السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
هذه أجوبة لقاء شبكة التفسير مع الأستاذ الدكتور عبد العزيز القارئ أحد أساتذة الدراسات القرآنية المعاصرين الذين لهم أثر بارز في الدراسات القرآنية، ولهم جهود مشكورة في طباعة المصحف وتولي أمور إدارية علمية تختص بالقرآن وعلومه ، نقلت منها ما يناسب مقامنا و حدود علمنا الآن ..
ـ شبكة التفسير: ما نصيحتكم للقراء وحفاظ القرآن في هذا الزمن ؟
د. عبد العزيز القارئ : اليوم ـ والحمد لله ـ هناك إقبالٌ عظيمٌ على حفظِ القرآن وتجويده ، من الذكور والإناث والصغار والكبار، وهذا من مظاهر الصحوة العامة التي انتشر نورها في كل مكان، وأنا أرى أن كل هذا إرهاصاتٌ لفجرٍ قادم سينبلج إن شاء الله ونصرٍ مُؤزَّرٍ يتحقق بحول الله .
نصيحتي لمن اشتغل بالقرآن الكريم أن يخلصوا النيةَ فيهِ أولاً ؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى أن يُتأَكَّلَ بالقرآن فقال : ( اقرأوا القرآنَ ولا تأكُلُوا بهِ ولا تَجْفُوا عنه ولا تَغْلُوا فيه ) رواه أحمد ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( اقرأوا القرآنَ من قبل أَنْ يأتِيَ قومٌ يُقِيمُونَهُ إقامَةَ القِدْحِ يتعجَّلُونه ولا يتأجَّلُونه ) رواه أبو داود .
وهناك نصيحةٌ تتعلَّق بالبدايةِ وأخرى تتعلَّق بالدوام والثباتِ ، أما التي تتعلَّقُ بالبدايةِ فهي أن يحرص المبتدئُ أو يَحْرصَ وليُّهُ إنْ كانَ صغيراً على تَلَقِّي القرآنِ وتجويدِهِ على مُتْقِنٍ مشهودٍ له بالإتقانِ والفصاحةِ في الحروفِ والإِجادَةِ في تطبيقِ الأحكامِ؛ حتى ينشأَ لسانُهُ على النُّطْقِ الصحيح ؛ فإنه إذا نشأَ منذُ البدايَةِ على غير ذلك تَعَسَّرَ بعد ذلك إصلاحُهُ ؛ وقد سمعنا بعضَ المشهورين من أهل المحاريب يَلْحَنُ في بعضِ الحروفِ ويُخِلُّ بِهَا ، وصَعُبَ عليه إصلاحُهَا ، وتبيَّنَ أنَّ سبَبَهُ تَلَقِّيهِ القرآنَ منذ البدايةِ على غير المتقنين؛ فانطبع لسانُهُ على هذا الخللِ ..
وهذا ـ والله أعلم ـ من أسرار قولِ النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة : ( خذوا القرآنَ من أربعةٍ : من عبدِ الله بن مسعود ، وسالمٍ ، ومعاذٍ ، وأُبيِّ بْنِ كعبٍ ) فإن القراءَ من الصحابة غير هؤلاء كثيرٌ؛ وإنما خَصَّهم بالذكر لقوة إتقانهم أكثرَ من غيرهم.
وأما النصيحةُ التي تتعلَّقُ بالدوام والثبات : فإنني أوصيهم بالحرص على استذكار القرآن، وأن يكون للقارئ كلَّ يوم وِرْدٌ من القرآن يقرؤه لا يقلُّ عن جزءٍ ؛ وهذا يُفْهَم من قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبدِ الله بْنِ عمرو بن العاص : ( اِقْرَأْه في شهر ـ أو في ثلاثين ـ ) ثم تدرَّجَ به وهو رضي الله عنه يقول : إني أُطيقُ أفضلَ من ذلك . حتى قال له صلى الله عليه وسلم : ( اقرأه في سَبْعٍ ) قال : إني أُطيق أفضلَ من ذلك . قال صلى الله عليه وسلم : ( لاَ أفضلَ من ذلك ) ، وكان الخَتْمُ في سَبْعٍ حِزْبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو أفضلُ الأحوالِ في هذا المجالِ؛ لكنه صلى الله عليه وسلم بَدَأَ بالثلاثين؛ أي كلَّ يوم يقرأ جزءاً ؛ فدلَّ على أن هذا أولُ المراتب وأدناها في الاستذكار، ويبدو أيضاً أن التابعين الذين قسَّمُوا المصحفَ إلى ثلاثين جزءاً أخذوه من هذا الأصل .
ومما يساعد على الاستذكار التعاونُ على ذلك ؛ فإذا اتفق اثنان أو ثلاثة على أن يجتمعوا كلَّ يوم في مسجدٍ أو في أيِّ مكانٍ مناسبٍ فيتذاكرون القرآنَ فهذا من أفضل القُرُبَاتِ من جهةٍ ، ومن أحسنِ الوسائلِ المساعدةِ على المحافظةِ على الحِفْظِ ..
وما رأينا في زماننا هذا أقوى حفظاً من الشيخ علي جابر رحمه الله فقد صلَّى التَّهَجُّدَ وحدَهُ في المسجد الحرام في أحد الأعوام؛ فما تَردَّدَ ولا تَلَجْلَجَ ولا أخطأ ؛ ولما سألْتُه عن سرِّ قوةِ حفظِهِ أجابَ بأنه يراجع كلَّ يوم جزءاً من القرآن ، وفي شهر شعبان يراجع ثلاثةَ أجزاء ، وأنه لم يترك ذلك لا في سفر ولا في حضر ولا في مرض ..
وَلْيحرص أهلُ القرآن على إتقانِ تجويدِهِ فإنه مراتب؛ فلْيَحرصوا على أن يَصِلُوا إلى أعلى مراتبِ الإتقانِ ..
ولا يلتفتوا إلى المُعَوِّقَاتِ ، وأسوَؤُهَا في هذا الزمان فَتْوَى بعضِ الناسِ بعدم وجوبِ التجويد ، ومثلُ هذه الفتوى هي من نوازلِ هذا العصرِ ؛ لم يُعْهَدْ فيمَنْ تَقَدَّمَ مَنْ يُفتِي بذلك؛ فإن كانت من عالِمٍ فهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإن كانت من جاهلٍ فيجب أن يُؤَدَّب إن كان لِحِمَى العلمِ اليومَ حُرَّاسٌ.
ـ شبكة التفسير : يقال إنكم من المتشددين في المخارج والصفات ، ولا سيما في حرف ( الضاد ) فما ردكم على ذلك ، وما ضابط التشدد ؟.
د. عبد العزيز القارئ : مسألةُ تجويدِ القرآنِ لا يجوز التساهلُ فيها ؛ فالتجويدُ واجبٌ على كل مكلَّفٍ يقرأُ القرآنَ ؛ وكلٌّ على حَسَبِ طاقتِهِ؛ لكن لا يجوز شرعاً للقادر على تجويده أن يقرأه بلا تجويد ؛ بل عليه أن يتعلَّمَ التجويدَ، وأن يُطبِّق أحكامَهُ على قراءتِهِ.
وقد بَيَّنْتُ الأدلَّةَ على هذا في بابٍ أفْرَدْتُهُ لِذَلِكَ في كتابي " سنن القراء " ..
ولا فرْقَ في ذلك بين الضادِ وبين غيره من حروفِ القرآنِ إذ لا تصح القراءَةُ مع الإخلالِ بالحرف، كما لا تصح مع الإخلالِ بالإِعرابِ.
وأكثرُ الناس في هذا العصر لا يتقنون النطقَ بالضادِ؛ حتى أهلُ لغةِ الضادِ ؛ بل ينطقونها في الغالب دالاً أو طاءاً أو ظاءاً خالصةً ؛ وكلُّ ذلك لحْنٌ جلِيٌّ.
ولقد استمعْتُ إلى ثلاثةٍ من الأئمةِ الكبارِ في القراآت في هذا العصر فوجدْتُ نطقَهُمْ بالضادِ واحداً لا يختلِفُ، وهم :
الشيخ عامرٌ بْنُ السيد عثمان رحمه الله ، والشيخ أحمدُ عبد العزيز الزيات رحمه الله ، والشيخ كُرَيِّم راجح حفظه الله ، وهو شيخ القراء بدمشق الشام ؛ فمن أراد أن يتقن النطقَ بهذا الحرف فعليه أن يَتَلقَّاهُ من المتقنين .
ـ شبكة التفسير : ما رأيكم في التكبير عند الختم ، وهل يسوغ لأحد أن يعده من البدع ؟
د. عبد العزيز القارئ : بَيَّنْتُ هذه المسألةَ في بابٍ أفرَدْتُهُ لَهَا في كتابي " سنن القراء " وذكرْتُ فيه قولَ ابن الجزري إنه مرويٌّ لجميع القراء، وذكرتُ فيه قولَ الإمام الشافعي لَلْبَزِّيِّ : " إنْ تركْتَ التكبيرَ فقد تركْتَ سُنَّةً من سُنَنِ نبيِّكَ" رواه الداني بإسناده في " جامع البيان"..
وذكر ابنُ كثير في تفسيره مثلَهُ عن أبي محمدٍ الحسنِ القرشيِّ [ تفسير ابن كثير 2 / 522 ] ..
وثبت عن مجاهدٍ ، وابنِ جُرَيجٍ، وابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، وغيرِهِم، وهو سنة المكيين لا يتركونها أبداً ، ولا يعتبرون رواية البزي ولا غيره ..
أقولُ : فمن وصَفَ مثلَ هذا بأنه بدعةٌ فهذا جهلٌ منه وتَهَوُّرٌ.
ـ شبكة التفسير : ما رأيكم في قراءة دعاء ختم القرآن في الصلاة ؟
د. عبد العزيز القارئ : هو مذهب التابعين بمكةَ وبالبصرةِ ، ويَرْوِي أهلُ المدينةِ فيه شيئاً، ويُذْكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ..
وإليه ذهَبَ الإمامُ أحمد ؛ ولما سُئِلَ عن دليلِهِ قال : " رأيْتُ أهلَ مكةَ يفعلونه، وكان سفيانُ بن عيينة يفعله معهم بمكة ".
وهذا النوع من الاستدلال من الإمام أحمد رحمه الله يُعلِّمنا شيئاً كثيراً عن مناهج الأئمة المجتهدين في الاستدلال ، فهو لم يستدلَّ بنصٍ مرفوعٍ أو موقوفٍ ؛ بل بعملِ أهلِ مكةَ؛ أي عملِ التابعين بمكة وتابعي التابعين؛ لأنه مثَّلَ بسفيان بن عيينة ؛ وهو من أتباع التابعين ؛ فهذا يشبه استدلالَ مالكٍ رحمه الله بعملِ أهلِ المدينةِ.
وقد رأيْنَا جميعاً قوة تأثيرَ هذا الدعاءِ في الحرمين ؛ لأنه يجتمع فيه أسبابٌ عظيمةٌ : بركةُ المكانِ ، وبركةُ الزمانِ ، وبركةُ القرآنِ، وجَوْدَةُ انتقاءِ الأدعيةِ، وتَنْغِيمُهَا ؛ فإنَّ ذلك أَوْقَعُ في النفس؛ ولم يَفْقَهْ من قال : إنَّ تنغيمَ الدعاءِ بهذا الشكل بدعة، لقد أدركْتُ المفتي الأكبرَ سماحةَ الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وكان يُنَغِّم خطبةَ الجمعةِ، وحضرْتُ عند سماحةِ الشيخ ابن باز رحمه الله وهو يُقْرَأُ عليه من كتبِ العِلْمِ بالتنغيمِ ويُقِرُّ ذلك؛ بل ويعجبُهُ ، ولَمْ أُدْرِكْ أحداً من أهلِ العلمِ والفقهِ في زماننا أَشَدَّ على البدع من هذين الإمامين ..
لكن هناك مبالغةٌ في التطويلِ في دعاءِ الختم؛ وسببُهُ تِكرارُ الأدعيةِ ، أحياناً تكرارُهَا لفظاً ومعنىً، وأحياناً تكرارُهَا معنىً؛ فينبغي إجادَةُ اختصارِهَا كما أجادوا انتقاءَهَا ، وينبغي أيضاً اختيارُ الأدعيةِ الجامعةِ الثابتةِ بدلاً من الحرص على السجع المُتكَلَّف .
لرؤية اللقاء كاملا مع ترجمة الشيخ :
××××
منقول للإفادة
















LinkBack URL
About LinkBacks



رد مع الاستدلال
























الروابط المفضلة