~ رسالةٌ إلى كُلِّ أُسرة : [ فِقـه التعامُلِ بين الزوجين وقبساتٌ مِن بيتِ النبـوة ] ~

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بسمـة
    بصمة عطاء
    • Sep 2010
    • 2049

    #16

    لا يَفـرُكُ مُؤمـنٌ مُؤمنـة


    ولا ينبغي لمؤمنٍ أن يفرك مؤمنةً فإنه إن كره منها خُلُقا رضي منها آخر (1) ، والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ النساء/19 . فيندر جدًّا أن تجتمع خصال الخير في امرأة ، وقـد قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( إنما الناسُ كإبل مائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة )) (2) . فلا تكاد تجد رجلاً شجاعًا مِغوارًا مِقدامًا , كريمًا سخيًا عالمًا محسنًا متصدقًا , كاظمًا للغيظ عافٍ عن الناس , صبورًا يقوم الليل ويصوم النهار واصلاً للأرحام بارًّا بوالدية .. , نادرًا ما تجد خصال الخير تجتمع في رجل - كالإبل في المائة - واحد تجده صبورًا على الجوع والعطش , مُريحًا في المشي هادئ الطبع لبنه كثير .. نادرًا ما تجد في الإبل كهذا ، فإذا كان هذا هو الشأن , الشأن في الناس أنهم كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ، فالنساء اللواتي خُلِقنَ من ضلع من باب أولى ألَّا تجتمع فيهن خصال الخير ، فقد تكون المرأة جميلة حسناء ولكنها بذيئة اللسان ، وقد تكون جميلة حسناء لسانها طيب وقولها حلو جميل , لكنها مُبذِّرة في الإنفاق ومتوسعة فيه وغير مقتصدة في معيشتها , وقد تكون مقتصدةً في معيشتها لكن لا تجيد الطهي والخبيز (3) ، وقد تكون جملية حسنة الخلق حسنة التبعُّل متقنة لعمل البيت لكنها شديدة الغيرة , وقد يكون فيها ما ذُكر من جمال وبهاء وحسن تبعل وإتقانٍ للعمل إلَّا أنها ضعيفة في العبادة .. إلى غير ذلك .

    الشاهد أنَّ المرأة بها عوج كما قال النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - كالضلع وكالعود ، عودُ في آخره عوج تريد أن تُقَوِّمَه وتعدله ، فإذا ذهبت تُقوِّمه كُسر منك ، وإن تركته بقي أعوج ، فكذلك المرأة إن ذهبت تُقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ، وإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج .
    فلا بد أن يكون في المرأة عيب وعوج ، وكما قال النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فدارها تعش بها )) (4) .

    لا نقول لك : اتركها بعيوبها ، ولكن قوِّمها برفقٍ ولين قدر الاستطاعة , وسدِّد وقارب ، ولن تستطيع أن تصل إلى التمام ؛ لقول النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عوج )) (5) .

    فليكن منك هذا الحديث على بال ، والله المستعان ، وعليه صلاح الأحوال ، ولا حول وقوة إلا بالله .


    ______________________________

    (1) أخرج مسلم - رحمه الله - (3/ 657) من حديث أبي هريرة - رضيَ اللهُ عنه - قال : قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خلقًا رَضِيَ منها آخر - أو قال غيره )) .
    وقوله لا يفرك : أي لا يُبغض ، والذي صوَّبه النووي في معنى هذا الحديث : أنه لا ينبغي أن يبغضها ؛ لأنه إن وجد فيها خُلُقًا يُكره وجد فيها خلقًا مرضيًا , بأن تكون شرسة الخلق لكنها ديَّنة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك ، والله أعلم .

    (2) أخرجه البخاري (6498) ، ومسلم (2547) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا .

    (3) وأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين العاقلة الرشيدة تقول عن نفسها : ولم أكن أحسن الخبيز . انظر البخاري (9/ 319) ، ومسلم (5/ 26) وزينب بنت جحش أم المؤمنين كانت عابدة متصدقة جميلة لكن تعتريها حدةٌ أحيانًا .
    وأُمُّنا عائشة - رضي الله عنها - كانت غيورًا مع فضلها وعملها رضي الله عنها .

    (4) تقدم الكلام عليه .

    (5) تقدم الكلام عليه .

    تعليق

    • بسمـة
      بصمة عطاء
      • Sep 2010
      • 2049

      #17

      مُغاضباتٌ في البيوتِ وتعـوُّذٌ مِن الشيطان

      قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ الأعراف/201 . وأغلبُ البيوت لا تخلوا من مُغاضباتٍ بين أهلها ، حتى بيوت أهل الفضل والصلاح ، ولكن أهل الفضل والصلاح لا يتركوا الأمورَ تسيرُ على ما يُحبُّه الشيطان ويهواه ، بل يتعوذون بالله من الشيطان ، ويستدركون أمورَهم ، ويجمعون شملهم ، ويُصلحون ما بينهم ، ويُبطلون كيد الشيطان .

      • فهذا الصديق أبو بكر - رضي اللهُ عنه - لمَّا أرسل الأضيافَ إلى بيته مع عبد الرحمن ولده ، ورفض الأضيافُ أن يأكلوا حتى يأتي أبوبكر ، فيأتي أبو بكر ويراهم قد تأخروا عن الطعام ، فماذا صنع الصِّديقُ الكريم ؟!! يغضبُ على أهل بيته وأضيافِه ، يَسبُّ ويجدِّع ويقسم أن لا يأكل ، ويبلغ به الأمر إلى حد أن يقول للأضياف : كلوا لا هنيئًا ، فيُقسِمُ الأضيافُ أن لا يأكلوا حتى يأكل ، وتُقسِمُ زوجتُه هي الأخرى أنَّها لا تطعمه حتى يطعمه ، وفي وسط هذا الغضب الشديد والانفعال الزائد يتذكَّرُ هذا الصديقُ الكريمُ أنَّ هذا مِن الشيطان ، فينزع عن غضبه ، فيُسَمِّي الله ، ويُقبِلُ على الطعام ، ويُقبِلُ أضيافُه على الطعام ، فيُبارِكُ اللهُ - عز وجل - في الطعام .

      فانظر إلى الصديق كيف رجع عمَّا هو فيه من غضبٍ وانفعال لَمَّا عَلِمَ أنَّ هذا الذي جرى وحدث إنما هو من الشيطان ، وها هو الحديث بذلك : أخرج البخاريُّ ومُسلم (1) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما : أنَّ أصحابَ الصُّفَّةِ كانوا ناسًا فقراء ، وإن رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال مرة : (( مَن كان عنده طعامُ اثنين ، فليذهب بثلاثة ، ومَن كان عنده طعامُ أربعة ، فليذهب بخامس ، بسادس )) ، أو كما قال : وإنَّ أبا بكرٍ جاء بثلاثة ، وانطلق نبي الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بعشرة ، وأبو بكرٍ بثلاثة ، قال : فهو وأنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال : وامرأتي وخادمٌ بين بيتنا وبيت أبي بكر - قال : وإنَّ أبا بكرٍ تعشَّى عند النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، ثم لبث حتى صُليتُ العِشاء ، ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله ، قالت له امرأتُه : ما حَبِسَكَ عن أضيافك ، أو قالت : ضيفُك ؟ قال : أو ما عشَّيتهم ؟ قالت : أَبَوْا حتى تَجيء . قد عرضوا عليهم فغلبوهم ، قال : فذهبتُ أنا فاختبأتُ ، وقال : يا غنثر (2) ! فجدع وسَبَّ ، وقال : كُلوا لا هنيئًا ، وقال : واللهِ لا أطعمُه أبدًا . قال : فأيمُ اللهِ ما كُنَّا نأخذُ مِن لُقمةٍ إلَّا ربا من أسفلها أكثر منها ، قال : حتى شبعنا وصارت أكثرَ مِمَّا كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكرٍ فإذا هي كما هي أو أكثر ، قال لامرأته : يا أختَ بني فراس , ما هذا ؟ قالت : لا ، وقرة عيني , لهِيَ الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار . قال : فأكل منها أبو بكر ، وقال : إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه - ثم أكل منها لُقمة ، ثم حملها إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فأصبحت عنده ، قال : وكان بيننا بين قومٍ عقد ، فمضى الأجل ، فعرفنا اثنا عشر رجلاً ، مع كل رجلٍ منهم أناس - اللهُ أعلمُ كم مع كل رجل - إلَّا أنَّه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون ، أو كما قال .

      وفي روايةٍ أخرى لمسلم (3) : عن عبد الرحمن بن أبي بكرٍ قال : نزل علينا أضيافٌ لنا ، قال : وكان أبي يتحدث إلى رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من الليل , قال : فانطلق وقال : يا عبد الرحمن , افرغ من أضيافك (4) . قال : فلمَّا أمسيتُ جئنا بقراهم (5) . قال : فأَبَوْا ، فقالوا : حتى يجيء أبو منزلنا (6) ، فيَطعم معنا ، قال : فقلتُ لهم : إنه رجلٌ حديد (7) ، وإنكم إن لم تفعلوا خِفتُ أن يُصيبني منه أذى ، قال : فأَبَوْا ، فلمَّا جاء لم يبدأ بشيءٍ أول منهم ، فقال : أفرغتم من أضيافكم ؟ قال : قالوا : لا ، واللهِ ما فرغنا ، قال : ألم آمُر عبدالرحمن ؟ قال : وتنحَّيتُ عنه ، فقال : يا عبد الرحمن , قال : فتنحَّيتُ، قال : فقال : يا غنثر , أقسمتُ عليكَ إن كنتَ تسمعُ صوتي إلَّا جئت ، قال : فجئتُ ، فقلتُ : واللهِ مالي ذنب ، هؤلاء أضيافُكَ فسَلهم ، قد أتيتُهم بقراهم فأَبَوْا أن يَطعموا حتى تجيء ، قال : فقال : ما لكم ألَّا تقبلوا عنَّا قراكم ؟ قال : فقال أبوبكر : فواللهِ لا أطعمُه الليلة ، قال : فقالوا : فواللهِ لا نطعمُه حتى تطعمَه ، قال : فما رأيتُ كالشَّرِّ كالليلةِ قط ، ويلكم ! ما لكم أن لا تقبلوا عنَّا قراكم ؟ قال : ثم قال : أما الأُولى فمِن الشيطان (8) ، هَلُمُّوا قراكم ، قال : فجيء بالطعام فسَمَّى فأكل وأكلوا ، قال : فلمَّا أصبح غدا على النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال : يا رسولَ الله , بروا (9) وحنثتُ ، قال : فأخبره ، فقال : (( بل أنتَ أبرهم وأخيرهم )) .

      وليس في بيت أبي بكر فحسب ، فهذا رسولنا محمد النبي الكريم - عليه أفضل الصلاة وأتم تسليم - قد آلى مِن نسائه شهرًا ، واعتزلهن في مشربة له .

      وأخرج البخاري في ((صحيحه)) (10) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - اللتين قال الله تعالى : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ التحريم/4 ، حتى حج وحججتُ ، وعدل وعدلتُ معه بإداوة ، فتبرَّزَ ، ثم جاء فسكبتُ على يديه منها فتوضأ ، فقلتُ له : يا أميرَ المؤمنين , مَن المرأتان من أزواج النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - اللتان قال الله تعالى : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ التحريم/4 ؟ قال : واعجبًا لكَ يا ابن عباس ! هما عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديثَ يسوقه ، قال : كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة ، وكنا نتناوبُ النزولَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فينزلُ يومًا وأنزلُ يومًا ، فإذا نزلتُ جئتُه بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره ، وإذا نزلَ فعل مثل ذلك ، وكُنَّا معشر قريش نغلبُ النساء ، فلمَّا قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبُهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، فصخبت عليَّ امرأتي فراجعتني ، فأنكرتُ أن تراجعني ، قالت : ولِمَ تُنكر أن أراجعك ؟ فواللهِ إنَّ أزواج النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ليُراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل ، فأفزعني ذلك ، فقلتُ لها : قد خاب مَن فعل ذلك منهُنّ ، ثم جمعتُ عليَّ ثيابي فنزلتُ فدخلتُ على حفصة ، فقلتُ لها -أي : حفصة - : أتغاضِبُ إحداكُنَّ النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - اليومَ حتى الليل ؟ قالت : نعم ، فقلتُ : قد خبتِ وخَسرتِ ، أفتأمنين أن يغضب اللهُ لغضب رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فتهلكي ؟ لا تستكثري النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ولا تُراجعيه في شيء ، ولا تهجريه ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحبَّ إلى النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يُريدُ عائشة - قال عمر : وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزوَنا ، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته ، فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال : أَثَمَّ هو ؟ ففزعتُ فخرجتُ إليه ، فقال : قد حدث اليوم أمرٌ عظيم ، قلتُ : ما هو ؟ أجاء غسَّان ؟ قال : لا ، بل أعظم من ذلك وأهول ، طلَّق النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - نساءه - قال عبيد بن حنين : سمع ابن عباس عن عمر قال : فقال : اعتزل النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أزوجه - فقلتُ : خابت حفصة وخسرت ، وقد كنتُ أظن هذا يوشك أن يكون ، فجمعتُ عليَّ ثيابي فصلَّيتُ الفجر مع النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فدخل النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - مشربة له فاعتزل فيها ، ودخلتُ على حفصة ، فإذا هي تبكي ، فقلتُ : ما يُبكيكِ ؟ ألم أكن حذَّرتُكِ هذا ؟ أطلقكن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ قالت : لا أدري ، ها هو ذا معتزلٌ في المشربة ، فخرجتُ فجئت إلى المنبر ، فإذا حوله رَهطٌ يبكي بعضُهم ، فجلستُ معهم قليلاً ، ثم غلبني ما أجد ، فجئتُ المشربة التي فيها النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقلتُ لغلامٍ له أسود استئذِن لعمر، فدخل الغلام ، فكلم النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، ثم رجع ، فقال : كلمتُ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وذكرتك له فصمت ، فانصرف حتى جلستُ مع الرهط الذين عند المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فجئتُ فقلتُ للغلام : استئذِن لعمر ، فدخل ثم رجع فقال : قد ذكرتُكَ له فصمت , فرجعتُ فجلستُ مع الرهط الذين عند المنبر , ثم غلبني ما أجد , فجئتُ الغلام فقلتُ : استئذن لعمر , فدخل ثم رجع إليَّ فقال : قد ذكرتُك له فصمت ، فلمَّا وليتُ منصرفًا، قال : إذا الغلام يدعوني ، فقال : قد أذن لك النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فدخلتُ على رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فإذا هو مضطجع على رمال الحصير ليس بينه وبينه فراش قد أثَّر الرمالُ بجنبه ، متكئًا على وسادةٍ من أدم حشوها ليف ، فسلمتُ عليه ، ثم قلتُ وأنا قائم : يا رسولَ الله ، أطلَّقت نساءك ؟ فرفع إليَّ بصره فقال : (( لا )) فقلتُ : الله أكبر ، ثم قلتُ وأنا قائم أستأنس : يا رسول الله , لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فابتسم النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، ثم قلت : يا رسول الله , لو رأيتني ودخلت على حفصة ، فقلت لها : لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يريد عائشة - فابتسم النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - تبسمة أخرى , فجلست حين رأيته تبسم ، فرفعت بصري في بيته ، فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة ، فقلت : يا رسول الله , ادعُ الله فليُوسِّع على أمتك ، فإن فارس والروم قد وُسِّعَ عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله ، فجلس النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وكان متكئًا فقال : (( أَوَ في هذا أنت يا ابن الخطاب ؟ إن أولئك قوم قد عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا )) . فقلت : يا رسول الله استغفر لي ، فاعتزل النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعًا وعشرين ليلة ، وكان قال : (( ما أنا بداخل عليهن شهرًا )) من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله -عز وجل - فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها ، فقالت له عائشة : يا رسول الله , إنك قد أقسمت ألَّا تدخل علينا شهرًا ، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أَعُدها عدًّا ، فقال : (( الشهر تسع وعشرون ليلة )) . فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة ، قالت عائشة : ثم أنزل الله تعالى آية التخيير ، فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترتُه ، ثم خيَّر نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة .

      • وهذا عليُّ - رضي اللهُ عنه - أمير المؤمنين رجل يُحب الله ورسولَه ويحبه الله ورسوله (11) يُغاضب إحدى سيدات نساء أهل الحنة وهي زوجته السيدة فاطمة بنت رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ورضي الله عنها ، ويخرج من البيت بعد مغاضبته لها ويذهب إلى المسجد ينام فيه .

      أخرج البخاري (12) من حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي اللهُ عنه - قال : إن كانت أحب أسماء عليًّ - رضي اللهُ عنه - إليه لأبو تراب ، وإن كان ليفرح أن يُدعى بها ، وما سمَّاه أبا تراب إلا النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، غاضَبَ يومًا فاطمة ، فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد ، فجاءه النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يتبعه فقال : هو ذا مضطجع في الجدار , فجاءه النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وامتلأ ظهره ترابًا ، فجعل النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يمسح التراب عن ظهره ويقول : (( اجلس يا أبا التراب )) .

      • فإذا دبت مشكلةٌ بين زوجٍ وزوجه فعليهما أن يتداركا أمرهما ويتعوذا بالله من الشيطان الرجيم , ويُصلحا ذات بينهما ويُغلقا عليهما الأبواب ، ويسدلا عليهما الحجاب ، فإذا غضب الزوج أو انفعلت الزوجة تعوذا بالله وذهبا فتوضَّآ وصلَّيا ركعتين ، وإن كان أحدهما قائمًا فليجلس ، وإن كان جالسًا فليضطجع ، أو ليقبل أحدهما على الآخر ويعانقه ويعتذر إليه إذا كان مخطئًا في حقه ، وليعفو وليصفح لوجه الله ، ويحضرني في هذا المقام قصة حدثت لفاطمة بنت عتبة ابن ربيعة مع زوجها عقيل بن أبي طالب وقد أخرجها ابن سعد في (( الطبقات )) (13) بإسنادٍ صحيح عن ابن أبي مليكة (14) قال : تزوَّجَ عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، وكانت كبيرة المال فقالت : أتزوج بك على أن تضمن لي (15) وأنفق عليك ، قال : فتزوجها ، فكان إذا دخل عليها قالت : أين عتبة بن ربيعة ؟ أين شيبة ابن ربيعة ؟ قال : فدخل يومًا وهو بَرم ، فقالت : أين عتبة بن ربيعة ؟ أين شيبة بن ربيعة ؟ قال : على يسارك إذا دخلت النار ، قال: فشدت عليها ثيابها وقالت : لا يجمع رأسي ورأسك شيء ، فأتت عثمان فبعث معاوية وابن عباس ، فقال ابن عباس : والله لأفرقن بينهما ، وقال معاوية : ما كنت لأفرقن بين شيخين من بني عبد مناف ، قال : فأتيا وقد شدَّا عليها أثوابهما فأصلحا أمرهما .

      قلتُ : فانظر كيف أصلحا ذات بينهما لمَّا دبت بينهما المشكلة ، ولم يحتاجا إلى الحكمين وأغلقا عليهما بابهما ، فهي امرأة يعتريها ما يعتري النساء من الافتخار بجمال أبيها وعمها ( ففي بعض الروايات أنها كانت تقول : أين الذين رقابهم كأباريق الفضة ... ) وهو رجل يحتمل مقالتها يومًا بعد يوم ، ثم يأتي يوم وهو مرهق متعب ضجر فتقول له : أين عتبة بن ربيعة ؟ فيقول لها مقالته : عن يسارك في النار ، فتلبس ملابسها وتتجه إلى أمير المؤمنين عثمان رضيَ اللهُ عنه ، فيُرسل الحكمين ، فلا يصل الحكمان إلى بيت فاطمة وعقيل إلا وقد اصطلحت فاطمة مع عقيل وأغلقا عليهما الأبواب ، فلله الحمد .

      وكذلك فليكن أهل الفضل والصلاح ، إذا أخطاء أحدهم فليكن سريع الفيئة سريع الأوبة سريع التوبة ، وكان الله للأوابين غفورًا .


      ______________________________

      (1) أخرجه البخاري حديث (6140، 6141) ، ومسلم (2057) ، واللفظ لمسلم .

      (2) هو الثقيل الوخيم ، وقيل : هو الجاهل ، وقيل هو السفيه .

      (3) (ص1628، 1629) .

      (4) أي : عشِّهم وقم بحقهم .

      (5) القرى هو ما يصنع للضيف من مأكول ومشروب .

      (6) أبو منزلنا أي : صاحبه .

      (7) رجل حديد أي : فيه قوة وصلابة ويغضب لانتهاك الحرمات والتقصير في حق الضيف .

      (8) يعني : اليمين .

      (9) أي : بروا في أيمانهم وحنثت .

      (10) رواه البخاري حديث (5191) ، ومسلم حديث (1111) .

      (11) أخرج ذلك البخاري (3702) ، ومسلم (2407) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، وله طرق أخرى عن رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حاصلها : أن النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال يوم خبير : (( لأعطين هذه الراية رجلاً يُحب الله ورسوله ، ويُحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه .. )) فأعطاها عاليًّا .

      (12) البخاري (6204) .

      (13) ابن سعد في ((الطبقات)) (8/ 189) .

      (14) وفي سماع ابن أبي مليكة من عثمان نظر .

      (15) أي: لا تتزوج عليَّ، وأقوم أنا بالإنفاق عليك .

      تعليق

      • بسمـة
        بصمة عطاء
        • Sep 2010
        • 2049

        #18

        حُسنُ مُعاشرةٍ مع حُسنِ عِبادة

        وكان النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حَسن المعاشرة لطيفًا في المداعبة مع أهله ، وفي الوقت نفسه يحثهن على طاعة الله - عز وجل - والإكثار من العبادة .

        • فمن صور تلطفه ومداعبته مع أهله ما أخرجه البخاري ومسلم (1) في (( صحيحيهما )) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان الحبشُ يلعبون ، فسترني رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وأنا أنظر ، فما زلتُ أنظرُ حتى كنتُ أنا أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو .

        وفي روايةٍ أن النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال لها : (( يا حُميراء , أتُحبين أن تنظري إليهم ؟ )) قالت : نعم (2) .

        ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد (3) بسندٍ صحيح عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت : خرجتُ مع النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ، ولم أبدن ، فقال للناس : (( تقدَّموا )) ، فتقدَّموا ، ثم قال لي : (( تعالي حتى أسابقك )) ، فسابقتُه فسبقتُه ، فسكت عنِّي حتى إذا حملتُ اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره ، فقال للناس : (( تقدَّموا )) ، فتقدَّموا ، ثم قال : (( تعالي حتى أسابقك )) ، فسابقتُه فسبقني ، فجعل يضحكُ وهو يقول : (( هذه بتلك )) .

        ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم (4) من حديث أنس - رَضِيض اللهُ عنه - قال : أتى النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على بعض نسائه ومعهنّ أم سُليم ، فقال : (( ويحكَ يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير )) .

        • وتأتيه زوجتُه وهو معتكف ، فيجلسُ معها يُحَدِّثُها في مُعتكفه ساعة ، ثم يقومُ معها يردها إلى قريبٍ من بيتها (5) .

        ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم (6) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : كنتُ ألعبُ بالبنات عند النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - إذا دخل ينقمعن منه فيُسربهن إليَّ ، فيلعبن معي .

        فها هي أم المؤمنين عائشة وقد تزوجها رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهي بنت ست سنين ، وبنى بها وهي بنت تسع سنين ، ومكث معها تسع سنين تلعب مع زميلاتها وصويحباتها بالبنات ( وهي الصور التي كانت تُصنع من العِهن أو من القطن على هيئة بنات ) فيدخلُ النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فتختفي صويحباتُها فيرسلهنّ رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - إلى عائشة - رضي الله عنها - يلعبن معها ، فأيُّ حِلمٍ بعد هذا مع الزوجة !!!

        ويَحبس (7) النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ( أي : يُؤخِّرُ الجيش ) للبحث عن قلادة أسماء التي فُقدت من عائشة - رضي الله تعالى عنها - في السفر (8) .

        وفي (( صحيح البخاري )) (9) أن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - سُئلت : ما كان النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يصنع في بيته ؟ قالت : كان يكونُ في مِهنة أهله - تعني : خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاةُ خرج إلى الصلاة .

        • وروى أبو دواد (10) بإسنادٍ حسنٍ لغيره من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال : سمعتُ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يقول : (( ... ليس من اللهو إلَّا ثلاث : تأديب الرجل فرسه ، وملاعبته أهله ، ورميه بقوسه ونبله )) .

        وقد حث رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على مُلاعبة الأهل ومُداعبتها ، فأخرج البخاري في (( صحيحه )) ، ومسلم (11) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال له : (( ... أتزوجت ؟ )) قلت : نعم ، قال : (( أبكرًا أم ثيبًا ؟ )) قال : قلتُ بل ثيبًا ، قال : (( فهلَّا بِكرًا تُلاعبها وتُلاعبُك ؟ )) قال : فلمَّا قدمنا ذهبنا لندخل فقال : (( أمهِلوا حتى تدخلوا ليلاً - أي : عشاءً - لكي تمتشط الشعثة وتستحد المُغيبة )) .

        ويدعوه رجل إلى وليمة فيشترط (12) على الرجل أن يصطحب أهله معه ، فقد أخرج مسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - أن جارًا لرسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فارسيًّا كان طيب المرق ، فصنع لرسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ثم جاء يدعوه فقال : (( وهذه ؟ )) لعائشة . فقال : لا ، فقال رسول الله : (( لا )) , فعاد يدعوه فقال رسول الله : (( وهذه ؟ )) قال : لا ، قال رسول الله : (( لا )) , ثم عاد يدعوه فقال رسول الله : (( وهذه ؟ )) قال : نعم في المرة الثالثة فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله (13) .

        ويجلسُ عليه الصلاة والسلام مستمعًا إلى أم المؤمنين عائشة وهي تقص عليه حديث النسوة اللاتي جلسن وتعاقدن على أن لا يكتمن من خبر أزواجهن شيئًا ألا وهو حديث أم زرع ، وهو حديثٌ طويلٌ ، ومع ذلك لا يمل رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من عائشة وهي تَقُصُّه عليه ، والحديث قد أخرجه البخاري ومسلم (14) من حديث أم المؤمنين عائشة ، ونسوقه لِمَا فيه من الفوائد ، قالت رضي الله عنها : ( جلس إحدى عشرة امرأةً فتعاهدن أن لا يكتُمن من أخبار أزواجهن شيئًا .
        قالت الأولى : زوجي لحمُ جملٍ غَثٍّ (15) على رأس جَبَلٍ (16) لا سهلٍ (17) فيُرتقى (18) ولا سمين (19) فيُنتقل (20) .
        قالت الثانية : زوجي لا أبثُّ خَبَرَه (21) إني أخاف أن لا أَذَره (22) إن أذكره أذكر عُجره (23) وبُجَرَه(24) .
        قالت الثالثة : زوجي العشنَّق (25) إن أنطق أُطلَّق وإن أسكت أُعلَّق (26) .
        قالت الرابعة : زوجي كليل تهامةَ (27) لا حَرُّ ولا قَرُّ ولا مخافة ولا سآمة (28) .
        قالت الخامسة : زوجي إن دخل فَهد (29) وإن خرج أَسدَ (30) ، ولا يَسألُ عما عَهد (31) .
        قالت السادسة : زوجي إن أكل لَفَّ (32) وإن شرب اشتفَّ (33) ، وإن اضطجع التفَّ (34) ولا يُولِجُ الكفَّ ليعلم البث (35) .
        قالت السابعة : زوجي غَيَاياء (36) - أو عَيَاياء (37) - طباقاء (38) كلُّ داءٍ له داء ، شَجَّك (39) أو فَلَّك (40) أو جمع كُلاًّ لك .
        قالت الثامنة : زوجي المسُّ مسُّ أرنب (41) والريح ريح زرنب (42) .
        وقالت التاسعة : زوجي رفيعُ العماد (43) طويل النّجاد (44) عظيم الرَّماد (45) قريب البيت من الناد (46) .
        قالت العاشرة : زوجي مالك (47) وما مالك ؟ مالكٌ خيرٌ من ذلك (48) ، له إبل كثيرات المبارك قليلاتُ المسارح (49) وإذا سمعن صوتَ المزْهر (50) أيقنَّ أنهن هوالك .
        قالت الحادية عشرة : زوجي أَبو زرع ، فما أبو زرع ؟ أناس (51) من حُليٍّ أذنيَّ ، وملأ من شحمٍ عضُديَّ (52) وبجَّحني فَبَجحَت (53) إليَّ نفسي ، وجدني في أهل غُنيمةٍ بشقٍّ (54) فجعلني في أهل صَهيلٍ (55) وأطيطٍ (56) ، ودائسٍ (57) وَمُنقٍ (58) ، فعنده أقولُ فلا أقبَّح (59) وأَرقُد فأتصبَّح (60) وأشرب فأتقنَّح (61) .
        أم أبي زرع ، فما أم أبي زرع ؟ عكومها (62) رَدَاح (63) وبيتها فساح .
        ابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع ؟ مضجعه كمسلِّ شطبةٍ (64) ويشبعه ذراع الجفرة (65) .
        بنت أبي زرع ، فما بنت أبي زرع ؟ طوعُ أبيها وطوع أمها وملء كسائها (66) وغيظُ جارتها (67) .
        جارية أبي زرع ، فما جارية أبي زرع ؟ لا تَبُثُ (68) حديثنا تبثيثًا ، ولا تُنَقِّث (69) ميراثنا تَنقيثًا (70) ، ولا تملأ بيتنا تعشيشًا (71) . قالت : خرج أبو زرع والأوطابُ تمخض (72) فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين (73) يلعبان من تحت خاصرتها برمانتين (74) فطلَّقني ونكحها ، فنكحتُ بعده رجلاً سريًا (75) ركب شريًا (76) وأخذ خطيًا (77) وأراح (78) عليَّ نعمًا ثريًّا (79) وأعطاني من كل رائحة (80) زوجًا وقال : كُلي أمَّ زرع ومِيرِي (81) أهلكِ ، قالت : فلو جمعتُ كل شيءٍ أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع (82) ، قالت عائشة : قال رسول الله : (( كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأُم زرع )) )
        (83) .

        • وأوصى الله - سبحانه وتعالى - بإحسان المعاشرة فقال سبحانه : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ النساء/19 .

        قال ابن كثير – رحمه الله - عند تفسير هذه الآية ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ النساء/19 ؛ أي : طيِّبوا أقوالكم لهُنَّ ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ البقرة/228 . وقال رسول الله : (( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) (84) ، وكان من أخلاقه - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أنه جميل العشرة ، دائم البِشر ، يُداعِبُ أهلَه ويتلطف بهم ، ويُوسعهم نفقة ، ويُضاحك نساءه ، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - يتودد إليها بذلك ، قالت : سابقني رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فسابقتُه وذلك قبل أن أحمل اللحم ، ثم سابقتُه بعد ما حملت اللحم فسبقني فقال : (( هذه بتلك )) و... إلى آخر ما ذكره – رحمه الله - (( التفسير )) (1/467) .

        ______________________________

        (1) أخرجه البخاري حديث (5190) ، ومسلم ( في طرق حديث 892 ) .

        (2) عزاها الحافظ في ((الفتح)) (2/ 444) إلى النسائي ، وصحح إسنادها .

        (3) أحمد في ((المسند)) حديث (6/ 264) .

        (4) البخاري (10/ 538، مع الفتح) ، ومسلم (5/ 177) .
        شبَّه الرسولُ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - النساءَ بالقوارير ، وأمر أنجشة أن يتلطف في إنشاده وهو يحدو للإبل ؛ فإن الإبل إذا سمعت صوت الحادي أسرعت ، فخشي على النساء من سُرعتها .

        (5) أخرج البخاري حديث (2035) ، ومسلم (1712) من حديث صفية بنت حيي - رضي الله عنها - أم المؤمنين أنها جاءت إلى رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - تزوره في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب ، فقام النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - معها يقلبها .. الحديث .

        (6) أخرجه البخاري ( مع ((الفتح)) (10/ 526)، ومسلم ( مع النووي 5/ 295) .

        (7) ومحل هذا إذا لم يكن فيه مشقة على عموم المسلمين .

        (8) أخرج البخاري (334) ، ومسلم (367) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : خرجنا مع رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي فأقام رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على التماسه وأقام معه الناس وليسوا على ماء ... الحديث .

        (9) أخرجه البخاري (مع ((الفتح)) 2/ 162) .

        (10) أخرجه أبودواد (2513) وللحديث شواهد ذكرتها في كتابي ((جامع أحكام النساء)) (أبواب الأدب..) .

        (11) أخرجه البخاري حديث (5247) ، ومسلم حديث (715) من عدة وجوه .

        (12) وليس هذا في كل الأحوال .

        (13) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (2037) .

        (14) أخرجه البخاري (5189) ، ومسلم حديث (2448) .

        (15) الغث : الهزيل النحيف الضعيف .

        (16) في روايةٍ : على رأس جبل وعر .

        (17) أي : الجبل ليس بسهل ، والمعنى : أن صعوده شاق لوعورته .

        (18) يُرتقى أي : يُصعد عليه .

        (19) المراد : اللحم .

        (20) يُنتقل أي : يتحول .
        والمعنى الإجمالي لقولها - والله أعلم - أنها شبَّهت زوجها بلحم الجمل الضعيف الهزيل ، وهذا اللحم رغم أنه لحم جمل ضعيف هزيل فهو موضوع على قمة جبل وعرٍ يصعب الصعود إليه ، فالجبل ليس بسهلٍ للارتقاء واللحم ليس بسمين يستحق مكابدة المشاق .
        وتنزيل هذا على الزوج كالتالي : أنها تذم زوجها فتقول : إن لحمه كلحم الإبل ليس كلحم الضأن الطيب , والمعنى : أنها لا تستمتع بزوجها ذلك الاستمتاع المطلوب ، فهو رجل ضعيف لحمه غير جيد، وكأنها تصف مضاجعته لها ، تعني : أنني إذا استمتعت منه بشيءٍ فكأني آكل لحم الجمل الهزيل ، وهو مع هذه الحالة من الهزال والضعيف خُلقه سيئ , فلا أحد يعرف كيف يتكلم معه ولا كيف يتخاطب معه ولا يصل إليه لسوء خلقه ، وحتى إذا وصلت إليه بعد مكابدتي المشاق فماذا عَساي أن أحصل منه ، إنني بعد هذا الجهد للوصول إليه لا أجد شيئًا يستحق أن آخذه وأنتقل به وأستمتع به ، والله أعلم .

        (21) أبث معناها : أنشر .

        (22) أذره : أتركه ، والمعنى : أترك خبره .

        (23 ، 24) عُجره وبُجره : العُجر هي العروق والأعصاب التي تنتفخ وتظهر في الوجه والجسد عند الغضب أو عند الكبر ، والبُجر مثلها إلا أنها مختصة بالبطن .
        والمعنى الإجمالي- والله أعلم - أن المرأة تشير إلى أن زوجها مليء بالعيوب ، فهي تقول : إنني إذا تكلمتُ فيه ونشرت أخباره أخشى أن أستمر في الحديث ولا أنتهي ؛ لكثرة ما فيه من شرور وانفعالات ، و ماذا أتذكر من زوجي إن تذكرت منه شيئًا ؟ فالذي أتذكره هو العُقد الموجودة في وجهه وانتفاخ أوداجه والنتوء الظاهرة في عروق البطن والجسد ، هذا الذي أذكره منه .
        ومن العلماء مَن قال : إن معنى قولها : " إني أخافُ أن لا أذره " أي : أخافُ أن لا أتحمل مفارقته ؛ فإنه إذا بلغه أنني تكلمتُ فيه طلَّقني ، فأخشى من مفارقته لوجود أولادي وعلاقتي به ، والأول أولى ، والله أعلم .

        (25) العَشنَّق : هو الطويل المذموم الطول ، وقيل : هو سيء الخُلق ، وقيل : هو النجيب الذي يملك أمر نفسه ولا تتحكم فيه النساء ، وقيل : عكس ذلك أنه الأهوج الذي لا يستقر على حال .

        (26) أما قولها : إن أنطق أُطلق وإن أسكت أعلق : فمعناه- والله أعلم - إذا تكلمت عنده وراجعته في أمرٍ طلَّقني ، وإن سكَتُّ على حالي لم يلتفت إليَّ وتركني كالمعلقة التي لا زوج لها ولا هي أيم ، فلا زوج عندها ينتفع به ولا هي أيم تبحث عن زوج لها ، والله أعلم .

        (27) قولها : كليل تهامة ، أما تهامة فبلاد تهامة المعروفة ، والليل في هذه البلاد معتدل والجو فيها طيب لطيف ، فهي تصف زوجها بأنه لين الجانب هادئ الطبع رجل لطيف .

        (28) مخافة من الخوف : والسآمة من قوله : سأم الرجل أي ملَّ وتعب ، والمعنى : أنني أعيش مع زوجي آمنة مطمئنة مرتاحة البال لست خائفة ولا أملُّ من معيشته معي ، وحالي عنده كحال أهل تهامة وهم يستمتعون بلذة ليلهم المعتدل وجو بلادهم اللطيف .

        (29) فَهِد بفتح الفاء وكسره الهاء وفتح الدال من الفَهْد المعروف ، أي فيه من خصال الفهد .

        (30) أَسِد بفتح الألف وكسر السين وفتح الدال من الأسد ، أي : فيه من خصال الأسد .

        (31) هذا الوصف الذي وصفت به المرأة زوجها محتمل احتمالين : إما المدح وإما الذم .
        أما المدح فله وجوه أحدها : أنها تصف زوجها بأنه فهد ؛ لكثرة وثوبه عليها وجماعه لها فهي محبوبة عنده لا يصبر إذا رآها ، أما هو في الناس إذا خرج فشجاع كالأسد .
        وقولها : لا يسأل عما عَهِد أي : أنه يأتينا بأشياء من طعام وشراب ولباس ولا يسأل أين ذهبت هذه ولا تلك .
        والوجه الثاني : للمدح أنه إذا دخل البيت كان كالفهد في غفلته عما في البيت من هلل وعدم مؤاخذته لها على القصور الذي في بيتها ، وإذا خرج في الناس فهو شجاع مغوار كالأسد، ولا يسأل عما عهد ، أنه يسامحها في المعاشرة على ما يبدو منها من تقصير .
        أما الذم فهي تصف زوجها بأنه إذا دخل كان كالفهد في عدم مداعبته لها قبل المواقعة ، وأيضًا سيء الخلق يبطش بها ويضربها ولا يسأل عنها ، فإذا خرج من عندها وهي مريضة ثم رجع لا يسأل ولا عن أحوالها ولا عن أولاده ، والله أعلم .

        (32) أي : مر على جميع ألوان الطعام التي على السفرة فأكل منها جميعًا .

        (33) اشتف أي : شرب الماء عن آخره .

        (34) أي : التف في اللحاف والفراش وحده بعيدًا عني .

        (35) لا يدخل يده إلى جسدي ويرى ما أنا عليه من حال وأحزان ، فهي تصف زوجها بما يُذم به الرجل وهو كثرة الأكل والشرب وقلة الجماع ، والله أعلم .

        (37 , 36) الغياياء : هو الأحمق ، والعياياء ( من العي ) الذي لا يستطيع جماع النساء .

        (38) طباقاء بلغ الغاية في الحمق .

        (39) شجك أي : إذا كلمتيه شجك والشج هو الجرح في الرأس .

        (40) والفلول هي الجروح في الجسد، والمعنى : إذا راجعتُه في شيءٍ ضربني على رأسي فكسرها أو على جسدي فأدماه أو جمعهما معًا ، أي : جمع لي الضرب على الرأس ( الذي هو الشج ) مع جراح الجسد ( الفلول ) ، والله أعلم .

        (41) قولها : المس مس أرنب ، أي : أن زوجها إذا مسته وجدت بدنه ناعمًا كوبر الأرنب ، وقيل : كنَّت بذلك عن حسن خلقه ولين عريكته بأنه طيب العرق ؛ لكثرة نظافته واستعماله الطيب تظرفًا .
        وفي رواية : أنا أغلبه والناس يغلب .

        (42) الزرنب : نبت له ريح طيب ، فهي تصف زوجها بحسن التجمل والتطيب لها ، والله أعلم .

        (43) رفيع العماد تعني : أن بيته مرتفع كبيوت السادة والأشراف حتى يقصده الأضياف .

        (44) طويل النجاد : النجاد هو حمالة السف ، كجراب السيف تصفه بالجرأة والشجاعة .

        (45) المراد بالرماد رماد الحطب الذي نشأ عن إيقاد النار في الخشب والحطب , وكونه عظيم الرماد يدل على أنه كريم يكثر الأضياف من المجيء إليه فيكثر من الذبح والطهي لهم فيكثر الرماد لذلك ، وهو أيضًا كريم في أهله .

        (46) قريب البيت من الناد أي : من النادي ، فالناس يذهبون إليه في مسائلهم ومشاكلهم ، فالمعنى : أنها تصفه بالسيادة والكرم وحسن الخلق وطيب المعاشرة ، والله أعلم .

        (47) زوجها اسمه مالك .

        (48) أي : خيرُ من المذكورين جميعًا .

        (49) أي : أن مِن الإبل مَن يسرح ليرعى ، وكثير منها يبقي بجواره ؛ استعدادًا لإكرام الضيف بذبحها .

        (50) المزهر آلة كالعود- على ما قاله بعض العلماء - يُضرب به لاستقبال الأضياف والترحيب بهم .
        والمعنى : أن الإبل إذا سمعت صوت المزهر علمن أن هناك أضيافًا قد وصلوا ، فإذا وصل الأضياف أيقنت الإبل أنها ستذبح ، والله أعلم .

        (51) أَنَاسَ من النوس وهو الحركة ، والمعنى : حرك أذني بالحلي ، والمعنى أيضًا : أكثر في أذني من الحلي حتى تدلى منها واضطرب وسمع له صوت .

        (52) أي : أن عضديها امتلأت شحمًا .

        (53) بجَّحني أي : عظَّمني وجعلني أتبجح فعظمت إليَّ نفسي وتبجَّحت .

        (54) بشق قيل : هو مكان وقيل : شق جبل ، والمعنى : وجدني عندما جاء يتزوجني أعيش أنا وأهلي في فقرٍ وفي غُنيمات قليلة نرعاها بشق الجبل .

        (55) أي : صهيل الخيول .

        (56) أطيط أي : إبل ، أي : أنها أصبحت في رفاهية بعد أن كانت في ضنك من العيش .

        (57) الدائس هو ما يُداس ، وهي القمح الذي يدلس عليه ليخرج منه الحبُ ويفصل عنه التبن كما يفعل الآن في بعض بلاد الريف يرمون القمح في طريق السيارت كي تدوسه فتفصل بين الحب والتبن ، وكان الدائس في زمان السلف هي الدواب .

        (58) المنق هو الذي له نقيق ، قال بعض العلماء : هو الدجاج .
        والمعنى : أنها أصبحت في ثروة واسعة من الخيل والإبل والزرع والطيور وغير ذلك .

        (59) أي : لا يقبح قولي ولا يرده بل أنا مدللة عنده .

        (60) أي: أنام إلى الصباح لا يوقظني أحد لعمل بل هناك الخدم الذين يعملون لي الأعمال فلا يقول لي : قومي جهزي طعام ولا اعلفي دابة ولا هيئي المركب بل هناك من الخدم مَن يكفيني ذلك .

        (61) أتقنح أي : أشرب حتى أرتوي ، وقيل : أشرب على مهل ؛ لأني لا أخشى أن ينتهي اللبن فهو موجود دائمًا .

        (62) العكوم : هي الأعدال والأحمال التي توضع فيها الأمتعة .

        (63) رداح أي : واسعة عظيمة .
        والمعنى : أنها وصفت والدة زوجها بأنها كثيرة الآلآت والأثاث والمتاع والقماش ، وبيتها متسع كبير ومالها كثير تعيش في خير كثير وعيش رغيد وفير .

        (64) الشطبة : هي سعف الجريد الذي يشق فيؤخذ منه قضبان رقاق تنسج منه الحصر ، والمسل : هي العود الذي سُلَّ ( أي : سُحب ) من هذه الحصيرة . تعني : أن المضجع الذي ينام فيه الولد صغير ، قدر عود الحصير الذي يسحب من الحصيرة ، أي : أن الولد لا يشغل حيزًا كبيرًا في البيت .
        أما الحافظ ابن حجر - رحمه الله - فقال ((فتح الباري)) (9/ 179) : ويظهر لي أنها وصفته بأنه خفيف الوطأة عليها ؛ لأن زوج الأب غالبًا يستثقل ولده من غيرها فكان هذا يخفف عنها ، فإذا دخل بيتها فاتفق أنه قال فيه : ( أي : نام فيه ) مثلاً لم يضجع إلا قدر ما يسل السيف من غمده ثم يستيقظ ؛ مبالغة في التخفيف عنها .

        (65) الجفرة هي : الأنثى من الماعز التي لها أربعة أشهر .
        وتعني : أن الولد ليس بكثير الطعام ولا الشراب .

        (66) أي : أن جسمها ممتلئ أتاها الله بسطة فيه .

        (67) قيل : جارتها ضرتها ، وقيل : جارتها على الحقيقة .

        (68) لا تبث أي : لا تنشر ولا تُظهر .

        (69) أي : لا تخوننا فيه ولا تسرق منه .

        (70) وفي رواية : ميرتنا ، والمعني بها الطعام .

        (71) أي: أنها نظيفة وتنظف البيت فلا تترك البيت قذرًا دنسًا مليئًا بالخرق ومليئًا بما لا فائدة فيه .
        ومعنى آخر : أنها لا تدخل على بيتنًا شيئًا من الحرام وأيضًا لا تترك الطعام يفسد .

        (72) الأوطاب : هي قدور اللبن وأوعيته ، وتمخض أي : تُخض كي يستخرج منها الزبد والسمن .
        ومِن أهل العلم مَن قال : إنه خرج من عندها وهي تمخض اللبن فكانت متعبة فاستلقت فرآها متعبة فكأنه زهد فيها .

        (73) أي : أنه سُرَّ بالولدين وأُعجب بهما ، ومِن ثمَّ أحب أن يرزق منها بالولد .

        (74) ذكر بعض أهل العلم أن معناه : أن إليتيها عظيمتين ، فإذا استلقت على ظهرها ارتفع جسمها الذي يلي إليتيها من ناحية ظهرها عن الأرض حتى لو جاء الطفلان يرميان الرمانة من تحت ظهارها وذلك من عظم إليتيها .
        • وقول آخر : أن الطفلين يلعبان وهما مجاورين لها ، ومنهم من حمل الرمانتين على ثدييها ، ودلل بذلك على صغر سنها أي أن ثديها لم يتدل من الكبر .

        (75) سريًا أي : من سراة الناس وهم كبراؤهم في حسن الصورة والهيئة .

        (76) شريًا أي : فرسًا جيدًا خيارًا فائقًا يمضي في سيره بلا فتور .

        (77) هو الرمح الخطي أي : الذي يجلب من موضع يقال له : الخط ، وهو موضع بنواحي البحرين كانت تجلب منه الرماح .

        (78) أراح أي : أتى بها إلى المراح وهو موضع الماشية ، أو رجع إليَّ ( عند رواحه ) .

        (79) الثري : هو المال الكثير من الإبل وغيرها .

        (80) في رواية ( ذابحة ) ، المعنى : أعطاني من كل شيءٍ يذهب ويروح صنفين ، فمثلاً الإبل والغنم والبقر والعبيد وغيرها تروح فكل شيء يروح ( أو كل شيء يذبح ) أعطاني منه بدلاً من الواحد اثنين أو أعطاني منه صنفًا .

        (81) الميرة: هي الطعام ، ومنه قول إخوة يوسف عليه السلام : ( وَنَمْيرُ أَهْلَنَا ) يوسف/65 ، أي : نجلب لهم الميرة ، والمراد أنه قال لها : صِليهم وأوسعي عليهم بالميرة .
        فهذه المرأة وصفت زوجها بالسيادة والشجاعة والفضل والجود والكرم , فهو رجل يركب أفضل الفرسان ، ويخرج غازيًا معه سهمٌ جيد من أجود السهام, فيرجع منتصرًا غانمًا الغنيمة فيُدخل عليَّ من كل نوع مما يُذبح زوجًا ولا يضيق عليَّ في الإهداء وصلة أهلي ، بل يقول : كُلي يا أم زرع وصِلي أهلك وأكرميهم .

        (82) مِن العلماء مَن قال : إن الذي يجمعه هذا الزوج من الغزوة إذا قُسم على الأيام حتى تأتي الغزو الثانية كان نصيب كل يومٍ من الأيام لا يملأ أصغر إناء من آنية أبي زرع .

        (83) هذا هو القدر المرفوع من حديث رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وها هي بعض الفوائد المتعلقة بحديث أم زرع ذكرها الحافظ ابن حجر – رحمه الله - فقال : وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم : حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس والمحادثة بالأمور المباحة ما لم يُفضِ ذلك إلى ما يمنع ، وفيه المزح أيضًا ، وبسط النفس به ومداعبة أهله وإعلامه بمحبته لها , ما لم يُؤدِ ذلك إلى مفسدة تترتب على ذلك من تجنيها عليه وإعراضها عنه , وفيه منع الفخر بالمال وبيان جواز ذكر الفضل بأمور الدين ، وإخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم وتذكيرهم بذلك لا سيما عند وجود ما طُبعن عليه من كفر الإحسان , وفيه ذكر المرأة إحسان زوجها ، وفيه إكرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها بما يخصها به من قول أو فعل ، ومحله عند السلام من الميل المفضي إلى الجور ، وقد تقدم في أبواب الهبة جواز تخصيص بعض الزوجات بالتحف واللطف إذا استوفى للأخرى حقها , وفيه جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها , وفيه الحديث عن الأمم الخالية وضرب الأمثال بهم اعتبارًا ، وجواز الانبساط بذكر طرف الأخبار ومستطابات النوادر تنشيطًا للنفوس , وفيه حض النساء على الوفاء لبعولتهن وقصر الطرف عليهم والشكر لجميلهم ، ووصف المرأة زوجها بما تعرف من حسن وسوء ، وجواز المبالغة في الأوصاف ، ومحله إذا لم يصر ذلك ديدنًا ؛ لأنه يفضي إلى خرم المروءة , وفيه تفسير ما يجمله المخبر من الخبر إما بالسؤال عنه وإما ابتداء من تلقاء نفسه ، وفيه إن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز إذا قصد التنفير عن ذلك الفعل ولا يكون ذلك غيبة ، أشار إلى ذلك الخطابي ، وتعقبه أبو عبدا لله التميمي شيخ عياض بأن الاستدلال بذلك إنما يتم أن لو كان النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - سمع المرأة تغتاب زوجها فأقرها، وأما الحكاية عمن ليس بحاضر فليس كذلك وإنما هو نظير مَن قال : في الناس شخصٌ يُسيء ، ولعل هذا هو الذي أراده الخطابي فلا تعقب عليه ، وقال المازري قال بعضهم : ذكر بعض هؤلاء النسوة أزواجهن بما يكرهون ولم يكن ذلك غيبة ؛ لكونهم لا يُعرفون بأعيانهم وأسمائهم ، قال المازري : وإنما يحتاج إلى هذا الاعتذار لو كان مَن تحدث عنده بهذا الحديث سمع كلامهن في اغتياب أزواجهن فأقرهن على ذلك ، فأما والواقع خلاف ذلك وهو أن عائشة حكت قصة عن نساء مجهولات غائبات فلا ، ولو أن امرأةً وصفت زوجها بما يكرهه لكان غيبة محرمة على مَن يقوله ويسمعه ، إلَّا إن كانت في مقام الشكوى منه عند الحاكم ، وهذا في حق المُعين فأما المجهول الذي لا يُعرف فلا حرج في سماع الكلام فيه ؛ لأنه لا يتأذى إلَّا إذا عرف أن مَن ذكر عنده يعرفه ، ثم إن هؤلاء الرجال مجهولون لا تُعرف أسماؤهم ولا أعيانهم فضلاً عن أسمائهم , ولم يثبت للنسوة إسلام حتى يجري عليهن الغيبة فبطل الاستدلال به لما ذكر ، وفيه تقوية لمَن كره نكاح مَن كان له زوج ؛ لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام زوجها الثاني لها بقدر طاقته ، ومع ذلك فحقرته وصغرته بالنسبة إلى الزوج الأول ، وفيه أن الحب يَستر الإساءة ؛ لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها لم يمنعها ذلك من المبالغة في وصفه إلى أن بلغت حد الإفراط والغلو . وقد وقع في بعض طرقه إشارة إلى أن أبا زرع ندم على طلاقها ، وقال في ذلك شعرًا ، ففي رواية عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عن عائشة أنها حدثت عن النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عن أبي زرع وأم زرع وذكرت شعر أبي زرع على أم زرع , وفيه جواز وصف النساء ومحاسنهن للرجل ، لكن محله إذا كن مجهولات ، والذي يمنع من ذلك وصف المرأة المعينة بحضرة الرجل أو أن يذكر من وصفها ما لا يجوز للرجال تعمد النظر إليه وفيه أن التشبيه لا يستلزم مساواة المشبه بالمشبه به من كل جهة لقوله : (( كنت لك كأبي زرع )) والمراد ما بينَّه بقوله في رواية الهيثم في الألفة إلى آخره لا في جميع ما وصف به أبو زرع من الثروة الزائدة والابن والخادم وغير ذلك وما لم يذكر من أمور الدين كلها , وفيه أن كناية الطلاق لا توقعه إلا مع مصاحبة النية ؛ فإنه - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - تشبه بأبي زرع وأبو زرع قد طلق فلم يستلزم ذلك وقوع الطلاق ؛ لكونه لم يقصد إليه , وفيه جواز التأسي بأهل الفضل من كل أمة ؛ لأن أم زرع أخبرت عن أبي زرع بجميل عشرته فامتثله النبي ثلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، كذا قال المهلب واعترضه عياض فأجاد ، وهو أنه ليس في السياق ما يقتضي أنه تأسى به بل فيه أنه أخبر أن حاله معها مثل حال أم زرع ، نعم ما استنبطه صحيح باعتبار أن الخبر إذا سيق وظهر من الشارع تقريره مع الاستحسان له جاز التأسي به .

        (84) صحيح ، وسيأتي .

        تعليق

        • بسمـة
          بصمة عطاء
          • Sep 2010
          • 2049

          #19

          ( ساعـةٌ وساعـة )

          فحُسن المُعاشرة مطلوب ، والترفيه عن الأهل بين الحين والآخر مطلوب .

          وفي (( صحيح مسلم )) (1) من حديث حنظلة الأسيدي – رَضِيَ اللهُ عنه - وكان من كُتَّاب رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قال : لقيني أبو بكر فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ قال : قلتُ : نافق حنظلة ، قال : سبحان الله ما تقول ؟! قال : قلتُ : نكونُ عند رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يُذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأي عينٍ فإذا خرجنا من عند رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عافسنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيعات فنسينا كثيرًا ، قال أبو بكر : فواللهِ إنَّا لنلقى مثل هذا ، فانطلقتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قلتُ : نافق حنظلة يا رسول الله ، فقال رسول الله : (( وما ذاك ؟ )) قلتُ : يا رسول الله نكون عندك تُذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنَّا رأي عين , فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواجَ والأولادَ والضيعات نسينا كثيرًا ، فقال رسول الله : (( والذي نفسي بيده إن لم تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر لصافحتكم الملائكة على فُرشكم وفي طرقكم , ولكن يا حنظلة ساعة وساعة )) ثلاث مرات .

          وفي (( صحيح البخاري )) (2) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما – قال : كُنَّا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؛ هيبة أن ينزل فينا شيء فلما تُوفي رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - تكلَّمنا وانبسطنا .



          ( حثٌّ على العبادة )

          ومع هذه المعاشرة الطيبة والخُلُق الحسن لا يتوانى ولا يفتر رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عن نُصح نسائه وأهل بيته وحثهنَّ على العبادة وعلى فعل الخير والبر , فبهذا أمره رَبُّه سبحانه وتعالى ، قال سبحانه : ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ طه/132 , وأثنى اللهُ على نبيٍّ من أنبيائه وهو إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - بقوله : ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ مريم/54-55 .

          • وأخرج البخاري ومسلم (3) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يُصلِّي وأنا راقدة معترضة على فراشه ، فإذا أراد أن يُوتِرَ أيقظني .

          وفي (( صحيح البخاري )) (4) أيضًا من حديث أم سلمة - رضي الله عنها – قالت : استيقظ النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ذات ليلة فقال : (( سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن ، وماذا فتح من الخزائن ، أيقظوا صواحب الحجر (5) فرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عارية في الآخرة )) .

          وأخرج الإمام أحمد (6) في (( مسنده )) بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة – رضيَ اللهُ عنه – قال : قال رسول الله : (( رحم الله رجلاً قام من الليل فصلَّى ، وأيقظ امرأتَه فصلَّت ، فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت ، وأيقظت زوجها فصلَّى ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء )) .

          وطرق النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عليًا وفاطمة ليلة فقال لهما : (( ألا تصليان ؟ )) (7) .

          • وفي (( صحيح البخاري )) (8) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما – قال : أتى النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بيتَ فاطمة فلم يدخل عليها ، وجاء عليُّ فذكرتُ له ذلك ، فذكره للنبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قال : (( إني رأيتُ على بابها سترًا موشيًّا )) (9) فقال : (( ما لي وللدنيا ؟ )) فأتاها عليٌّ فذكر ذلك لها ، فقالت : ليأمرني فيه بما شاء ، قال : (( تُرسلي به إلى فلان )) أهل بيت فيهم حاجة .

          فعلى الشخص أن يكون حَسَنَ المُعاشرة مع الأهل ، وفي الوقت نفسه يكون مُذكِّرًا لهُنَّ بطاعة الله - عز وجل - حاثًّا لهُنَّ على حُسن عبادته – سبحانه - وعلى طاعته عز وجل .

          ______________________________

          (1) مسلم مع النووي (17/65) .

          (2) أخرجه البخاري ، حديث (5187) .

          (3) أخرجه البخاري (977) ، ومسلم (ص395) .

          (4) البخاري ، حديث (115) .

          (5) يريد أزواجه – رضي الله عنهن - كي يُصلين .

          (6) ((المسند)) (2/250) .

          (7) أخرجه البخاري (4724) ، ومسلم (775) من حديث علي .

          (8) أخرجه البخاري (2613) .

          (9) الموشى : هو المخطط بألوان متعددة .

          تعليق

          • بسمـة
            بصمة عطاء
            • Sep 2010
            • 2049

            #20

            ( حَثُّ الزوجةِ على التَّزيُّن ) ( وحَثُّ الزوج على الجِماع )

            وعلى الشخص أن يسد حاجة أهله من الجماع قدر استطاعته , كما أنه ينبغي لها هي الأخرى أن تحسن التبعل له وتتزين له ، وقد تقدم أن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لمَّا سُئِلَ : أيُّ النساء خير ؟ قال : (( التي تَسُرُّه إذا نظر ، وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه في نفسها وماله بما يكره )) .

            • وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( إن الله جميل يحب الجمال )) (1) ، فمن دواعي إدخال السرور على الرجل أن يَدخل على أهله فيجد امرأته جميلة متطيبة مكتحلة , متزينة مرتدية ما استطاعت من ثيابها الحسنة الجميلة (2) , فترد كثيرًا مما وقع في نفسه من رؤيته للنساء الأجنبيات عنه , وينبغي له هو الآخر أن يتزين لها ويتجمل ؛ فإنها تحب منه الذي يحبه منها ، وقد قال تعالى : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ البقرة/228 . وورد عن بعض السلف القول : بأنه يحب أن يتزين لامرأته كما يحب أن تتزين له .

            فهذه أسبابٌ تجعل عين الرجل تقر بامرأته ، وعين المرأة تقر بزوجها ، ولا تمتد عينه إلى شيءٍ محرم ، ولا تمتد عينها كذلك إلى المحرم ، ومن ثَمَّ فقد ورد عن رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - الحث على الجماع والترغيب فيه ، بل وإثبات الأجر فيه ؛ لِمَا فيه من إعفاف وجلب للمودة بين الزوجين والتقارب بينهما ، وكم من مشكلة تُثار في البيوت إما من الرجل وإما من المرأة ويكون من ورائها امتناع الآخر من الجماع , فإذا تم سكنت النفوس بإذن الله وهدأت الأعصاب وارتاح البال ، وقد حث رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ورغَّب فيه وبيَّن أن فيه الأجر .

            فأخرج الإمام مسلم (3) - رحمه الله تعالى - من حديث أبي ذر – رضيَ اللهُ عنه – قال : إن ناسًا من أصحاب النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قالوا للنبي : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نُصلِّي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم ، قال : (( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون : إن بكل تسبيحةٍ صدقة ، وكل تكبيرةٍ صدقة ، وكل تحميدةٍ صدقة ، وكل تهليلةٍ صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهيٌ عن منكر صدقة ، وفي بُضع (4) أحدكم صدقة )) . قالوا : يا رسولَ الله , أيأتي أحدُنا ش___ه ويكونُ له فيها أجر ؟ قال : (( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر )) .

            وأخرج البخاري ومسلم (5) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – قال : كنتُ مع النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - في غزاةٍ ، فأبطأ بي جملي وأعيى فأتى عليَّ النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – فقال : (( جابر ؟ )) فقلتُ : نعم ، قال : (( ما شأنك ؟ )) قلتُ : أبطأ عليَّ جملي وأعيى فتخلَّفت ، فنزل يحجنه بحجنه ثم قال : (( اركب )) فركبتُه ، فلقد رأيته أكفه عن رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قال : (( تزوجت ؟ )) قلتُ : نعم , قال : (( بكرًا أم ثيبًا ؟ )) قلتُ : بل ثيبًا ، قال : (( أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ )) قلتُ : إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن قال : (( أما إنك قادم فإذا قدمت فالكيس الكيس )) (6) ثم قال : (( أتبيعُ جملك ؟ )) قلتُ : نعم , فاشتراه مِنِّي بأوقية , ثم قدم رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قبلي وقدمتُ بالغداة ، فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال : (( الآن قدمت ؟ )) قلتُ : نعم , قال : (( فدع جملك فادخل فصلَّ ركعتين )) , فدخلتُ فصلَّيتُ ، فأمر بلالاً أن يزن له أوقية ، فوزن لي بلال فأرجح في الميزان ، فانطلقتُ حتى وليت فقال : (( ادعُ لي جابرًا )) , قلتُ : الآن يَرُدُّ عليَّ الجمل ، ولم يكن شيء أبغض إليَّ منه قال : (( خذ جملك ولك ثمنه )) .

            وقد كان النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يطوف على نسائه تسع نسوة في الليلة الواحدة .

            فقد أخرج البخاري (7) من حديث أنس – رضيَ اللهُ عنه – قال : كان النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار وهُنَّ إحدى عشرة , قال قتادة لأنس أَوَ كان يطيقه ؟ قال : كُنَّا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين .

            وفي رواية للبخاري (8) من حديث أنس أيضًا أن نبي الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذٍ تسع نسوة .. وفي رواية (9) أن ذلك كان بغُسلٍ واحد .

            وفي روايةٍ لعائشة (10) عند البخاري ومسلم : ( كنت أطيب رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فيطوف (11) على نسائه ثم يصبح مُحرمًا ينضح طيبًا ) .

            وليس نبينا محمد – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – فحسب ، بل الأنبياء أيضًا ، فقد ذكر اللهُ - سبحانه وتعالى - عنهم أولو الأيدي والأبصار أي : الأقوياء العلماء .

            وأخرج البخاري (12) من حديث أبي هريرة – رضيَ اللهُ عنه – قال : (( قال سليمان بن داود : لأطوفن الليلة على سبعين (13) امرأة تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله , فقال له صاحبه : إن شاء الله , فلم يقل ولم يحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه (14) )) ، فقال النبي : (( لو قالها (15) لجاهدوا في سبيل الله )) .

            • ويستحب للشخص إذا جامع أهله ، ثم أراد أن يعود لمجامعتها مرة أخرى أن يتوضأ ، وهذا للاستحباب وليس للأيجاب ، وقد أخرج مسلم (16) من حديث أبي سعيد الخدري – رضيَ اللهُ عنه - قال رسول الله : (( إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ )) .

            ويُستحب للزوج أن يقول عند الجماع : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنَّب الشيطان ما رزقتنا ؛ وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم (17) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله : بسم الله ، اللهم جنبني (18) الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، ثم قُدر بينهما في ذلك أو قُضي ولد لم يضره شيطان أبدًا )) (19) .

            • وحث النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من رأى امرأةً فأعجبته على جِماع أهله .

            فأخرج الإمام مسلم (20) - رحمه الله - من حديث جابر – رضيَ اللهُ عنه - أن رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - رأى امرأةً فأتى امرأته زينب وهي تمعسُ منيئة (21) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال : (( إن المرأة تُقبِلُ في صورة شيطان وتُدبِرُ في صورة شيطان , فإذا أبصر أحدُكم امرأةً فليأتِ أهله ؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه )) (22) .

            ______________________________

            (1) مسلم (91) من حديث ابن مسعود مرفوعًا .

            (2) وقد كانت النسوة يستعرن القلائد والثياب للتزين بها للأزواج على عهد رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقد أخرج البخاري (1564) ، ومسلم (ص279) من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها استعارت من أسماء قلادة ... الحديث .
            وأخرج البخاري مع ((الفتح)) (5/241) من طريق عبد الواحد بن أيمن قال : دخلت على عائشة - رضي الله عنها - وعليها درع قطر ثمن خمسة دراهم فقالت : ارفع بصرك إلى جارتي انظر إليها ؛ فإنها تزهي ( أي تأنف وتتكبر ) أن تلبسه في البيت ، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله ( فما كانت امرأة تًُقيَّن (أي تُزين) بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره .

            (3) مسلم (2/43) .

            (4) قال النووي - رحمه الله - قوله : (( وفي بضع أحدكم صدقة )) هو بضم الباء ، ويطلق على الجماع ، ويطلق على الفرج نفسه ، وكلاهما تصح إرادته هنا , وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقة , فالجماع يكون عبادة إذا نُوي به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به ، أو طلب ولد صالح ، أو إعفاف نفسه ، أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام ، أو الفكر فيه ، أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة .

            (5) البخاري حديث (2097) ، ومسلم (ص 1089) .

            (6) الكيس فسره بعض أهل العلم : بالجماع ، وفسره بعضهم : بالولد ، والبعض : بأنه الحث على الجماع .

            (7) أخرجه البخاري حديث (268) .

            (8) أخرجه البخاري حديث (284) .

            (9) عند مسلم (ص 309) .

            (10) البخاري حديث (267) ، ومسلم حديث (849) .

            (11) وطوافه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على نسائه محمول على أنه كان بإذن صاحبة الليلة وذلك لما أخرجه أبو داود (2135) بإسناد صحيح من حديث عائشة - رضي الله عنها – قالت : ... وكان قلَّ يوم إلَّا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها .

            (12) أخرجه البخاري حديث (3424) .

            (13) وفي بعض الروايات (ستين) وفي بعضها (تسعين) وفي بعضها (مائة) وللجمع بينها انظر ((الفتح)) (6/ 460) .

            (14) في رواية للبخاري (5242) : (( ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان )) .

            (15) في رواية للبخاري : (( لو قال : إن شاء الله لم يحنث وكان أرجى لحاجته )) .

            (16) مسلم حديث (308) .

            (17) البخاري حديث (5165) ، ومسلم (ص 1058) .

            (18) في بعض الروايات : ((جنبنا)) .

            (19) اختلف في الضرر المنفي في هذا الحديث على أقوال أقربها - والله أعلم - لم يفتنه في دينه فيرتد إلى الكفر .

            (20) مسلم (3/ 550).

            (21) تمعس منيئة أي : تدلك الجلد تمهيدًا لدباغته .

            (22) وفي بعض ألفاظ الحديث عند مسلم (3/ 551) : (( إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها ؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه )) .
            وقال النووي- رحمه الله - في شرح الحديث : قال العلماء : إنما فعل هذا بيانًا لهم ، وإرشادًا لما ينبغي لهم أن يفعلوه ، فعلمهم يفعله وقوله ، وفيه : أنه لا بأس بطلب الرجل امرأته إلى الوقاع في النهار وغيره ، وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه ؛ لأنه ربما غلبت على الرجل شهوة يتضرر بالتأخير في بدنه أو في قلبه وبصره .. والله أعلم .

            تعليق

            • بسمـة
              بصمة عطاء
              • Sep 2010
              • 2049

              #21

              وامتناعُ المرأةِ مِن فِراش زوجها كبيرةٌ مِن الكبائر

              وحذر النبي - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - المرأةَ من الامتناع عن فراش زوجها :

              فأخرج البخاري ومسلم (1) من حديث أبي هريرة – رضيَ اللهُ عنه - عن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قال : (( إذا دعا الرجلُ امرأتَه إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح )) .
              وفي روايةٍ لمسلم (2) من حديث أبي هريرة : (( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأتَه إلى فراشه فتأبى عليه إلَّا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها )) .




              التحذيرُ من الافتتان بالنساء

              ومحبة الرجل لزوجته والزوجة لزوجها ينبغي أن لا تحملها على تحريم ما أحل اللهُ أو تحليل ما حَرَّمَ الله , أو ارتكاب المعاصي ؛ لإرضاء كل واحد منهما الآخر , فها هو نبينا محمد – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يُعاتبُه رَبُّه - سبحانه وتعالى - فيقول له : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ التحريم/1-2 .

              ففي (( الصحيحين )) (3) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها , فواطأتُ أنا وحفصة عن أيَّتنا دخل عليها فلتقل له أكلتَ مغافير ؟ إني أجدُ منكَ ريحَ مغافير ، قال : (( لا ولكنِّي كنتُ أشربُ عسلاً عند زينب ابنة جحش ، فلن أعود ، وقد حلفتُ لا تُخبري بذلك أحدًا )) .

              • وأخرج النسائي والحاكم (4) من حديث أنس – رضيَ اللهُ عنه - أن رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - كانت له أمَةٌ يطؤها ، فلم تزل به عائشةُ وحفصةُ حتى جعلها على نفسه حرامًا فأنزل الله هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ... ﴾ الآية (5) .

              هـذا وقد حذَّرَ اللهُ - سبحانه وتعالى - من الافتتان بالنساء ، وحذَّرَ النساء من الافتتان بالرجال كذلك .

              • قال اللهُ سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ التغابن/14 ، وقال تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ آل عمران/14.
              وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( ما تركتُ بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )) (6) , وقال عليه الصلاة والسلام : (( فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )) (7) .

              فليحذر المسلم من هذا أشد الحذر ، فمِن الناس مَن يحمله حبُّه الزائد لزوجته على عقوق والديه وقطيعة رحمه والإفساد في الأرض ، ومن ثمَّ تحل عليه اللعنة كما قال تعالى : ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ محمد/22-23 ، وقال سبحانه : ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ الرعد/25 .


              • ومِن الناس مَن يحمله حُبُّه لزوجته على أن يكتسبَ المالَ مِن الحرام لإمضاء رغباتها وإشباع شهواتها .

              • ومِن الناس مَن يتقاتلُ مع جيرانه وأهل بلده من أجل كيد زوجته وإفسادها وتدبيرها .

              فليحذر المسلمُ مِن ذلك أشد الحذر وإن وجد من زوجته خُلُقا مشينًا فليأخذ على يديها ، ولا تحمله محبَّتُه الزائدة لها على ترك إنكار المنكر عليها إن ظهر منها شيءٌ يُستنكر .


              ______________________________

              (1) تقدم تخريجه .

              (2) تقدم تخريجه .

              (3) أخرجه البخاري مع (((الفتح)) 8/ 656) ، ومسلم (ص 1100) .

              (4) الحاكم في ((المستدرك)) حديث (2/ 493) وصحح الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) إسناده بعد أن عزاه إلى النسائي ، قلت : وهو عند النسائي في ((التفسير)) حديث (627) .

              (5) ولا يمتنع أن تعدد أسباب النزول للآية الواحدة، فتحدث جملة أمور فتنزل الآية فيها جميعًا.

              (6) أخرجه البخاري (5096)، ومسلم (2740) من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - مرفوعًا .

              (7) أخرجه مسلم (2742) من حديث سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعًا .

              تعليق

              • بسمـة
                بصمة عطاء
                • Sep 2010
                • 2049

                #22

                تقويمُ المرأةِ إذا اعوجَّت والأخذُ على يديها إذا ظلمت

                وإن صدرت منها زَلَّةٌ علَّمها وأدَّبها ، فهو قَيِّمٌ عليها كما أسلفنا ، وها هي أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تقول لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - مشيرةً إلى قصر أم المؤمنين صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها - : حسبُك من صفية هكذا ( تعني : أنها قصيرة ) ، فماذا قال رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لعائشة أحب امرأةٍ (1) إليه ؟! قال عليه الصلاة والسلام : (( لقد قلتِ كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمزجته )) (2) .

                أي : ( باصطلاحنا في مصر ) إنها كلمة تُنَجِّسُ بحرًا .


                فمع محبته لها - عليه الصلاة السلام - لم يتركها تخوضُ في عِرض أختها المسلمة وتغتابها وتأكل من لحم أختها الميتة .

                • ولمَّا رأى (3) النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - النمرقة في بيت عائشة ورأى التصاوير فيها ، اشتد على أم المؤمنين عائشة ، وقام على الباب فلم يدخل حتى نزعتها .

                ولا تمنعه محبتُه - عليه الصلاة والسلام - لعائشة من أن يكون منصفًا معها مقتصًا منها لغيرها إن احتاج الأمر إلى قِصاص .

                أخرج البخاري (4) من حديث أنس – رضِيَ اللهُ عنه – قال : كان النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - عند بعض نسائه , فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفةٍ فيها طعام فضربت التي النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت , فجمع النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول : (( غارتْ أُمُّكم )) ثم حَبَسَ الخادم حتى أتي بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها .

                فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسرت فيه .

                • ونحوه عند النسائي (5) بإسناد صحيح من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أنها أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وأصحابه فجاءت عائشةُ متزرةً بكساءٍٍ ومعها فهر (6) ففلقت به الصحفة ، فجمع النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بين فلقتي الصحفة ويقول : (( كُلوا غارت أُمُّكُم )) مرتين ، ثم أخذ رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة ، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة .

                وأخرج أبويعلي (7) الموصلي بإسنادٍ حسن من حديث عائشة - رضي الله عنها – قالت : أتيتُ النبيَّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بخزيرةٍ قد طبختُها له فقلتُ لسودة - والنبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بيني وبينها - : كُلي . فأبتْ ، فقلتُ : لتأكلن أو لأُلطِخَنَّ وجهكِ ، فَأَبَتْ فوضعتُ يدي في الخزيرة فطليتُ وجهها ، فضحك النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فوضع بيده لها : (( الطخي وجهها )) ، فضحك النبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فمرَّ عمر فقال : يا عبدَ الله , يا عبد الله , فظَنَّ أنَّه سَيَدخُل ، فقال : (( قوما فاغسلا وجوهَكُما )) . فقالت عائشة : فما زِلتُ أهابُ عُمر لهيبةِ رسولِ الله .



                ______________________________

                (1) سُئل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : مَن أحب الناس إليك يا رسول الله ؟ قال : (( عائشة .. )) .

                (2) أخرج الترمذي بإسنادٍ صحيح (2502) عن عائشة قالت : ... فقلتُ : يا رسول الله إن صفية امراة ، وقالت بيدها هكذا - أنها تعني قصيرة - فقال : (( لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمُزج )) .


                (3) أخرج البخاري (مع ((الفتح)) 4/ 325) ، ومسلم (8/ 213) من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهة فقلت : يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله : (( ما بال هذه النمرقة ؟ )) قلت : اشتريها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فقال رسول الله : (( إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يُعذَّبون فيُقال لهم : أحيوا ما خلقتم )) قال : (( إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة ... )) .

                (4) أخرجه البخاري ، حديث (5225) .

                (5) النسائي (7/70) .

                (6) فهر أي : حجر .

                (7) (( مسند أبي يعلى )) (7/449) .

                تعليق

                • بسمـة
                  بصمة عطاء
                  • Sep 2010
                  • 2049

                  #23

                  ( لإرضاءِ الزوج حُـدود )

                  ولا تفعل المرأة الحرام إرضاءً لزوجها وتملقًا له ، فمن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي اللهُ عنه وأرضى عنه الناس ، فتتزين المرأةُ لزوجها بالمباح كما أسلفنا ، فالله جميلٌ يحب الجمال ، وقد قال تعالى : ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الأعراف/32 ، ولكنها لا تتزين بالمُحَرَّم ، فلا يجوز لها أن تتنمص , ولا يجوز لها أن تستوشم , ولا يجوز لها أن تصل برأسها شعرًا , ولا يجوز لها أن تتفلج ، فإن فعلت فإنها ملعونة .

                  • ففي (( الصحيحين )) (1) من طريق علقمة قال : لعن عبد الله ( يعني ابن مسعود ) الواشمات (2) والمتنمصات (3) والمتفلجات (4) للحُسن المُغيِّرات خلقَ الله ، فقالت أم يعقوب : ما هذا ؟ قال عبد الله : ومالي لا ألعنُ من لعن رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وفي كتاب الله ، قالت : واللهِ لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدتُه ، فقال : واللهِ لئن قرأتيه لقد وجدتيه : ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ الحشر/7 .

                  • وكذلك لا تصل شعرًا بشعرها ؛ لأن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لعن الواصلة والمستوصلة (5) ، وصَحَّ عن عائشة أن امرأةً من الأنصار زوَّجت ابنتها ، فتمعَّط شعرُ رأسها ، فجاءت إلى النبيِّ ، فذكرت ذلك له ، فقالت : إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها فقال : (( لا إنه لعن الوصلات )) (6) .

                  • وإذا دعاها للجماع وهي حائض فلا تُطيعه ؛ لأن الله يقول : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ البقرة/222 .

                  • وكذلك إذا طلب منها أن يُجامعها في دُبُرها لا تطيعه ؛ لأن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لعن من فعل ذلك (7) .

                  • ولا تصف له امرأةً أجنبيةً لغير علة ؛ فيُفضي ذلك إلى المكروه والمُحَرَّم ، فقد أخرج البخاري (8) من حديث عبد الله بن مسعود - رضيَ اللهُ عنه - قال : قال رسول الله : (( لا تُباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها )) (9) .

                  وبالجُملة فلا يُطيع الزوجُ امرأتَه في معصية الله ، ولا تُطيع المرأةُ زوجَها في معصية الله ؛ وذلك حتى تدوم المودة فيما بينهما ، فالمودة نعمةٌ من الله - عز وجل - تُذهبها المعصية ، قال الله تعالى : ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ الشورى/30 .
                  وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( إنما الطاعة في المعروف )) .


                  ______________________________

                  (1) البخاري مع ((الفتح)) (10/377) ، ومسلم (4/836) .

                  (2) الواشمة : هي التي تغرز إبرةً أو مسلة أو نحوهما في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم ، ثم تحشو ذلك الموضع بالكُحل أو النُّورة فيخضر ، وقد يفعل ذلك بدارات ونقوش ، وقد تكثره وقد تقلله ، وفاعلة هذا واشمة ، قاله النووي رحمه الله .

                  (3) أما النامصة : فهي التي تنقش الحاجب حتى تُرقه ، والمتنمصة المعمول بها . قاله أبو داود ، ومن العلماء من أطلق ذلك على عموم شعر الوجه بالنسبة للمرأة .

                  (4) أما المتفلجات للحسن : فهن مفلجات الأسنان ، وهن اللواتي يبردن ما بين أسنانهن بالمبرد كي يبدو للناس أنهن صغيرات حسناوات . ( أما إذا كان التفلج لعِلَّةٍ طِبِّيَة - كأن تكون الأسنان تجرحها - فلا بأس ؛ لأن الحديث فيه والمتفلجات للحسن ... ) والله أعلم .

                  (5) أخرجه البخاري مع ((الفتح)) حديث (10/ 374) ، ومسلم (4/ 833) من حديث أسماء - رضي الله عنها - مرفوعًا .

                  (6) أخرجه البخاري (5025) ، ومسلم (ص 1677) .

                  (7) وهذا بمجموع طرقه صحيح .

                  (8) البخاري مع ((الفتح)) حديث (9/ 338) .

                  (9) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) : قال القابسي : هذا أصلٌ لمالك في سد الذرائع ، فإن الحكمة في هذا النهي ؛ خشية أن يعجب الزوج الوصف المذكور فيُفضي ذلك إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة .

                  تعليق

                  • بسمـة
                    بصمة عطاء
                    • Sep 2010
                    • 2049

                    #24

                    أصــلٌ في الاقتصـاد

                    والاقتصادُ مع الزوجة ، واقتصادُ الزوجة مع الزوج أصلٌ له أدلته من سُنَّة رسول الله .
                    فأخرج البخاري (1) وغيره من حديث أبي جحيفة - رضيَ اللهُ عنه - قال : آخى النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمانُ أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة (2) فقال لها : ما شأنكِ ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا ، فقال له : كُل ، قال : فإني صائم ، قال : ما أنا بآكلٍ حتى تأكل ، قال : فأكل ، فلمَّا كان الليلُ ذهب أبو الدرداء يقوم ، قال : نَم ، فنام ، ثم ذهب يقوم ، فقال : نَم ، فلمَّا كان من آخر الليل قال سلمان : قُم الآن . فصلَّيا ، فقال سلمان : إنَّ لرَبِّكَ عليك حقًا ، ولنفسك عليك حقًا ، ولأهلك عليك حقًا ، فأعطِ كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه ، فأتي النبيَّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فذكر ذلك له ، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( صدق سلمان )) .

                    وأخرج البخاري ومسلم (3) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : قال لي رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( يا عبدالله ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ )) فقلتُ : بلى يا رسولَ الله ، قال : (( فلا تفعل ، صُم وأفطِر ، وقُم ونَم ؛ فإنَّ لجسدك عليك حقًا , وإنَّ لعينك عليك حقًا , وإنَّ لزوجك عليك حقًا ، وإنَّ لزورك (4) عليك حقًا ... )) الحديث .


                    ______________________________

                    (1) أخرجه البخاري (1968) .

                    (2) أي أنها لابسة ثياب المِهنة ، والمُراد أنها تاركة للباس الزينة وغير متزينة في نفسها .

                    (3) البخاري (1975) ، ومسلم (ص 817) فما قبلها .

                    (4) الزور : الضيف .

                    تعليق

                    • بسمـة
                      بصمة عطاء
                      • Sep 2010
                      • 2049

                      #25

                      أثـرٌ سيئ للشِّـدَّةِ والغِلظـةِ والبُخـل

                      وشِدَّةُ الرجل و غِلظتُه على زوجته قد تحملها على الكذب ، وبُخلُه قد يحملها على السرقة ، فإذا كانت المرأةُ كُلَّما أخطأت وجدت من زوجها عنفًا وشِدَّةً وغِلظةً فستضطرُ إلى ستر أخطائها والكذب على زوجها ، وفي هذا المقام يَسوغُ لي أن أذكر فتوى : أرسلت إليَّ إحدى النساء بها تستفتيني فيها فتقولُ : إنها أذنبت ذنبًا منذ سبعة عشر عامًا ، وكُلَّما تذكرت هذا الذنب نكَّد عليها عيشتها وتألمت أشد الألم ، وحاصِلُ قصتها مع ذنبها : أن كانت في بداية زواجها تعيش مع زوجها وحماتها ( تعني أم زوجها ) في منزلٍ واحد ، وكانت أم زوجها شديدة عليها غاية الشدة وتحاسبها على الصغير والكبير وتُؤاخذها على كل خطأٍ وتتصيد لها أخطاءها ، بل والذي لم تُخطئ فيه أيضًا وتُحصي عليها الداخل والخارج وتسألها كم أكلت ؟ كم شربت ... ؟ وفي ذات يومٍ أرسلتها إلى السُّوق تشتري لها دجاجةً ، فاشترت الدجاجةَ ، ومِن شدة حرصها على الدجاجة وضعتها تحت خمارها وغطتها به ، فماتت الدجاجةُ في الطريق من السوق إلى البيت ، فخافت خوفًا شديدًا وكربت كربًا عظيمًا , ماذا ستصنعُ مع حماتها ؟ إلَّا أن سرعان ما أفاقت من الكرب الشديد واتخذت القرارَ الخاطئ دخلت البيتَ مُسرِعةً وعمدت إلى المطبخ وذبحت الدجاجة الميتة وطبختها وقالت لحماتها : يا أم عصام تعالي إلى المطبخ - وطبعًا لم تُخبرها بأمر الدجاجة - فدخلت أم عصام ( حماتُها ) إلى المطبخ ، فإذا بالدجاجةِ قد طُبِخَت ووُضِعَ عليها الفلفل الأسود والبُهارات حتى غيَّر رِيحها ، فقالت المرأةُ لحماتِها : يا أم عصام ، واللهِ ما يذوقها غيرك ولا يشرب مرقها غيرك ، فها هي كُليها قبل أن يأتي الأطفال فأكلتها عن آخرِها وشربت مرقها عن آخره ، فتسأل المرأة هل لي من توبة ؟

                      فالإجابة : نعم ، فاللهُ - عز وجل - فتح للتوبةِ بابًا لا يُغلَق حتى تطلع الشمسُ من مغربها ، وهو سبحانه يبسط يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار , ويبسط يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل ، وقد قال سُبحانه : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ الزمر/53 .

                      وقصدي بإيراد هذه القصة النظر إلى ما تصنع الشدة وإلى ما تصنع الغلظة والفظاظة ، وإلى ماذا تؤدي ؟

                      أما كون بُخل الزوج قد يَحمل الزوجة على السرقة ، فقد أخرج البخاري ومسلم (1) من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن هندًا بنت عتبة قالت : يا رسولَ الله , إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلَّا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم ، فقال : (( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف )) . وقد بوَّب البخاري لهذا الحديث بباب : إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف .

                      ______________________________

                      (1) أخرجه البخاري حديث (5364) ، ومسلم (ص 1339) .

                      تعليق

                      • بسمـة
                        بصمة عطاء
                        • Sep 2010
                        • 2049

                        #26

                        حُسنُ ظَنٍّ مع احتياطٍ وتَحَفُّظٍ

                        وينبغي أن يكون الزوجُ حَسنَ الظَّنِّ بزوجته ، وفي الوقت نفسه يتحفظ ويحتاط ويبتعد عن مُسبِّبات الفساد والمخالفات الشرعية .

                        • أما حسن الظن بالزوجة فقد حَثَّ اللهُ - سُبحانه وتعالى - على ذلك بقوله : ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ النور/12 .
                        وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ الحجرات/12 .

                        وقد قال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( إذا أطال أحدُكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً )) (1) .

                        أما التحفظ والاحتياط فلِمَا في (( الصحيحين )) من حديث عقبة بن عامر – رضيَ اللهُ عنه - أن رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قال : (( إياكم والدخول على النساء )) (2) , فقال رجلٌ من الأنصار : يا رسولَ الله , أفرأيت الحمو ؟ قال : (( الحَمْو الموت )) ، وأخرج البخاري ومسلم (3) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – قال : (( لا يخلون رجلٌ بامرأةٍ إلا مع ذي محرم )) ، ويتضح هذا الظن الحَسَن والاحتياط في قصة الفاضلة المؤمنة أسماء بنت عَمَيْس ، فقد أخرج مسلم (4) في (( صحيحه )) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس ، فدخل أبو بكر الصديق (5) وهي تحته يومئذٍ فرآهم فكره ذلك ، فذكر ذلك لرسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وقال : لم أرََ إلَّا خيرًا , فقال رسولُ الله : (( إن الله قد برأها من ذلك )) , ثم قام رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على المنبر فقال : (( لا يدخلن رجلٌ بعد يومي هذا على مُغيَّبةٍ إلَّا ومعه رجلٌ أو اثنان )) .

                        فرسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - نفى السوء عن أسماء رضي الله عنها ، ومع ذلك سَنَّ لأُمَّتِهِ ما يحتاطون به ، ولا يدع للشيطان مجالاً للوسوسة ، فالشكوكُ والوساوسُ تُدَمِّرُ الأُسَر ، وتخربُ البيوت ، وتهدمُ العوائل , فلا يكونُ الرجلُ دائمَ الشَّكِّ في امرأتِهِ ، وفي نفس الوقت لا يتركُ لها الحبلَ على الغارِب ، تُدخِلُ مَن شاءت ، وتُخرِجُ مَن شاءت ، ويخلو بها مَن يشاء .


                        ______________________________

                        (1) أخرجه البخاري حديث (5244) ، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما .

                        (2) أخرجه البخاري (5232) ، ومسلم (1711) .

                        (3) البخاري (5233) ، ومسلم (978) .

                        (4) أخرجه مسلم (4/ 16) .

                        (5) وقد تزوَّجها أبوبكرٍ – رضيَ اللهُ عنه - بعد مقتل زوجها جعفر رضيَ اللهُ عنه , وتزوَّجها علي – رضيَ اللهُ عنه - بعد موت أبي بكر .
                        ومِن اللطائف المتعلقة بأسماء بنت عميس رضي الله عنها ، ما أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (8/ 222) بإسنادٍ صحيح عن عامر الشعبي ، وصحَّحه ابن حجر عن الشعبي في ((الإصابة)) حديث (8/ 16) وعزاه إلى ابن السكن : (واللفظ من ((الطبقات))) من طريق زكريا بن أبي زائدة قال : سمعتُ عامرًا يقول : تزوَّج علي بن أبي طالب أسماء بنت عميس ؛ فتفاخر ابناها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر ، فقال كل واحدٍ منهما :
                        أنا أكرمُ منك وأبي خيرٌ مِن أبيك ، فقال لها علي : اقضي بينهما يا أسماء ، قالت : ما رأيتُ شابًا مِن العرب خيرًا من جعفر ، ولا رأيتُ كهلاً خيرًا من أبي بكر ، فقال علي : ما تركتِ لنا شيئًا ، ولو قلتِ غيرَ الذي قلتِ لمَقَتُّكِ ، فقالت أسماء : إن ثلاثةً أنتَ أخسّهم لخيار .
                        قلتُ : ( الشعبي وإن كان لم يشهد القصة فهذا محمول على أنه تلقاها إما من أسماء أو من أحد أولادها ، والله أعلم ) .

                        تعليق

                        • بسمـة
                          بصمة عطاء
                          • Sep 2010
                          • 2049

                          #27

                          الكَـذِبُ المُباحُ بين الزَّوْجَيْـن

                          وينبغي أن يتلطف الزوجُ مع زوجته ، ويتكلم معها بالكلام الطيب الذي يُريحها ويُطمئنها ويُهدي بالَها , ويكون سببًا في قذف مَحبَّتِه إلى قلبها , وهي الأخرى كذلك ينبغي لها أن تتكلم معه بالكلام الطيب الذي يُريحه ويُهدئه ويُطمئن بالَه ويُريح فؤاده , ويكون سببًا في جلب محبَّتِها إلى قلبه ، وإن اضطرها الأمرُ أو اضطره إلى الكذب في بعض الأحيان ، كأنْ يُبالِغَ لها في وصف محبته لها أو تُبالغ له في وصف محبتها له , أو يُبالغ في وصف جمالها وتُبالغ في وصف رجولته ونحو ذلك (1) , فقد رُخِّصَ في الكذب للإصلاح ، ورُخِّصَ في الكذب بين الزوجين ، ففي (( صحيح مسلم )) (2) من حديث أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط أنها سمعت رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يقول : (( ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس ويقولُ خيرًا ويُنمي خيرًا )) .

                          وعند الترمذي وأحمد (3) بإسنادٍ يَصِحُّ لشواهده من حديث أسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( لا يَحِلُّ الكذبُ إلَّا في ثلاث ، يُحَدِّثُ الرجلُ امرأتَه يُرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليُصلِحَ بين الناس )) . وقد قال النوويُّ (4) - رحمه الله - : وأما كذبُه لزوجته وكذبُها فالمُرادُ به في إظهار الود والوعد مما لا يلزم ونحو ذلك ، فأما المُخادعة في منع ما عليه أو عليها ، أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرامٌ بإجماع المسلمين ، واللهُ أعلم .

                          • وقال ابن حزم في (( المحلى )) (5) : ولا بأس بكذب أحد الزوجين للآخر فيما يستجلبُ به المودة ... ثم ذكر الحديث .

                          • ومَن العلماء مَن حَمَلَ الكذب في الحديث على التَّوْرِيَة .

                          • وقال الخطابي (6) : كَذِبُ الرجل على زوجته أنْ يَعِدَها ويُمَنِّيها ويُظهِرَ لها مِن المَحَبَّةِ أكثرَ مِمَّا في نفسه ، يَستديمُ بذلك صُحبتَها ويُصلِحُ به خُلُقَها . واللهُ أعلم .


                          ______________________________

                          (1) أما الكذب الذي فيه تضييعُ حُقوق وأكل مال الآخَر بالباطل فهو حرام .

                          (2) مسلم حديث (2605) .

                          (3) الترمذي (1939) ، وأحمد (6/ 454، 459، 460) .

                          (4) (( شرح مسلم )) حديث (5/ 465) .

                          (5) (( المحلى )) (10/ 75) .

                          (6) مع (( عون المعبود )) (13/ 263) .

                          تعليق

                          • بسمـة
                            بصمة عطاء
                            • Sep 2010
                            • 2049

                            #28

                            ما جاء في ضرب النساء

                            وقولُ الله تعالى : ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ النساء/34 .

                            وقولُه تعالى : ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ النساء/34 .

                            أصل النشوز : هو الارتفاع ، فالمرأة الناشز هي المرتفعة المستكبرة على زوجها وتحب معصيته وخلافَه .

                            وقولُه تعالى : ﴿ فَعِظُوهُن ﴾ أي ذكّروهن بكتاب الله ، وبما فيه من حق الزوج على زوجته ، وبسُنَّةِ رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وما فيها من بيان حق الزوج على زوجته وإثم مخالفة الزوجة لزوجها . والله أعلم .

                            وقوله تعالى : ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع ﴾ النساء/34 .

                            قال بعضُ أهل العلم : إن المراد بالهجر هجر الجماع بمعنى أنه يكون معها في فِراشٍ واحد ولا يُجامعها .

                            وقال بعضُهم : إن المراد بالهجر هجر كلامها .

                            وقال بعضهم : يهجر الفراش .

                            والجمهور على أن المراد بالهجران هنا : ترك الدخول عليهن والإقامة عندهن على ظاهر الآية (1) .
                            أما الأحاديث الواردة في الهجران فنذكر بعضها . وها هي ...


                            أخرج البخاري (2) من حديث أنسٍ – رضيَ اللهُ عنه - قال : آلَى (3) رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من نسائه شهرًا ، وقعد في مشربةٍ له ، فنزل لتسعٍ وعشرين فقيل : يا رسولَ الله ، إنك آلَيتَ شهرًا قال : (( إن الشهر تسعٌ وعشرون )) .

                            وأخرج البخاري ومسلم (4) من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حلف لا يدخل على بعض أهله شهرًا ، فلمَّا مضى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهن - أو راح - فقيل له : يا نبيَّ الله , حلفت أن لا تدخل عليهن شهرًا قال : (( إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا )) .

                            وأخرج أبو داود (5) بإسنادٍ صحيح من حديث معاوية القشيري – رضيَ اللهُ عنه - قال : قلتُ : يا رسولَ الله , ما حَقُّ زوجة أحدنا عليه ؟ قال : (( أن تُطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت - أو إذا اكتسبت - ولا تضرب الوجه ، ولا تُقَبِّح ، ولا تهجر إلَّا في البيت )) (6) .

                            قولُ الله تعالى : ﴿ وَاضْرِبُوهُنّ ﴾ النساء/43 .
                            إذا لم ترتدع الزوجة بالموعظة والهجران في المضجع ، فللزوج أن يضربها ، هكذا قال كثيرٌ من أهل العلم ، وسياق القرآن يُفيدُ أنه يجوز للزوج أن يجمع بين الثلاثة في وقتٍ واحد ، أي بين الموعظة والهجران في المضجع والضرب .
                            أما صفة الضرب فكما أوضحها رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهو يخطب الناس في حجة الوداع ، ففي (( صحيح مسلم )) من حديث جابر بن عبد الله في ذكر حجة النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - أن رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - خطب الناس ، فكان فيما قال : (( فاتقوا الله في النساء ؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف )) (7) .

                            وقد ورد في مسألة ضرب النساء بعضُ الأحاديث ، منها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن زمعة (8) أنه سمع رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يخطب وذكر الناقة والذي عقر ، فقال رسولُ الله : (( إذ انبعث أشقاها : انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة )) . وذكر النساء فقال : (( يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخِر يومه .. )) الحديث .

                            • ومنها ما أخرجه الترمذي (9) من حديث عمرو بن الأحوص – رضيَ اللهُ عنه - أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ، فذكر في الحديث قصة ، فقال : (( ألا واستوصوا بالنساء خيرًا ؛ فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشةٍ مُبيّنة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مُبرح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ، ألا إن لكم على نسائكم حقًا ، ولنسائكم عليكم حقًا ، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم مَن تكرهون ، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن )) .

                            وأخرج أبو داود (10) بإسنادٍ حسنٍ لغيره من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال : قال رسولُ الله : (( لا تضربوا إماءَ الله )) ، فجاء عمرُ رسولَ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال : ذئرن النساءُ على أزواجهن , فرخَّصَ في ضربهن ، فأطاف بآل رسول الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - نساءٌ كثيرٌ يشكون أزواجهن فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( لقد طاف بآل محمدٍ نساءٌ كثيرٌ يشكون أزواجهن ، ليس أولئك بخياركم )) .

                            وينبغي أن لا يُلجأ إلى الضرب إلَّا في حال الضرورة ، واستنفاذ محاولات الإصلاح والوعظ ، وعدم جدوى الهجر في المضجع ؛ وذلك لِمَا أخرجه مسلم (11) من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : ما ضرب رسولُ الله – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - شيئًا قط بيده ، ولا امرأةً ولا خادمًا إلَّا أن يُجاهِدَ في سبيل الله , وما نِيلَ منه من شيءٍ قط فينتقم مِن صاحبه إلَّا أن يُنتهك شيءٌ مِن محارم الله ، فينتقم لله عز وجل .


                            ______________________________

                            (1) قال ذلك الحافظ في ((الفتح)) (9/ 301) .

                            (2) مع ((الفتح)) حديث (9/ 300) .

                            (3) آلَى .. أي : أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا .

                            (4) البخاري حديث (5202) ، ومسلم (ص 764) .

                            (5) أخرجه أبو داود (2142) .

                            (6) في الحديث السابق بيان أن النبي – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - كان يهجر خارج البيوت ، وفي هذا الحديث بيان أن الهجران في غير البيوت لا يجوز ، والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال ، فإذا احتيج إلى الهجر خارج البيوت فعل ، وإلَّا فتكون داخل البيوت ، وقد جنح البخاري إلى حديث أنس السابق ، وذكر أنه أصح من حديث بهز ، فكأنه يذهب إلى العمل بحديث أنس وهو الهجران خارج البيوت ، والله أعلم .

                            (7) مسلم مع النووي (3/ 345) ، والضرب غير المبرح : هو ما ليس بشديد ولا شاق ولا مؤثر .

                            (8) أخرجه البخاري حديث (4942) ، ومسلم (ص 2191) .

                            (9) الترمذي (1163) بإسنادٍ حسنٍ لغيره .

                            (10) أبو داود حديث (2146) .
                            وقد ورد في مسألة ضرب النساء وحديث عمر بن الخطاب – رضيَ اللهُ عنه – مرفوعًا : (( لا يُسألُ الرجل فيما ضَرَبَ امرأتَه )) ، وهو حديثٌ ضعيف .

                            (11) أخرجه مسلم (ص 1814) .

                            تعليق

                            • بسمـة
                              بصمة عطاء
                              • Sep 2010
                              • 2049

                              #29

                              والصُّلْـحُ خَيْـر

                              وكما تقدَّم فيُستحَبُّ للزوجين أن يتعايشا في وفقٍ ووئام ، ويُؤدي كُلٌّ منهما ما عليه لصاحبه من الحق ، وإن دبت بينهما مشاكل فعليهما أن يدفعاها وإن تنازل أحدهما أو كلاهما عن شيءٍ من حقوقه للآخَر ، ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ النساء/128 كما قال الله سبحانه وتعالى ، الصلح خير لهما من الفرقة والطلاق ، الصلح خير للأولاد من التشتت والضياع ، الصلح خير لأسرتيهما من العداوة والشقاق , الصلح خير للمسلمين عامة لما فيه من المودة والائتلاف .

                              الصلح خيرٌ من الطلاق ، فالطلاق يهواه إبليس وهو من أفعال هاروت وماروت ، قال تعالى : ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ البقرة/102 .

                              وفي (( صحيح مسلم )) (1) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال : قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( إن إبليس يضع عرشه على الماء ، ثم يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول : فعلتُ كذا وكذا , فيقول : ما صنعتَ شيئًا ، قال : ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته ، قال : فيُدنيه منه ويقول : نعْمَ (2) أنت )) .

                              فهذا يدل على أن الطلاق مما يُحِبُّه الشيطان .

                              وقد صَحَّ (3) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه طلَّق امرأةً له ، فقالت له : هل رأيتَ مني شيئًا تكرهه ؟‍ قال : لا , قالت : ففيم تطلق المرأة العفيفة المسلمة ؟ فارتجعها ابن عمر رضي الله عنهما ، فالصلح خير (4) - كما قدَّمنا - وإن تنازل أحدهما عن بعض حقوقه .

                              وإن خيف حدوث شقاق بين الزوجين ، فليُرسِل الحكام والأمراء وولاة الأمر حَكَمَيْن : حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها (5) للإصلاح بينهما ، فإن اصطلحا فالحمدُ لله ، وإن وصلت المسائل والمشاكل بينهما إلى طريقٍ مسدود ولم يستطيعا مع هذه المشاكل أن يقيما حدودَ الله فيما بينهما , وكانت هي لا تستطيع أن تؤدي له حقَّه المشروع (6) ، وكان هو الآخر لا يستطيع أن يؤدي إليها حقها ، وضاعت فيما بينهما حدود الله ، ولم يقيما طاعة الله فيما بينهما ، فحينئذٍ فالأمر كما قال سبحانه : ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ النساء/130 .

                              • وأيضًا إذا كان الزوجان أو أحدهما غير مُقيمٍ لحدود الله ، ولا مُكترثٍ لها ، ولا مُبالٍ بها ، وغير شاكر لنعم الله عليه ، والآخر قائم على حدود الله ، فحينئذٍ فالفِراقُ أولى ، فهذا الخليل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ينصحُ ولده إسماعيل بتغيير عتبة بابه ، لمَّا أتى إلى بيت إسماعيل ، فوجد امرأةً غير شاكرةٍ لأنعم الله عليها ، وهذا واضح فيما أخرجه البخاري (7) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في شأن هاجر عليها السلام ، وقصة إبراهيم عليه السلام ، ومجيئه إلى ولده إسماعيل بعدما تزوَّجَ إسماعيل ، يُطالِعُ تركته ، فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأتَه عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بشرٍّ ، نحن في ضيقٍ وشِدَّة ، فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجُكِ ، فاقرئي عليه السلام ، وقولي له يُغيِّرُ عتبة بابه ، فلمَّا جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا ، فقال : هل جاءكم مِن أحد ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنكَ ، فأخبرتُه ، وسألني : كيف عيشنا ، فأخبرتُه أنَّا في جهدٍ وشِدَّة ، قال : فهل أوصاكِ بشيء ؟ قالت : نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غيِّر عتبة بابك ، قال : ذاكَ أبي ، وقد أمرني أن أُفارقَكِ ، الحقي بأهلكِ .. فطلَّقها .


                              ______________________________

                              (1) مسلم (ص 2167) .

                              (2) أي : نِعْمَ الفعلة التي فعلتها أنت ، وهي التفريق بين المرء وزوجه .

                              (3) أخرجه سعيد بن منصور ((السنن)) (1099) .

                              (4) قال الله سبحانه وتعالى : (( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )) النساء/128 .
                              وها هي بعض أقوال أهل العلم في هذه الآية الكريمة :
                              • أخرج البخاري - رحمه الله - حديث (5206) من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : (( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا .... )) النساء/128 . قالت : هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها ، فيُريدُ طلاقَها ويتزوج غيرها ، فتقول له : أمسكني ولا تطلقني ثم تزوَّج غيري ، فأنتَ في حِلِّ من النفقة عليَّ والقِسمةِ لي ، فذلك قولُه تعالى : (( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْر )) .
                              •أما ابن جرير الطبري - رحمه الله - فقد أورد جملة آثار تشهد لهذا المعنى الوارد عن عائشة رضي الله عنها ، وقال هناك (9/ 267) : يعني بذلك جل ثناؤه : وإن خافت امرأة من بعلها يقول : علمت من زوجها (( نشوزًا )) يعني : استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها أثرة عليها وارتفاعًا بها عنها إما لبغضة ، وإما لكراهة منه بعض أسبابها : إما دمامتها ، وإما سنها وكبرها أو غير ذلك من أمورها (( أو إعراضًا )) يعني : انصرافًا عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه ( فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا )) يقول : فلا حرج عليهما يعني : على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها (( أن يصلحا بينهما صلحًا )) وهو أن تترك له يومها ، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه تستعطفه بذلك ، وتستديم المقام في حباله والتمسكَ بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح يقول : (( والصلح خير )) يعني : والصلح بترك بعض الحق استدامةً للحرمة وتمسكًا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق .
                              أما قوله تعالى : (( وأحضرت الأنفس الشح )) فالذي اختاره ابن جرير أن المعنى به هو أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة .
                              ثم قال : و(( الشح )) الإفراط في الحرص على الشيء , وهو في هذا الموضع إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها ، فتأويل الكلام : وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن ، والشح بذلك على ضرائرهن ثم قال - رحمه الله - : وأما قوله : (( وإن تحسنوا وتتقوا )) فإنه يعني : وإن تحسنوا أيها الرجال في أفعالكم إلى نسائكم إذا كرهتم منهن دمامة أو خلقًا أو بعض ما تكرهون منهن بالصبر عليهن وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف (( وتتقوا )) يقول : وتتقوا الله فيهن بترك الجور منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم من القسمة له ، والنفقة ، والعشرة بالمعروف (( فإن الله كان بما تعملون خبيرًا )) يقول : فإن الله كان بما تعملون في أمور نسائكم أيها الرجال من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف والجور عليهن فيما يلزمكم لهن ويجب خبيرًا ، يعني : عالمًا خابرًا ، لا يخفى عليه منه شيء ، بل هو به عالم ، وله مُحصٍ عليكم حتى يوفيكم جزاء ذلك ، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته .
                              • أما ابن كثير – رحمه الله – فقال : فإذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها فلها أن تُسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: (( فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا )) , ثم قال : (( والصلح خير )) أي : من الفِراق ، وقوله : (( وأحضرت الأنفس الشح )) أي : الصلح عند المشاحة خير من الفراق ، وأورد ابن كثير - رحمه الله - جملة آثار ، ثم قال : ولا أعلم في ذلك خلافًا أن المراد بهذه الآية هذا . والله أعلم .
                              ثم قال - رحمه الله - : وقوله : (( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعلمون خبيرًا )) وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوةَ أمثالهن فإن الله عالم بذلك وسيجزكم على ذلك أوفر الجزاء .
                              • وأورد القرطبي- رحمه الله - نحوًا مما تقدم ، وقال : قال علماؤنا : وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة بأن يُعطي الزوج على أن تصبر هي ، أو تعطي هي على أن يؤْثر الزوج ، أو على أن يؤْثر ويتمسك بالعصمة ، أو يقع الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء فهذا كله مباح .
                              وقال - رحمه الله - في قوله تعالى : (( وأحضرت الأنفس الشح )) , إخبار بأن الشح في كل أحد، وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره ، يقال : شَحَّ يَشِحُّ ( بكسر الشين ) قال ابن جبير : هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها ، وقال ابن زيد : الشح هنا منه ومنها , وقال ابن عطية : وهذا أحسن ؛ فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها ، والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة .

                              (5) ذهب جمهور العلماء إلى أن المخاطب بقوله تعالى : (( فابعثوا حكمًا ... )) هم الحُكَّام ، بينما ذهب آخرون إلى أن المراد : الرجل والمرأة .

                              (6) وقد طُلِّقَت أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنها - من زوجها زيد بن حارثة ( مع فضلهما وورعهما ) قال الله تعالى : (( فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ... )) الأحزاب/37 .

                              (7) أخرجه البخاري (3364) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

                              تعليق

                              • بسمـة
                                بصمة عطاء
                                • Sep 2010
                                • 2049

                                #30

                                خِدمةُ المَرأةِ في بيتِ زَوْجِها ومُعاونةُ الزَّوْجِ لها

                                ويُستحَبُّ للمرأةِ أن تقومَ على خِدمةِ زَوْجِها وأولادِها في البيت قَدْرَ استطاعتِها ، فهِيَ راعيةٌ ومسئولةٌ عن رَعِيَّتِها ، وهـذا شأنُ فُضلياتِ النساءِ مِن الصحابياتِ وغيرهِنَّ .

                                • فقد كانت أسماء بنت أبي بكر - رضيَ اللهُ عنها - تعلف فرسَ الزُّبير ، وتستقي الماءَ ، وتنقلُ النَّوَى على رأسِها (1) .

                                • ولمَّا جاءت فاطمةُ بنت رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - إلى رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرَّحَى ، وبلَغَها أنه جاءه رقيقٌ (2) ، فلم تُصادفه ... الحديث ، وفيه أنَّ النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال لها : (( ألا أدلكما على خيرٍ مِمَّا سألتُما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشِكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين ، واحمد ثلاثًا وثلاثين ، وكَبِّرا أربعًا وثلاثين ، فهو خيرٌ لكما مِن خادم )) (3) .

                                • ولَمَّا تَزَوَّجَ جابرُ بن عبد الله - رضي اللهُ عنهما - امرأةً ثَيِّبًا ، وقال له رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( فهلَّا جارية تُلاعِبُها وتُلاعِبُك ، وتُضاحِكُها وتُضاحِكُك ؟ )) قال فقلتُ له : إنَّ عبدَ الله ( يعني : والدَ جابر ) هلَكَ وترك بنات ، وإنِّي كرهتُ أجيئهُنَّ بمِثلِهِنَّ ، فتَزَوَّجتُ امرأةً تقومُ عليهِنَّ ، وتُصلحهُنَّ (4) .

                                • وأثنى رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على نساءِ قُريشٍ بقولِهِ : (( خيرُ نِساءٍ رَكِبنَ الإبل صالِحُ نِساءِ قُريش ، أحناهُ على وَلَدٍ في صِغَرِهِ ، وأرعاهُ على زَوْجٍ في ذاتِ يدِهِ )) (5) .

                                • وينبغي أن يُساعِدَ الرجلُ أهلَهُ في عمل البيت ، فقد تقدَّمَ أنَّ البُخاريَّ أخرج مِن طريق الأسود بن يزيد ، أنَّه سألَ عائشةَ رضي اللهُ عنها : ما كان النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يَصنعُ في البيت ؟ قالت : كان يكونُ في مِهنةِ أهلِهِ ، فإذا سَمِعَ الأذانَ خَرَج (6) .


                                ______________________________

                                (1) أخرج البخاري حديث (5224) ، ومسلم (2182) من حديث أسماء - رضي الله عنها - قالت : تَزَوَّجني الزُّبيرُ وما له في الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيءٍ غير ناضحٍ وغير فرسِهِ ، فكنتُ أعلِفُ فرسَهُ ، وأستقي الماءَ ، وأحرزُ غَربَه ( الغَرب : هو الدَّلْو الكبير ، ومعنى أخرز غربه أي : أُخَيِّطُه إذا انقطع ) ، وأعجِنُ ولم أكن أُحسِنُ أَخبزُ ، وكان يَخبِزُ جاراتٌ لي من الأنصار ، وكُنَّ نِسوةَ صِدق .
                                وكنتُ أنقِلُ النَّوَى مِن أرض الزُّبَير التي أقطَعَهُ ( أيْ : أعطاه ) رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على رأسي ، وهي مِنِّي على ثُلُثي فَرسخ .

                                (2) رقيق : أي خدم .

                                (3) أخرجه البخاري حديث (5361) ، ومسلم (ص 2091) .

                                (4) أخرجه البخاري حديث (5367) ، ومسلم (ص 1087) .

                                (5) أخرجه البخاري حديث (5365) ، ومسلم (2527) .

                                (6) البخاري حديث (5363) .

                                تعليق

                                يعمل...