في مجلس الأمير
التقى كذّابان عند أحد الأمراء الأذكياءِ، وكان من عادةِ هذا الأميرِ أن يدعوَ الناسَ إلى مجلسٍ يقيمهُ عصرَ كلِّ خميسٍ. فازدحمَ الحاضرون في ذلك اليومِ، وكثُرَ المتحدّثون، فهذا يُنشدُ شِعراً، وذلك يطرحُ لُغزاً، وذلك يحكي أغربَ ما وقع له من حوادث!!
فالتفتَ الأميرُ إلى رجلٍ كان صامتاً طولَ الوقتِ، وقال له:
- حدثْنا عن أغربِ ما مرَّ بكَ في حياتِكَ!
قال الرجلُ: أطالَ اللهُ بقاءَ الأميرِ، إنما أنا رجلٌ صَيّادٌ، وعجائبُ الصيدِ كثيرةٌ؟!
قال الأميرُ: حدّثنا عن آخرِ ما وقعَ لكَ.
صمتَ الرجلُ قليلاً، مما جعل الحاضرين يزدادون شوقاً للسَّماع منه، ثم تنحنحَ وقال: خرجتُ مرةً إلى الصيدِ، وأنا أركبُ فَرَساً لي، ولما قطعتُ مسافةً كبيرةً في الصحراءِ فاجأتني قطعةٌ من الليلِ مظلمةٌ، كانت قد نسيتْ نَفَسها، ولم ترحلْ مع الليلِ، فاتّجهتُ إليها، وما زلتُ أدخلُ فيها، وأضربها بسيفي، وأصيحُ بأعلى صوتي:
(ذهبَ الليلُ أيتها النائمةُ، ونحن في منتصف النهار)
إلى أن بُحَّ صوتي، وفَتَرَ عَزمي، وكادت فرسي تسقطُ من شِدَّةِ التعبِ.
ولكنَّ قطعةَ الليلِ انتبهتْ بعد ذلك، وجعلتْ تتقلَّصُ.. وتتقلص.. ثم تعلو.. وتعلو إلى أن غابتْ عن الأنظار.
وأحمدُ الله أنني لم أكنْ وحدي، بل كان معي شاهدان: فَرَسي، وسَيفي.
دُهِشَ الحاضرون مما سمعوا!! ونظروا إلى الأميرِ ليعرفوا رأيهُ فيما قال الرجلُ!!؟
فرفع الأميرُ رأسهُ بعد صمتٍ، وقال:
- إنه لأمرٌ غريبٌ جداً، ولقد تمنيتُ لو أنّكَ أحضرتَ معكَ الشاهدين: فرسكَ، وسيفك.
وبينما هم كذلك نهض رجلٌ كان في المجلسِ، فالتفتَ الحاضرون إليه، فقال:
- أيعجَبَ الأميرُ من هذا؟!! إنَّ الغرائبَ التي نلقاها في الصيدِ أكثرُ من ذلك بكثيرٍ، وما هذه الحادثةُ سوى حادثةٍ قليلةِ الشأنِ إلى جانب ما رأيتُ في الصحراءِ، في أثناءِ الصيدِ..
ثم صمتَ فالتفتَ الحاضرون إلى الأمير، وكأنهم يلتمسونَ منه أن يطلبَ إليه أن يحدِثهم، فأدركَ الأميرُ ذلك، وقال:
- حدثنا عن إحدى هذه الغرائبِ!
صمتَ الرجلُ قليلاً، وكأنه يتذكّرُ شيئاً، وبدا عليه مظهرُ الجدِّ، وقال:
-خرجتُ في ذاتِ يومٍ إلى الصيدِ فرأيتُ غزالاً رشيقاً، فأخذتُ سهماً من جعبتي ورميتُه به، وأنا أقول له:
(لا تعدْ أيها السهم إلا والغزال معكَ)
فانتبهَ الغزالُ للسهمِ وهو يتبعُهُ فغيَّرَ طريقَه إلى اليمين، فحوَّلَ السهمُ سيرَهُ، واتَّجه إلى اليمينِ! ثم غيّر السهمُ وجهتَه إلى اليسار، فتبعهُ السهمُ متجهاً إلى اليسار! ثم صَعِدَ الغزالُ إلى الفضاءِ وجعلَ يعلو.. ويعلو يدخلُ في سَحابةٍ ثم يخرجُ منها ليدخلَ في أخرى والسهمُ يتبعه لا يخطئُ طريقه.
ولما تعبَ الغزالُ عاد وانحدرَ إلى أسفلَ، ففعلَ السهمُ كذلك ثم عادَ الغزالُ فصعِدَ في الفَضاءِ، والسهمُ خلفَه حتى غابا عن نظري، ولم أرَ لهما أثراً؟!!
تعجَّبَ الحاضرون، وجعلوا ينظرون إلى الأميرِ وهو يبتسم، ثم قال –وهو يوجّه كلامه إلى الرجلين-:
- هل تلتقيان في الصحراءِ عندما تخرجان إلى الصيدِ؟
قال أحدهما: أحياناً.
قال الأميرُ لصاحب الغزالِ: هل تعرفُ أينَ ذهبَ سَهمكَ؟
قال الرجلُ: لا أعرفُ، لأنني ما رأيتُه بعد ذلك.
قال الأمير: يخطرُ لي أن السهمَ والغزالَ قد دخلا في قطعةِ الليلِ التي كانت نائمةً، ولما أيقظَهما صاحبكَ بصوته، وسيفه، وفرسه، صعِدا إلى الفضاء، ولعلهما حائران لا يعرفان كيف يعودان إليكَ!!؟
ضحكَ الحاضرون، واستحيا الرجلان، وقد أحسّا أن الجميعَ عرفوا كذبهما، وقالا:
نعدك –أيها الأمير- أن لا نذهبَ إلى الصيدِ بعدَ اليوم.
قال الأميرُ: بل تذهبان، ولكن عندما تقصّان على أحدٍ قصص الصيد تتذكّران أن الكثيرين يعرفونَ الصيدَ والصحراءَ، كما يعرفون السهمَ والغزالَ.
التقى كذّابان عند أحد الأمراء الأذكياءِ، وكان من عادةِ هذا الأميرِ أن يدعوَ الناسَ إلى مجلسٍ يقيمهُ عصرَ كلِّ خميسٍ. فازدحمَ الحاضرون في ذلك اليومِ، وكثُرَ المتحدّثون، فهذا يُنشدُ شِعراً، وذلك يطرحُ لُغزاً، وذلك يحكي أغربَ ما وقع له من حوادث!!
فالتفتَ الأميرُ إلى رجلٍ كان صامتاً طولَ الوقتِ، وقال له:
- حدثْنا عن أغربِ ما مرَّ بكَ في حياتِكَ!
قال الرجلُ: أطالَ اللهُ بقاءَ الأميرِ، إنما أنا رجلٌ صَيّادٌ، وعجائبُ الصيدِ كثيرةٌ؟!
قال الأميرُ: حدّثنا عن آخرِ ما وقعَ لكَ.
صمتَ الرجلُ قليلاً، مما جعل الحاضرين يزدادون شوقاً للسَّماع منه، ثم تنحنحَ وقال: خرجتُ مرةً إلى الصيدِ، وأنا أركبُ فَرَساً لي، ولما قطعتُ مسافةً كبيرةً في الصحراءِ فاجأتني قطعةٌ من الليلِ مظلمةٌ، كانت قد نسيتْ نَفَسها، ولم ترحلْ مع الليلِ، فاتّجهتُ إليها، وما زلتُ أدخلُ فيها، وأضربها بسيفي، وأصيحُ بأعلى صوتي:
(ذهبَ الليلُ أيتها النائمةُ، ونحن في منتصف النهار)
إلى أن بُحَّ صوتي، وفَتَرَ عَزمي، وكادت فرسي تسقطُ من شِدَّةِ التعبِ.
ولكنَّ قطعةَ الليلِ انتبهتْ بعد ذلك، وجعلتْ تتقلَّصُ.. وتتقلص.. ثم تعلو.. وتعلو إلى أن غابتْ عن الأنظار.
وأحمدُ الله أنني لم أكنْ وحدي، بل كان معي شاهدان: فَرَسي، وسَيفي.
دُهِشَ الحاضرون مما سمعوا!! ونظروا إلى الأميرِ ليعرفوا رأيهُ فيما قال الرجلُ!!؟
فرفع الأميرُ رأسهُ بعد صمتٍ، وقال:
- إنه لأمرٌ غريبٌ جداً، ولقد تمنيتُ لو أنّكَ أحضرتَ معكَ الشاهدين: فرسكَ، وسيفك.
وبينما هم كذلك نهض رجلٌ كان في المجلسِ، فالتفتَ الحاضرون إليه، فقال:
- أيعجَبَ الأميرُ من هذا؟!! إنَّ الغرائبَ التي نلقاها في الصيدِ أكثرُ من ذلك بكثيرٍ، وما هذه الحادثةُ سوى حادثةٍ قليلةِ الشأنِ إلى جانب ما رأيتُ في الصحراءِ، في أثناءِ الصيدِ..
ثم صمتَ فالتفتَ الحاضرون إلى الأمير، وكأنهم يلتمسونَ منه أن يطلبَ إليه أن يحدِثهم، فأدركَ الأميرُ ذلك، وقال:
- حدثنا عن إحدى هذه الغرائبِ!
صمتَ الرجلُ قليلاً، وكأنه يتذكّرُ شيئاً، وبدا عليه مظهرُ الجدِّ، وقال:
-خرجتُ في ذاتِ يومٍ إلى الصيدِ فرأيتُ غزالاً رشيقاً، فأخذتُ سهماً من جعبتي ورميتُه به، وأنا أقول له:
(لا تعدْ أيها السهم إلا والغزال معكَ)
فانتبهَ الغزالُ للسهمِ وهو يتبعُهُ فغيَّرَ طريقَه إلى اليمين، فحوَّلَ السهمُ سيرَهُ، واتَّجه إلى اليمينِ! ثم غيّر السهمُ وجهتَه إلى اليسار، فتبعهُ السهمُ متجهاً إلى اليسار! ثم صَعِدَ الغزالُ إلى الفضاءِ وجعلَ يعلو.. ويعلو يدخلُ في سَحابةٍ ثم يخرجُ منها ليدخلَ في أخرى والسهمُ يتبعه لا يخطئُ طريقه.
ولما تعبَ الغزالُ عاد وانحدرَ إلى أسفلَ، ففعلَ السهمُ كذلك ثم عادَ الغزالُ فصعِدَ في الفَضاءِ، والسهمُ خلفَه حتى غابا عن نظري، ولم أرَ لهما أثراً؟!!
تعجَّبَ الحاضرون، وجعلوا ينظرون إلى الأميرِ وهو يبتسم، ثم قال –وهو يوجّه كلامه إلى الرجلين-:
- هل تلتقيان في الصحراءِ عندما تخرجان إلى الصيدِ؟
قال أحدهما: أحياناً.
قال الأميرُ لصاحب الغزالِ: هل تعرفُ أينَ ذهبَ سَهمكَ؟
قال الرجلُ: لا أعرفُ، لأنني ما رأيتُه بعد ذلك.
قال الأمير: يخطرُ لي أن السهمَ والغزالَ قد دخلا في قطعةِ الليلِ التي كانت نائمةً، ولما أيقظَهما صاحبكَ بصوته، وسيفه، وفرسه، صعِدا إلى الفضاء، ولعلهما حائران لا يعرفان كيف يعودان إليكَ!!؟
ضحكَ الحاضرون، واستحيا الرجلان، وقد أحسّا أن الجميعَ عرفوا كذبهما، وقالا:
نعدك –أيها الأمير- أن لا نذهبَ إلى الصيدِ بعدَ اليوم.
قال الأميرُ: بل تذهبان، ولكن عندما تقصّان على أحدٍ قصص الصيد تتذكّران أن الكثيرين يعرفونَ الصيدَ والصحراءَ، كما يعرفون السهمَ والغزالَ.
مشكورة.والله قصة رائعة استمتعت انا كذالك عند قراءتها.
.



تعليق