي. كما أن منتديات حوار الحضارات ستكون ميداناً فسيحاً للغزو الفكري المضاد، وسنجد أننا استطعنا القيـام بواجب الدعوة إلى الله والشهادة على الناس من خلال هذه المنتديات والفعاليات. وسـنجد أننا نملك ما لا يملكه الآخر، وأنه أتيحت الفرصة لنا لإبراز جوانب القوة التي نملكها أمام قوة الغـرب المـادية والتقنية. ولعله أن يهتدي من أراد الهدى من خلال الدعوة إلى المنهج الحق وبيان محاسنه ومقارنته بفساد مناهج الآخرين في هذه المجالات.
والملاحظ أنه رغم تأثيرات الإعلام الغربي والأمريكي بالذات في نشر نمط الثقافة والحياة الأمريكية في العالم عبر الفضائيات والأفلام والمجلات والإنترنت فإن الدعوات الدينية والأخلاقية المضادة ما تزال تكسب أنصاراً جدداً في غير مكان من العالم وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهذا يجعلنا نتفق مع تأكيد صاحب كتاب: «توالد العولمة: التحولات والممانعة» بتلازم التحولات العولمية مع ازدياد تحولات الممانعة والمقاومة لها، وأن المنظومات الدينية تعتبر من أكبر المنتفعين من العولمة لا سيما من جهة استثمار وسائل الاتصال الحديثة وتوظيفها لنشر رسالتها الدينية.
- كذلك يستطيع العرب المسلمون أن يحدثوا عولمة للغة العربية خاصة في أوساط المسلمين، وذلك بما يضخونه من مواد علمية وفكرية وشرعية وقرآنية مكتوبة أو مسموعة بحيث يعتاد المسلمون من غير العرب قراءة هذه المواد وسماعها مما ينعش حيوية اللغة العربية؛ خاصة إذا استحضرنا العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والدين الإسلامي. ومن جهة أخرى يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقليل شأن اللهجات المحلية والقطرية لصالح الفصحى.
وخلاصة القول:
هناك فرص أخرى كثيرة يمكن للمتأمل أن يجدها فيما تتيحه المعطيات الجديدة المشكِّلة لبيئة العولمة، ولكن لا نعقلها وندرك كيفية استثمارها إلا بفهم عميق وإدراك ذكي لقوانين هذا العالم وطبيعة هذه العولمة، ومعرفة جوانب القوة وجوانب الضعف في مراكز القوى، وكيف ينشأ القرار العالمي، واستيعاب استخدام التقنية وتعميمها بحيث لا تبقى في محيط النخبة فقط.
يعتبر مصطلح العولمة مصطلحاً جديداً لم يتضح معناه حتى الآن لأن العالم لا يزال يخطو الخطوات الأولى في هذه المرحلة، وما نستطيع أن نقوله عنها هو أنها حركة تاريخية متداخلة أشد التداخل وما زالت في قيد التأسيس، تؤسس لمفاهيم وقناعات تؤدي إلى دمج العالم وتوحيده، اقتصادياً وسياسياً وحضارياً.
نشوء ظاهرة العولمة:
العولمة في الأساس ظهرت كظاهرةٍ اقتصادية، وهي تطور لما سبقها من أنظمة تجلى في دمج بعض قوانين الشيوعية والرأسمالية فظهر ما يسمى بـ"اقتصاد السوق الحر"، ففي الثمانينات ظهر مبدأ في أوربا - وهو مبدأ تحرير التجارة - يقول أن "ما يفرزه السوق صالح وأما ما تتدخل فيه الدولة فهو طالح" وذلك للتهرب من سيطرة الحكومات على السوق، واستحسنت الحكومات الغربية - وفي مقدمتها أمريكا - هذا المبدأ لأنها تريد أن تخفف عن كاهلها عبئ بعض المسؤليات الاقتصادية، فقامت الحكومات بخصخصة مؤسسات القطاع العام وبيعه للقطاع الخاص، وشرَّعت القوانين التي تحمي مبدأ تحرير التجارة مثل قوانين "حرية تنقل رؤوس الأموال، إلغاء الحدود الجمركية، الخصخصة"، وأخذت تعقد الإتفاقيات فيما بينها على أساس مبدأ حرية التجارة مثل "اتفاقية توحيد التعرفة الجمركية (الجات)"، وأسست المنظمات لحماية حرية التجارة مثل "البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية"، وعقدت المنتديات للتباحث في مبادئ حرية التجارة العالمية، وبما أن اقتصاد الدول الغربية مرتبط باقتصاد بقية دول العالم فقد جذبت الدول الغربية كثيراً من دول العالم للدخول في هذه الإتفاقات والمنتديات وحثتها على سن القوانين التي تسهل حرية اقتصاد السوق، وبما أن دول العالم ترى في الدول الغربية المثل الاقتصادي الأعلى الذي تطمح في الوصول إلى مستواه فقد شرعت في عمل كل ما تظن أنه يوصلها إلى ذلك المستوى، وبذلك أصبح مبدأ حرية التجارة مبدأً عالمياً.
أدوات العولمة:
الشركات المتعددة الجنسيات:
تعتبر الشركات المتعددة الجنسيات هي الأداة الرئيسية للعولمة، وهي شركات أغلبها غربية وبالتحديد أمريكية، وهذه الشركات تتكون من عدة فروعٍ تتوزع في أنحاء المعمورة، والشركة الواحدة تنتج منتجات متنوعة تبدأ من أقل شيئ يحتاجه الإنسان إلى أكبر شيئ تحتاجه الدول، وتتسم هذه الشركات بعدم تمركز الإنتاج في مكان واحد وبالتالي فهي تسوق إنتاجها في جميع أنحاء العالم، فتجدها تستخرج المادة الخام من بلد معين وتحوله إلى مادة وسيطة في بلد آخر ثم تنتجه على شكل مادة نهائية في بلد ثالث، ولهذه الشركات رؤوس أموال ضخمة تعتمد عليها لتقوم بهذه العمليات، وتستطيع هذه الشركات تحريك رؤس أموالها في أنحاء العالم بحرية بفضل قوانين حرية التجارة العالمية، وبما أن هذه الشركات تسعى للربح أولاً وأخيراً فإنها تضع كل مصانعها وخطوط إنتاجها في الدول النامية الفقيرة حيث توجد سوق العمالة الرخيصة بينما البلدان المتقدمة التي أسست فيها هذه الشركات تعاني من نسبة بطالة مرتفعة، وتستطيع هذه الشركات أن تسحب استثماراتها من بلدٍ نامٍ إلى آخر فيفقد بذلك الآلاف من العمال وظائفهم فيغرق ذلك البلد في البطالة والفقر!!! وهذه الشركات حالياً تقوم بعمليات اندماج ضخمة تتأسس علىإثرها شركات أكبر وأكبر وتسيطر على الأسواق والبشر فماذا يمنعها فكل شيئ معبدٌ أمامها!!
الثورة المعلوماتية:
جائت الثورة المعلوماتية كتطور نتج عن الثورة الصناعية التي كانت قبلها، وقد ساهمت هذه الثورة متمثلةً في "الإنترنت" في إعطاء حركة العولمة دفعة قوية ساهمت في إنتشارها وذلك بسبب سرعة الإتصالات وسهولتها، وسرعة الحصول على المعلومة وتوفرها، فمثلاً يستطيع من بالشرق أن يكلم من في الغرب في دقائق محدودة ويراه، لينطبق القول القائل أن العالم قد أصبح قرية كونية صغيرة!! فقد تجد في الإنترنت آلاف الدوريات والمجلات والكتب والمواقع الثقافية والتعليمية والمواقع التابعة للمؤسسات والشركات والمنظمات والحكومات والأفراد في تجمعٍ أقل ما يقال عنه أنه رهيبٌ عجيب، إلا أن خبراء الإنترنت يقولون أن تكنولوجيا الإنترنت لا تزال في طور الطفولة، وأنها لم تحقق أكثر من خمسة في المائة تقريباً من الإمكانيات الكامنة فيها.
·ملاحظة: تعتبر بعض المنتجات والمؤسسات الأمريكية رموزاً للعولمة، مثل: البيبسي كولا والكوكاكولا وسلسة مطاعم ماكدونالد وكنتاكي وملابس الجينز.
المجالات التي تؤثر فيها العولمة:
·تؤثر العولمة في كل مجالات الحياة تقريباً لكننا سنتناول أبرزها:
السياسـة:
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى استفراد أمريكا بالشأن السياسي العالمي بدون وجود منافس يعيد التوازن، فأخذت أمريكا في الدفاع عن مصالحها بدون أن تقيم وزناً لأي دولة فقامت بتهميش دور الأمم المتحدة، فإذا أصدرت أمريكا قراراً فإنه ينفذ حالاً، بينما يُتجاهل قرار الأمم المتحدة إذا كان يتعارض مع مصالح أمريكا، فتبدوا أمريكا بذلك كالحاكم الديكتاتوري المتظاهر بالديموقراطية، فهي تشهر سلاح العقوبات لمن يقف أمام مصالحها، وتكافيئ من يسعى لإرضائها من الدول الطامعة في تكرمها عليهم ببعض ما عندها من رفاهية اقتصادية وتقدم علمي. وهذه السياسة خطيرة جداً فهي ستؤدي إلى الكثير من الحروب العنيفة والدموية في المستقبل، بل أدت بالفعل إلى ذلك.
الاقتصــاد:
كما أسلفنا سابقاً فإن العولمة نشأت أساساً كحركة اقتصادية ولذلك فإن من البديهي أن يكون التأثير الأكبر قد وقع على الإقتصاد، فقد برزت تكتلات تجارية عالمية كبري (الشركات المتعددة الجنسيات)، ونمت قوى اقتصادية صناعية جديدة بسرعة مثل النمور الآسيوية وسقطت بسرعة وذلك بسبب بعض قوانين العولمة، كما أن تطور تكنولوجيا المعلومات ساهم في ظهور نوع جديد من التجارة يسمى بالتجارة الألكترونية - عن طريق الإنترنت - غير من أساليب التجارة التقليدية، وهذا المجال آخذ في النمو وله مستقبل واعد في ظل انتشار الثورة المعلوماتية.
العلـــم:
صاحب ظهور العولمة ثورة علمية في جميع المجالات أعطت العولمة مظهرها المميز، كما صاحب ذلك ظهور علوم جديدة مثل علم الهندسة الوراثية الذي كان السبب في ظهور الإستنساخ - وإن كان فيها ما يستفز الأخلاقيات الإنسانية السائدة -، وعلوم الحاسوب التي في كل يوم تتطور وتدهشنا بتقنياتها وتطبيقاتها، وعلوم الفضاء التي استطاعت أن تكتشف الكون وتسبر أغواره وتتيح للإنسان السباحة فيه والتنقل بين الكواكب، كما وساهمت هذه العلوم في تطوير أجيال من الأقمار الصناعية سهلت الإتصالات وساهمت في إعطاء الإعلام قوة كبيرة في عصر العولمة، كل هذه العلوم وغيرها من العلوم أعطت العولمة زخماً دفعها لتأخذ لقب العالمية من النواحي الأخرى غير الإقتصادية.
المجتمـع:
يبدو أن ما حصل من حرية في الاقتصاد ومن تطور تكنولوجي في العلم قد أثر سلباً على العمال فقد يصبح خمس سكان العالم (20%) كافين لإنتاج جميع السلع التي يحتاجها العالم، بينما الـ(80%) الباقين سيعيشون على البر والإحسان والأعمال الخيرية، أو قد يثورون لتحسين أوضاعهم مما قد يتسبب في ظهور ثورات جياع في المستقبل، وخاصة في ظل انحسار سلطة الدولة لصالح شركات الخصخصة وانخفاض الإنفاق الحكومي على الأجور والمساعدات الإجتماعية، وقد يزيد من تأثير ذلك مشكلة الإنفجار السكاني وازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء التي تزداد تفاقماً كل يوم. كما أثرت حرية الاقتصاد والتطور التكنولوجي في الحرية الشخصية التي تلاشت فأصبح الفرد مكشوفاً، فعبارة (إملأ البيانات التالية) تواجه الإنسان في كل مكان فيتبرع بمعلوماته ليحصل على مصالحه، أو يلاحق صحفياً من الجهات المعنية إذا كان الشخص مشهوراً، لكن هذه المعلومات قد تشكل تهديداً لهذا الشخص وخصوصاً في ظل ازدياد الجرائم، ولذلك فقد نشطت في الآونة الأخيرة الحركات المطالبة بحقوق الإنسان والحريات المدنية. ويبدو أنه حتى البيئة لم تسلم من تأثيرات الصناعة وحرية التجارة، فبسبب سعي الشركات إلى الربح بدون وضع البيئة في الحسبان انتشر التلوث في أماكن عدة من العالم.
·إحصائية: 358 ملياردير يملكون ثروة تساوي ما يملكه 5ر2 مليار إنسان.
الثقافــة:
ساهمت حقب الإستعمار للدول النامية والتفوق الإقتصادي والعلمي والمعرفي للدول الغربية وظهور الكمبيوتر والإنترنت وثورة الإعلام والإتصالات اللاسلكية في فرض اللغات الغربية وخصوصاً اللغة الإنجليزية كلغات ثانوية في بعض البلدان النامية، بل وكلغات أولى في بلدان أخرى، ولايخفى أن انتشار لغة في مجتمع ما يؤدي إلى انتشار ثقافتها وثقافة أهلها، وهذا ما أدى إلى ظهور ثقافة عالمية عابرة للقوميات والجنسيات تسعى لتدمير التقاليد والعادات الموروثة في المجتمعات وتهمش بقية الثقافات في العالم، حتى وإن كانت هذه الثقافة تتعارض مع الثقافة المحلية، ولكن هذه الثقافة تعتمد على استيراد العلم والتكنولوجيا ولا تنتجه وتتفاعل معه محليا، وبما أن ما يحرك ثقافة العولمة هو الإقتصاد ويدفعها التقدم التكنولوجي فقد سيطرت الثقافة الإستهلاكية على العالم في ظل تدفق السلع والمنتجات، كما أن وجود أمريكا كنموذج أحادي أدى إلى أمركة العالم ثقافيا وكذلك في نواح عديدة أشرنا إلى بعضها آنفا، وكتنظير لتأثير العولمة على الحضارات يقول صموئيل هنتجتون صاحب كتاب صراع الحضارات أن هناك صراعا سينشأ بين الحضارات الثلاث الكنفوشيسية والمسيحية والإسلامية، وهذا كلام مردود عليه إذ أن كل حضارة تستفيد من الحضارات التي سبقتها فالحضارة اليونانية استفادت من الحضارة الفرعونية والحضارة الأوربية استفادت من الحضارة الإسلامية وهكذا.
·لكن السؤال الذي يبرز هنا هو، هل في إمكان الثقافة العربية أو الثقافة الإسلامية الصمود في وجه الثقافة الكونية وكيف؟
·إن االثقافة العربية بصفتها ثقافة قومية غير قادرة على مواجهة ثقافة العولمة، ولكن الثقافية الإسلامية بصفتها ثقافة إنسانية شمولية قادرة على مواجهة هذه الثقافة، ولكن المسألة هنا كيف يتم ذلك؟، فالمثقفون في العالم العربي انقسموا حول هذه النقطة فمنهم من انغلق على ذاته ورفض التعامل مع الثقافة الكونية لا من قريب ولامن بعيد ولجأ إلى التراث والتاريخ وتجاهل ما يحدث في العالم وهذه الطريقة فشلت لأن الثقافة الكونية لها قدرة هائلة على اختراق المجتمعات، أما القسم الثاني فقد انغمس في هذه الثقافة وتشرب منها كل خصائصها وبذلك فإنه يكون قد استسلم لها ولم يجابهها، أما القسم الثالث فقد استفاد من الجوانب الإيجابية للعولمة وتجنب جوانبها السلبية، وهذا ما يحثنا عليه الدين الإسلامي حيال مثل هذه المواقف، وإن كانت الجوانب السلبية ستؤثر علينا وبالخصوص الجانب السياسي والإقتصادي لأنه ليس في أيدينا، إلا أنه لكي نجني إيجابيات العولمة ونتجنب سلبياتها لا بد من مواجهة نكون نحن الأقوى فيها، ولن يتأتى ذلك إلا بتعميق معرفة الثقافة الإسلامية والتمسك بها.
شكرا لك المشررررررررفة الكريمة وشكرررررررررا لكم جميعا
تعليق