
د.محمد العريفي

ما دمت ملزماً فاستمتع.

هكذا كنت أقول لشاب أصيب بمرض السكر، فكان يشرب الشاي من غير سكر، و يتأسف لحاله، كنت أقول له: هل إذا تأسفت و حزنت أثناء شربك الشاي، هل تنقلب المرارة حلاوة؟ قال: لا. قلت : ما دمت ملزماً، فاستمتع. أعني لن تأتي الدنيا دائماً على ما نحب. و هذا يقع في حياتنا كثيراً، سيارتك قديمة، مكيف لا يشتغل، مراتب ممزقة، و لا تستطيع حالياً تغييرها، ما الحل؟
مادمت ملزماً فاستمتع.
تقدمت للدراسة في الجامعة، فقبلت في كلية لا ترغب في الدراسة فيها، حاولت تعديل الحال فلم تستطع، فاضطررت لمواصلة الدراسة، و أكملت سنتين أو ثلاث، فما الحل؟
مادمت ملزماً فاستمتع.
تقدمت لوظيفة فلم تقبل، وقبلت في أخرى، و بدأت دوامك فيها، فما الحل؟
خطبت فتاتاً فرفضت، و تزوجت آخر، فما الحل؟
ما دمت ملزماً فاستمتع.
كثير من الناس يجعل الحل هو الاكتئاب الدائم، و التأفف من واقعه، و كثرة التشكي إلى من عرف و من لا يعرف. و هذا لا يرُدُّ إليه رزقاً فاته، و لا يعجل برزق لم يكتب له، إذن ما الحل؟
إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
العاقل هو الذي يتكيف مع واقعه كيفما كان، ما دام لا يستطيع التغيير إلى الأحسن، احد أصدقائي كان يشرف على بناء مسجد، فضاقت بهم النفقة، فتوجهوا إلى أحد التجار للاستعانة به في إكمال البناء، فتح لهم الباب، جلس معهم قليلاً، و أعطاهم ما تيسر، ثم اخرج دواء من جيبه و جعل يتناوله، قال له أحدهم: سلامات، عسى ما شر !! قال: لا، هذه حبوب منوّمة، منذ عشر سنين لا أنام إلا بها. دعوا له، و خرجوا. فمروا على حفريات و أعمال طرق عند مخرج المدينة، و قد وضع عندها أنوار تعمل بمولد كهربائي قد ملأ الدنيا ضجيجاً. ليس هذا هو الغريب. الغريب أن حارس المولد هو عامل فقير قد افترش قصاصات جرائد، و ناااام. نعم عش حياتك، لا وقت فيها للهمّ، تعامل مع المعطيات التي بين يديك، خرج صلى الله عليه و سلم مع أصحابه في غزوة فقلَّ طعامهم، و تعبوا، فأمرهم، أن يجمعوا ما عندهم من طعام، و فرش رداءه، و صار الرجل يأتي بالتمرة، و التمرتين، و كسرة الخبز، و كلها تجتمع فوق هذا الرداء، ثم أكلوا، و هم مستمتعون ربما لم يشبع منهم أحد. لكنه على الأقل أكل ما يسد به رمقه. و الجود من الموجود.




تعليق