مرحبا بك في منتديات لكِ النسائية. إذا كانت هذه هي زيارتك الأولى، فيمكنك الإطلاع على الأسئلة المتكررة بالضغط على الزر اعلاه. قد تحتاج للتسجيل من هنا
قبل أن تتمكن من كتابة مواضيع جديدة.
هذه الآية الكريمة ترشد إلى منهج قرآني للأمة لـ النهوض من كبوتها والرقي في مدارج العز والكرامة وما أُتِيَ المسلمون إلا من قبل ضعف أخذهم له بقوّة إن الحديث عن الأخذ بقوة لكتب الله ورسالاته يتكرر في مواضع عدّة من القرآن.
ومن تأمل القرآن وجد حفاوة ظاهرة بهذه القضية، خصوصاً في قصة موسى مع قومه، في سياقات مدهشة؛ لترسل لهذه الأمة رسالة واضحة الدلالة ، في أنه لن تكون للأمة عودة صحيحة ، وتمكين في الأرض إلا إذا كانت عودتها إلى كتاب ربها قوية.
إن من أعظم أسباب الخلل في أخذ الكتاب بقوة: ضعفُ أخذ الذين أوتوا نصيباً من علم الكتابِ كتابَ الله بقوة، وعلى هذا نحتاج إلى علاج قوي والعلاج هو أن يُعْتَنى بتربية ناشئة طلاب العلم اليوم الذين هم علماء الغد على هذه المعاني وربطهم بكتاب الله تعالى على الوجه الصحيح: تلاوةً، وحفظاً، وتدبراً.
وفي كلمات السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ ما يدل على إدراكهم لخطورة مثل هذه المشكلة
فهذا سفيان الثوري يقول: العالم طبيب الدين، والدراهم داء الدين، فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره؟!
ومن تأمل في المواقف الإيجابية لأكابر العلماء ـ في عصور مختلفة ـ من الانحرافات التي تظهر في صور شتى، أدرك عظيم أثر العلماء إن صلحوا ،وأخذوا الكتاب بقوة، كما سيدرك أثرهم السيئ إذا هم ركنوا إلى الضعف والهوان، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} الحج : 18.
ولقد عبر العلامة البشير الإبراهيمي عن هذه المعضلة ، بكلمات هي نفثة مصدور ، وشكوى مكروب ، ولوعة محزون ، أشار فيها إلى وصف هذا الداء بكلام العالم المكتوي بهذه المصيبة، حيث يقول : :
"وما زاد المسلمين ضلالاً عن منبع الهداية وعماية عنها، إلا فريق من العلماء وضعوا أنفسهم موضع القدوة والتعليم ، وطوائف من غلاة المتصوفة ، انتحلوا وظيفة التربية والتقريب من الله، فهم الذين أبعدوهم عن القرآن، وأضلّوهم عن سبيله بما زينوا لهم من اتباع غير سبيله ، وبما أوهموهم أنه عالٍ على الأفهام ، وما دروا بأن من لازم هذا المذهب كفرٌ ، وهو أنه إذا كان لا يفهم فإنـزاله عبث، وأنى يكون هذا ؟! ومُنـزلُه ـ تعالت أسماؤه ـ يصفه بأنه عربي مبين ، وأنه غير ذي عوج ، وأنه ميسر للذكر ، وينعته بأنه يهدي للتي هي أقوم، وكيف يهدي إذا كان لا يفهم؟.
ومن عجيب أمر هؤلاء وهؤلاء أنهم يصدرون في شأن القرآن عن هوى لا عن بصيرة ، فبينما يسدّون على الناس باب الاهتداء به في الأخلاق التي تزكي النفس ، والعقائد التي تقوي الإرادات ، والعبادات التي تغذي الإيمان ، والأحكام التي تحفظ الحقوق ، وكل هذا داخل في عالم التكليف ، وكله من عالم الشهادة ، بينما يصدون عن الاهتداء في ذلك بالقرآن ، نراهم يتعلقون بالجوانب الغيبية منه ، وهي التي استأثر الله بعلمها ، فيخوضون في الروح والملائكة والجن وما بعد الموت ، ويتوسّعون في الحديث عن الجنة والنار ، حتى ليكادون يضعون لها خرائط مجسّمة ، وسبيل المؤمن القرآني العاقل في هذه الغيبيات أن يؤمن بها كما وردت ، وأن يكل علم حقيقتها إلى الله ، ليتفرغ لعالم الشهادة الذي هو عالم التكليف"انتهى
فلما ولد يحيى، وبلغ مبلغًا يفهم فيه الخطاب، أمره اللَّه أن يأخذ التوراة بجدٍّ واجتهاد بقوله: يا يحيى خذ التوراة بجد واجتهاد بحفظ ألفاظها, وفهم معانيها, والعمل بها, وأعطيناه الحكمة وحسن الفهم, وهو صغير السن.
السعدي
فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره ولهذا قال: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو في حال صغره وصباه.
ابن كثير
( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ) أي: تعلم الكتاب ( بِقُوَّةٍ ) أي: بجد وحرص واجتهاد
مع عظيم الثواب المترتب على قراءة القرآن، إلا أن الله تعالى أمرنا بالتدبر قول الله تعالى: {كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص : 29]
وأمرنا لتحقيق هذه الغاية ؛ لأنها الباب المشرع، والطريق الأقوى في الوصول إلى الحقيقة، وتثبيت الإيمان، وزوال الشُبَهِ، ورفع الريب، واكتساب العلوم
لو تتبعنا السنوات الماضية لوجدنا ان سبب الذل والهوان الذي أصاب هذه الامة الاسلامية هو البعد عن تدبر ايات القران وتطبيق احكامه ودرساته فالقران ليس فقط لـ التلاوة
قال ابن عمر رضي الله عنه: لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنـزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم قال: لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره! ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل"
إن الخلل الذي تواهه الأمة الإسلامية الخلل في التعامل مع كتاب الله وأن الصحابة والتابعين نبّهوا إلى هذا الخلل، وحذروا منه، ليقينهم بأن آثار هذا ستظهر على السلوك والمعاملة والأخلاق
إن الحل المناسب لهذا الخلل هو نشر التوعية ونشر علوم القران ومفهوم تدبر ايات القران وتربية جيل جديد يتعلم كل كلمة وحرف في القران ليس فقط حفظه بل التدبر اهم من الحفظ
تفسير السعدي
( لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ) أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.
تفسير البغوي
( لِيَدَّبَّرُوا ) أي: ليتدبروا, ( آيَاتِه ) وليتفكروا فيها, قرأ أبو جعفر "لتدبروا" بتاء واحدة وتخفيف الدال, قال الحسن: تدبر آياته: اتباعه
تفسير الطبري
وقوله ( كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ إِلَيْكَ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : وهذا القرآن ( كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ إِلَيْكَ ) يا محمد ( مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ) يقول: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه, وما شرع فيه من شرائعه, فيتعظوا ويعملوا به.
تعليق