

جلس كعادته صباحاً فوق الأريكة التّي تتوسّط الحديقة الواسعة فى منزله
و أخذ يُطالع الصّحف و خاصة تلك التّي تهتم بشؤون البورصة والاستثمار
و أمامه حاسوبه الخاصّ به ؛ يتابع من خلاله تأرجح أسعار الذّهب في البورصات العالميّة
و هو يحسب كم سيأتيه اليوم من مال ،
و كم سيستثمر ،
و كم سيخسر
كلّ هذا يفعله فى تعصّب و شد أعصاب ليس لهما مثيل !
و كان والده يجلس على الأريكة المقابلة له ؛ يتابع ما يفعله ابنه بإزدراءٍ شديد
والابن لا يعير أباه أيّ اهتمام !
و فى غمرة هذا كلّه ..
إذ بالوالد ينادي ولده
و يقول له : ما هذا يا بني ؟
فنظر الابن إلى الشيء الذي يشير إليه اصبع والده ، وقال : عصفور .
ثم عاد ليتابع ما كان فيه .
و ما لبث أن عاد الأبّ يسأل : ما هذا يا بني ؟
فقام الابن بالنظر مرّة أخرى قائلاً : عصفور يا أبي عصفور ؛ ألا تعلم شكل العصفور ؟!
ثمّ عاد ليُتابع ما كان فيه باهتمام أكبر .
و بعد فترة وجيزة عاد الأبّ ليسأل : ما هذا يا بني ؟
فقام الابن بالنّظر مرةً ثالثة قائلاً بصوت مُرتفع جداً ممتلئاً بالغيظ و الازدراء :
ماذا حدث لك هذا اليوم ؟..
ألا تراني مُتابعا لأعمالي و أموالي ؟
ألا ترى العصفور ؟!
ألا تعلم شكله وأنت رجل كبير تعدّى عمرك الستين عاماً ؟!
لقد قلت لك مراراً و تكراراً إنّه عصفور .. عصفور .. عصفور !
و هنا تألّم الأبّ كثيراً ، وذرفت عيناه دمعات القهر والعتاب
ثمّ قام من فوق أريكته دون أن يهمس بأيّ كلمة
فرمقه ابنه بنظرةٍ سريعةٍ مشوّحاً بيديه بمعنى :
اذهب عني الآن فأنا لا أطيق جلستك .
فصعد الأبّ إلى الدّور العلويّ من المنزل ، ثم ما لبث أن عاد
و لكنّه لم يعد حينها وحده ؛ بل أتى يحمل معه دفتراً قديماً
ثمّ فتح صفحةً معيّنة منه ، ووضعها أمام ابنه ليقرأها ، وتركه و ذهب
فرمقه الابن بنظرة سريعة ، ثمّ نظر إلى الصّفحة المعيّنة في الدّفتر ليقرأها ؛ فصدم بما فيها !
التاريخ : الإثنين 19 مارس 1969
المكان : الحديقة الكبيرة بمنزلي
الموضوع : اليوم قد بلغ ابني من العمر ثلاث سنوات ،
و كم يسعدنى أنّي أراه يجري و يمرح خلف الطيور التي تمتلئ بها الحديقة
و كم يسعدنى أكثر و يثير بهجتي أنّه قد بدأ يتعلّم الكلام
فينطق لسانه بالحروف التي تجعلني ألمس نجوم السماء من فرحتي ؛ حين يقول لي أبي و حين يقول لأمه أمي .
و اليوم حدث شئ غريب
حين أخذ ولدي يجرى خلف عصفور في الحديقة
و كلّما رأى ابني عصفوراً سألني :
أبي ؛ ما هذا يا أبي ؟
فأردّ عليه : إنّه عصفور يا بُني .
ثمّ يطير العصفور و يأتي آخر
فيكرّر ابني سؤاله : أبي ما هذا يا أبي ؟ ..
فأردّ عليه : إنّه عصفور يا بني .
و كلّما أتى عصفور يسألني ابنى عمّا يكون هذا ،
فأجيبه و أنا في شدّة الفرح و السّعادة كلّما يسألني
و لقد سألني في هذا اليوم أكثر من أربعمائة مرّة !!
و أنا فى كلّ مرّة أجيبه فَرِحاً سعيداً به و بنطقه و بسؤاله لي .
و استمر هذا الموقف منذ جلسنا في الحديقة من السّاعة التاسعة صباحاً وحتّى الرابعة والنصف عصراً
حيث ذهبنا إلى الطابق العلويّ لنستعد للاحتفال بإتمام عامه الثّالث وسط الأهل و الأحباب .
و هنا اغرورقت عينا الابن الكبير بالدّموع و ذهب إلى أبيه يحتضنه و يتأسّف له
فما كان من الأبّ إلا أن قام هو الآخر بمعانقة ابنه بأحضان الأبوّة .
اسألى نفسك الآن :
كم مرّة تحاورتِ مع أبيك أو أمك بأسلوبٍ غير مهذب ؟
ناسيةً قول الله عزّ وجل : { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } الإسراء23
كم مرّة تناسيتهما و لم تقومي بزيارتهما إلا في المناسبات فقط ؟!
كم مرّة بخلتِ عليهما بوقتك و مالك و عطفك و حنانك ، و خاصةً فى كِبرِهما وهما فى أشد الحاجة إليكِ ؟
كم مرّة تناسيتِ أنّك وأنتِ فى قمّة ضعفك و أنتِ طفلة صغيرةً ليس لك يدٌ تبطش و لا سنٌّ تقطع ؛
قد تكفّلا هما بإطعامكِ وإلباسكِ والعطف والحنّو عليكِ .
عليكِ أن تتذكري كلّ ما قدماه إليكِ و تضعينه في كفّة ميزانك
ثم تضعي في الكفّة الأخرى ما قدمتينه أنتِ لهما.
فأي المكيالين سيرجح عن الآخر؟؟؟
قومي الآن أختي
بزيارة أبيكِ و أمكِ
و إن لم تستطيعي لوجودكِ في العمل ؛ فيكفيكِ الاتصال بهما وقولي لهما
أنكِ تحبيهما حبّاً كبييييراً
و أنكِ تعلمين فضلهما عليكِ
و أنكِ إن قضيتِ عمركِ كلّه تحت أرجلهما وفي خدمتهما لن توفيهما أجرهما أبداً .
قولي الآن :
ربِّ قد أنعمت عليّ بوالدين كانا هما السّبب في وجودي في هذه الحياة
اللهم أكرمهما ..
اللهم اجعلهما فى أعلى عليين ..
مع الأنبياء و الشهداء والصالحين
اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرا
و اجعلني بارّةً بهما أبداً ما حييت
اللهم أجرهما من عذاب القبر
ومن فتنة القبر
ومن عذاب جهنم ..
اللهم كما ربياني و علماني فاجعلهما من عتقائك من النّيران .
اللهم آمين .. آمين .. آمين
















تعليق