استيقظت اليوم علي صياح امي وبعض عبارات التأنيب بسبب نومي حتي هذا الوقت المتأخر
**هيا حلا.........انهضي...انسيتي موعدنا اليوم!!
تململت في سريري، ثم نهضت في مكاني احاول ان افتح عيني فيهب ضوء الصباح من النافذة يخترقها بقوة ويدعوها للغفلة مرة اخري....فكنت ارجوها قائلة:
**اذهبي انت يأمي من فضلك....فهذا اجتماع لسيدات في مثل عمرك، وليس هناك من هي في عمري او مايقاربه
نظرت لي أمي بحدة وقد علا صوتها:
**لا ياحلا.......ستأتين معي شئت ام ابيت، وهيا انهضي فقد اعددت لك قناع الزبادي الذي يضيئ وجهك.......والعسل الذي يغذي شعرك ويعيد رونقه وجماله...هيا هيا
فأدركت بالطبع ان هذا حكما نهائيا...............لا رجعة فيه
نهضت متأففة من تحكمات امي، لا اعلم متي ستدرك ان الزواج كالرزق وان نصيبي-المكتوب لي من قبل ان اتي لهذه الدنيا- سيأتيني لا محالة...من دون اجتماعات نسائية....او افراح....او زيارات مفتعلة للاقارب.....صحيح اني بلغت التاسعة والعشرون....لكني جميلة بشهادة الجميع ولم اسمح لنفسي بأن تتأثر بالتعليقات والشفقات التي اتلقاها من كل من حولي......ولا من تلك الحسرات التي تطل من اعينهم بل ومن السنتهم كلما رأوني
**مسكينة.....اين هم الرجال فاقدي البصر ليروا هذا الجمال؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
بل وفي احيان اخري تلدغني احداهن بالسؤال المرير مر العلقم...وهي تمسك بيدي وتعبث بها:
**لماذا لم تتزوجي بعد؟!!!!!!!!!!!!!
سؤال لا املك له سوي ردا واحدا تقليديا..........."انه النصيب"
قمت بطرح تلك الافكار القارسة جانبا....فلم اشأ تعكير مزاجي وفكري اليوم................ككل يوم
وقمت بتلطيخ وجهي بالزبادي.........وشعري بالعسل....حتي هجمت كل قبائل النمل من مشارق الارض ومغاربها.
وأخيرا وبعد الوقوف ساعتين كاملتين امام المرآة حتي هيئ لي انها تكاد تنطق من هول الضجر مني:
**" لقد مللت من وقوفك امامي بالساعات...ارجوك ابحثي لك عن مرآة غيري...ودعيني جانبا"
جاءت امي لتلقي نظرتها الاخيرة فكل شئ يجب ان يكون تحت اشرافها....وكعادتها دائما...مصمصت شفتيها ثم قالت جملتها المعتادة:
**ماشاء الله يابنتي......جميلة كالبدر المنير.....لكن حظك...
اةةةة يامي...كفاك طعنا لي، ليتك تدركين ان تعليقاتك تلك تؤذيني وتؤلمني في صميم قلبي....فحاولت ان اغير مسار الحديث ببهجة مفتعلة قائلة:
**لا يامي..حظي ليس قليل...يكفيني رضائك عني.....هيا بنا حتي لاتسبقك احداهن فتسرق مني العريس المرتقب......فقد شحوا تلك الايام...
**انت هكذا.....تاخذين كل شئ علي محمل الاستخفاف............هيا بنا
وهناك....لم تكف امي طيلة الجلسة عن ابداء مزاياي ومحاسني التي لا يتصف بها احد غيري، وبان الله لم يلهمني فقط جمال الخلقة...بل وهبني ايضا جمال الاخلاق، وظلت تشيد بطبعي الهادئ الرزين وادبي الذي لا مثيل له، وبأنني ربة بيت من الطراز الاول اصنع جميع الاصناف بمهارة......ولا بأس في غمرة حديثها من الاتيان بالبرهان موجهة حديثها الي قائلة:
** هيا حلا....اخبري خالاتك بطريقة صنع المعكرونة بالبشامل التي صنعتيها بالامس والتي التهمناها انا واخيك عن اخرها.
كيف اصف لكم حالي وانا وسط هذا الجمع الغفير من النظرات التي تحيطني من رأي حتي اخمص قدماي...كنت اشعر بأنني اجلس علي صفيح ساخن يحترق ويحرقني معه..حتي اني اكاد اشتم رائحة خجلي واهدار كرامتي، وانا الفتاة ذات التسعة والعشرون ربيعا.... الفتاة المتعلمة..... والتي تجالس سيدات في اعمار امها...وتتحمل نظراتهم الحارقة لا لشئ سوي ان تعرض نفسها كالسلعة لعل احداهن تشفق علي.....فتأتي لي بعريس كما يقول الكاتالوج
وهنا...وجدت فكري يعود بالزمن للخلف، يعدو امام عيني شريط ذكريات مرت بي منذ اكثر من عشر سنوات....حينما كنت كالزهرة الندية يفوح منها رائحة خفةالظل والبهجة في كل مكان، والتي يتعجب الناس من جمالها البكر اينما حلت...حينما كان الامل والاقبال علي الحياة يملاءان كل حنايا قلبي وخلاياه...
تذكرت ايضا انكسار ذات هذا القلب وحسرته التي ملئته من كل جانب-حتي تلك اللحظات- حينما ضاع حب عمري لا لسبب سوي المظاهر الخداعة الزائفة التي لا تبني جسر السعادة المتواصل كما يتوهم البعض....فكم من اناس لديها من الاموال مالا يعد ولا يحصي........ تلتف حولها بحثا عن السعادة...............فلا تجدها.
وقتها...لم يكن ابي قد توفي بعد....مازلت اتذكر ذلك اليوم تماما وكأنه الامس.....وليس منذ عشر سنوات تجرعت فيها مرارة الوحدة والحسرة والانكسار، حينما جاء "احمد" جارنا لزيارة ابي لطلب يدي بعدما شاهدني عدة مرات خاطفة........لكنها كانت قد احدثت في قلوبنا معا تلك الشرارات المغناطيسية الجاذبة.
















LinkBack URL
About LinkBacks
رد مع الاستدلال







الروابط المفضلة