كل يوم ، وفي كل مساء .. أجلس وحيدة على هذه الصخرة الوحيدة .. وسط هذه الأرض القاحلة البعيدة .. أجلس وربما أركض لأهرب من واقعي ... أهرب إلى مكان لا يعرفني فيه أحد ... أهرب من نفسي كي أجد نفسي ... أهرب لأصبح قطرة ماء في شلال كبير مليء بالقطرات مثلي وربما ... الهاربات مثلي !! أهرب كي أصبح ورقة على شجرة تسقط بالخريف وتعود بالربيع ، وربما تسقط بالربيع وتعود بالخريف !!!
كان هذا حالي حتى جاء ذلك اليوم ؛ يوم جميل من أيام الشتاء الباردة .. الثلج حولي يملأ المكان .. السماء بيضاء ، كل شيء أبيض .. حتى الشيخ الذي يقف أمامي .. فهو أبيض البشرة والثياب ، ذو لحية كثيفة بيضاء ... كل شيء أبيض سوى عينيه ، فهما سوداوان .. نظرتهما ثاقبة ، نظرة تحمل معاني الضعف والقوة ، الانكسار والشموخ ، العزة وآثار النكسة ....
شيء ما جذبني لهذا الشيخ .. ربما هو النور في وجهه ... امتلأ قلبي بالريبة خاصة بعد أن بدأ الشيخ يكلّمني ... الصوت صادر منه ولا شك في ذلك لكن شفتاه ... لا تتحركان !! والأغرب من ذلك أنني خاطبته بنفس الطريقة ...
وكأنه كان حوار عقل ووجدان ...
ناداني الشيخ : يا ابنة الإسلام ..
أجبت : نعم
– أصغ لقولي وتنبهي
- إني أسمعك
- قد جئت لترجع أمجادي
- لبيك
- إذن هاتي يدك ...
مدّ الشيخ يده لكنه اختفى قبل أن تصل يدي إلى يده ... اختفى وتحول صوته إلى أنين بعيد ... أظلمت الدنيا ... أشجار سوداء عملاقة ظهرت ... ورائحة كريهة انبعثت ... ووحوش في المنطقة حشرت ...
ركضت .. تبعثرت بين الأشواك ... رائحة الأوساخ تزكم أنفي ... جسدي يتمزق بين الأغصان المتحركة ... أنهك جسدي ، دميت قدماي ... تعبت ... صور تمر أمام ناظري .... شموع تنطفئ ، رجل يحترق ، أشباح ترقص .... واصلت مسيري ، والدافع لا يقل غموضاً عما أراه ...ارتميت على الأرض .. استسلمت ، انتظرت الوحوش لتنهش جسدي وتقضي علي ... لكن نورًا لمحته من بعيد أعاد لي الأمل ... سرت بوهن وضعف .. يدفعني إصراري وعزمي ... وصلت لمصدر النور ...
يا إلهي .... إنه ذلك الشيخ ... يتألم وينزف ... ركضت نحوه .. رفعت رأسه وسألته بعقلي كما تحدثت معه من قبل ..
- ما بك ؟! ماذا أصابك ؟؟!
- تركني أبنائي .. يغطون في سباتهم ...
- قلت باستغراب ( أبناؤك ) ؟؟!!
- الأشباح التي شاهدتي ... هم للأسف أبنائي ... ينسبون نفسهم لي ... ساروا وراء شهواتهم ونسوا خالقهم ...
- وماذا عن باقي الصور ...
- اسألي
- الرجل المحترق ؟!..
- هذا مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم .. يحترق ويستغيث ... ولا مجيب ....
- فالشموع التي تنطفئ ؟!...
- هم أطفال يموتون بلا ذنب ... يقتلون بلا رحمة ... أطفال البوسنة والهرسك ، أطفال الشيشان ، أطفال فلسطين والعراق ولبنان ...
مرت لحظات أستوعب بها ما أسمعه ... عبراتي تدل أنني بت أعرف الحقيقة ... وألمي يقول أنني جزء من هذه الحقيقة ....
وقف الشيخ ... قال لي : عديني بأن توقظي أبنائي النائمين وتخبريهم بما أصابني ...
- أعدك
- أخشى أن تنسي يا ابنتي فالمرء رهين النسيان ...
- فقلت له وقد تحركت شفتاي لأول مرة مذ خاطبته ، وبصوت عااااالٍ ....
نقشت كلماتك في قلبي ... فاليوم أنا ابنتك ... ابنة الإسلام ...
- ابتسم الشيخ وسار ... سار دون أن يكلمني ... سار بكبرياء وعزة... دماؤه تنزف لكن ثوبه أبيض كما كان ... سار متكئا على عصى بيضاء ... سار مبتعدا عن العالم الذي ظهرت فيه الوحوش مرة أخرى ، وزادت الأشجار والأشواك ....
وعدت لأقاومهم ... لقد وعدته ... ولا بد أن أفي بوعدي
هي قصة ... خاطرة .. ألهمتني بها أنشودة رائعة ...
ستكون البداية .. وسأضع المزيد من كتاباتي المثقلة بالخجل من روعة هذا الركن ... وبانتظار تعليقاتكم واقتراحاتكم المبدعة الرائدة
















LinkBack URL
About LinkBacks












الروابط المفضلة