رسائل النور
16-10-2007, 07:00 PM
وقفة ....
أغمض عينيك لحظة .....
د. يونس إسماعيل الفهداوي / أخصائي طب وجراحة العيون
وأنت مغمض العينين حاول أن تتفكر... وتتصور وظيفة جهاز الإبصار أو الرؤية عندك وعند إخوانك من بني الإنسان.... بل حتى عند الحيوان ! .
فالعينان ، هاتان الكرتان الصغيرتان ، هما النافذة الوحيدة التي نطل من خلالها على عالم الأشياء ، ولولاهما لما قُدّر لنا أن نرى صور الأشياء المحيطة بنا .
نعم إنها النافذة الوحيدة ؛ وإن كانت صغيرة ، لكن صغرها لم يحل بينها وبين رؤية الأشياء كلها صغيرها وكبيرها ، فمن خلالها نشاهد الحلية وتراكيبها وأجزائها المجهرية ، ثم لا تلبث إلا قليلا حتى ترسم لنا مشهداً رائعاً فسيحاً حين نجول بأنظارنا بين الكواكب السحيقة في عالم المجرة الشاسع البعيد ..
فالمسافة بعيدة والبون شاسع والفارق كبير بين الصورة الأولى والصورة الأخرى .. لكن لكُلٍ جماله وروعته ودهشته !! .
فهذا العضو الصغير نسبياً له قدرة عجيبة في رسم صورةٍ ذات مساحة ثابتة على ( الشبكية ) ومن دون أن تفقد هذه الصورة خصائصها وألوانها وشكلها وحجمها وكذلك بُعدها عن العين...
نعم ... فالعين هي وسيلة الاتصال الوحيدة التي تربطنا وصور الأشياء في هذا العالم الذي حولنا ... ولولاها لما استطاع أيّ منا أن يرسم صورة صحيحة لأي شيء من الأشياء المحيطة بنا ، ولفقدت الأشياء صفة الجمال ولمساته اللطيفة وآثاره الطيبة على النفوس والقلوب ... فالعين تلتقط كل يوم آلاف الصور الجديدة لأشياء مختلفة ذات أحجام وأبعاد وألوان مختلفة جداً ، بل مليارات ، بل ترليونات العمليات تنجز في كل لحظة دون نصب أو تعب ، ودون إرادة أو تدبير منا ودون صيانة أو تشغيل !!
صور للأشياء، وصور للأحداث زماناً ومكاناً على الدوام ودون توقف، بحيث يعجز الواحد منا أن يحصي عدد الصور التي تلتقطها عيناه خلال سنة بل حتى خلال شهر أو أسبوع، فكيف بصور العمر كله !، هذا مع القدرة على خزن هذه الصور في الذاكرة وحفظ نسخ منها بحيث نستطيع تذكرها حين نراها مرة أخرى ولو بعد حين...
ولو أردنا أن نتصور جهازاً اصطناعيا يمكنه إنجاز كل هذه الأعمال ولو لفترة قصيرة محدودة فإننا نحتاج إلى مليارات الأجهزة الإلكترونية والتي قد لا يكفيها جزءاً كبيراً من مساحة كرتنا الأرضية لكي تستطيع إنجاز أساسيات وظيفة العين وتوابعها، هذا إذا تمكن الإنسان أن يصنع أجهزة تقوم بإنجاز وظيفة العين لأن مجرد تصور ذلك هو ضرب من الخيال حالياً !!!.
فأي حكمة، وأي علم، وأي عظمة جعلت هاتين الكرتين الصغيرتين تعملان بهذه الصورة العجيبة المدهشة، والتي طالما أبهرت عقول العلماء والباحثين، وحيرت الأطباء والدارسين ؟!.
أهي الطبيعة الصماء ؟ .. وثن القرن العشرين !!
أم هي الصدفة العمياء ؟ ... ملاذ المنكرين والمعاندين !!
بل هي صنع الله العليم الخبير، الذي أحسن كل شيء خلقه ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) [الزمر: 62]
وقد أشار الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى هذا العضو العجيب؛ لافتاً الأنظار وداعياً العقول إلى تدبر الآيات وعجائب الصنع التي يحتويها ، والتي تشير إلى الخالق سبحانه ، وإلى وحدانيته، وتبرهن على قدرته وعلمه وخبرته المطلقة فيه، شأنه شأن جميع أعضاء جسم الإنسان الأخرى ، وجميع المخلوقات التي تحمل دلائل وشواهد القدرة الإلهية المطلقة.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى هذا العضو العجيب لافتاً الأنظار وداعياً العقول إلى تدبر الآيات وعجائب الصنع التي يحتويها والتي تشير إلى الخالق سبحانه وإلى وحدانيته وتبرهن على قدرته وعلمه وخبرته المطلقة، شأنه شأن جميع أعضاء جسم الإنسان الأخرى وجميع المخلوقات التي تحمل دلائل وشواهد القدرة الإلهية المطلقة.
يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ) [البلد : 8].
ويقول أيضاً: (وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل : 78] .
وقد جاء ذكره (عز وجل) للعينين بصيغة استفهامية تدعو إلى التوقف والتدبر لغاية ولحكمة أرادها سبحانه فلم يكن ذكرهما عبثاً ولا مصادفة بل أرادنا جل شأنه أن نتفكر في آلائه وفي عجائب صنعه التي تشير إلى عظمة وحكمة الخالق سبحانه، فإن هذه الآيات وهذه العجائب مفتاح فهم معاني وأسرار أسمائه وصفاته فهي تخاطب العقول والقلوب وبالتالي فإنها السبيل إلى معرفة الله وتوحيده، ومن ثم القيام بواجب العبودية له وهي الغاية الكبرى التي خلق الله من أجلها الخلق، يقول جل شأنه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56].
ولهذا طالما دعانا سبحانه وتعالى في عدد كبير من آيات القرآن الكريم عجائب صنعه في خلق الإنسان أو الأنعام أو الأرض أو الكون والسموات أعقابها سبحانه بذكر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) [الروم : 21] وهذه الآيات هي لأصحاب العقول المؤمنة الشاكرة الذاكرة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران :190- 191]
هذا هو حال المؤمنين، وعلى كل مسلم أن يكون له حظ من هذا التفكر والتدبر في مخلوقات الله سبحانه، في حين قال جل شأنه عن الغافلين المعاندين: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف : 105].
ولهذا كان التفكر في بدائع الخلق وأسرار الكون والحكم والغايات التي خُلق من أجلها كل شيء هو منهج الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين والدعاة العاملين.
انظر إلى الكليم موسى عليه السلام وهو يقيم الحجة على فرعون الطاغية فيقول كما أخبر عنه تعالى في كتابه الكريم (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه : 50] ، (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ) [الشعراء : 24] فكانت قضية الخلق هي الحجة الكبرى لموسى عليه السلام. وهذا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان يخلو أياماً وليالي في غار حراء وهو يتأمل ويتفكر في آلاء الله وفي خلقه بعيداً عن سفاهة وتفاهة عقول قومه إلى أن جاءه الوحي قائلاً: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق : 1] فكانت بداية الوحي التأكيد على أن (الخالق) هو الله ولا شيء سواه.
وقد كان لهذا المنهج القرآني الأثر البالغ في تثبيت عقائد المسلمين ونزع الشكوك والقضاء على أباطيل الإلحاد والكفر في أشرس حملة قام بها أعداء الإسلام للقضاء على العقيدة الإسلامية في (تركيا) في عصرنا الحاضر، ولتثبيت العقيدة الإسلامية ورد كيد الأعداء من خلال التفكر في آيات الله التي أودعها مخلوقاته، فكانت براهين دامغة قاطعة واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار لا يبقي معها ظلام ولا يقف أمامها شك، وكانت سيفاً بتاراً قطع كل الشكوك وهدّ صرح الباطل الزائف وأثبت حقائق الإيمان وأعاد للشعب التركي عقيدته الربانية وما كان ليكون كذلك لولا أنه منهج رباني يستند إلى منهج القرآن في تثبيت العقائد وبيان حقائقها.
وسنتوقف إن شاء الله تعالى وقفات تأملية قصيرة نذكر فيها الشيء اليسير من عجائب الصنع والتدبير وبديع الخلق وجمال الصورة وروعتها وتناسق تكوينها وغايتها وحكمها تشكل بمجموعها لوحة فنية رائعة الجمال وكأنها ختم العظمة الإلهية ودليل القدرة الربانية جعله سبحانه على هذه اللوحة الرائعة شاهداً لنا يثبت قدرة الخالق ووحدانيته فلا يبقى معه شك أو ريب عسى أن ننتفع بها جميعاً فيزداد معرفتنا بالخالق سبحانه وتفتح بصائرنا على أنوار الحق لرؤية آيات الله سبحانه وفهم أسرارها وغاياتها يقول جل شأنه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت : 53]
اللهم اجعلنا من المتفكرين المتدبرين المتبصرين الذاكرين الشاكرين ...
يا أرحم الراحمين .. آمين.
أغمض عينيك لحظة .....
د. يونس إسماعيل الفهداوي / أخصائي طب وجراحة العيون
وأنت مغمض العينين حاول أن تتفكر... وتتصور وظيفة جهاز الإبصار أو الرؤية عندك وعند إخوانك من بني الإنسان.... بل حتى عند الحيوان ! .
فالعينان ، هاتان الكرتان الصغيرتان ، هما النافذة الوحيدة التي نطل من خلالها على عالم الأشياء ، ولولاهما لما قُدّر لنا أن نرى صور الأشياء المحيطة بنا .
نعم إنها النافذة الوحيدة ؛ وإن كانت صغيرة ، لكن صغرها لم يحل بينها وبين رؤية الأشياء كلها صغيرها وكبيرها ، فمن خلالها نشاهد الحلية وتراكيبها وأجزائها المجهرية ، ثم لا تلبث إلا قليلا حتى ترسم لنا مشهداً رائعاً فسيحاً حين نجول بأنظارنا بين الكواكب السحيقة في عالم المجرة الشاسع البعيد ..
فالمسافة بعيدة والبون شاسع والفارق كبير بين الصورة الأولى والصورة الأخرى .. لكن لكُلٍ جماله وروعته ودهشته !! .
فهذا العضو الصغير نسبياً له قدرة عجيبة في رسم صورةٍ ذات مساحة ثابتة على ( الشبكية ) ومن دون أن تفقد هذه الصورة خصائصها وألوانها وشكلها وحجمها وكذلك بُعدها عن العين...
نعم ... فالعين هي وسيلة الاتصال الوحيدة التي تربطنا وصور الأشياء في هذا العالم الذي حولنا ... ولولاها لما استطاع أيّ منا أن يرسم صورة صحيحة لأي شيء من الأشياء المحيطة بنا ، ولفقدت الأشياء صفة الجمال ولمساته اللطيفة وآثاره الطيبة على النفوس والقلوب ... فالعين تلتقط كل يوم آلاف الصور الجديدة لأشياء مختلفة ذات أحجام وأبعاد وألوان مختلفة جداً ، بل مليارات ، بل ترليونات العمليات تنجز في كل لحظة دون نصب أو تعب ، ودون إرادة أو تدبير منا ودون صيانة أو تشغيل !!
صور للأشياء، وصور للأحداث زماناً ومكاناً على الدوام ودون توقف، بحيث يعجز الواحد منا أن يحصي عدد الصور التي تلتقطها عيناه خلال سنة بل حتى خلال شهر أو أسبوع، فكيف بصور العمر كله !، هذا مع القدرة على خزن هذه الصور في الذاكرة وحفظ نسخ منها بحيث نستطيع تذكرها حين نراها مرة أخرى ولو بعد حين...
ولو أردنا أن نتصور جهازاً اصطناعيا يمكنه إنجاز كل هذه الأعمال ولو لفترة قصيرة محدودة فإننا نحتاج إلى مليارات الأجهزة الإلكترونية والتي قد لا يكفيها جزءاً كبيراً من مساحة كرتنا الأرضية لكي تستطيع إنجاز أساسيات وظيفة العين وتوابعها، هذا إذا تمكن الإنسان أن يصنع أجهزة تقوم بإنجاز وظيفة العين لأن مجرد تصور ذلك هو ضرب من الخيال حالياً !!!.
فأي حكمة، وأي علم، وأي عظمة جعلت هاتين الكرتين الصغيرتين تعملان بهذه الصورة العجيبة المدهشة، والتي طالما أبهرت عقول العلماء والباحثين، وحيرت الأطباء والدارسين ؟!.
أهي الطبيعة الصماء ؟ .. وثن القرن العشرين !!
أم هي الصدفة العمياء ؟ ... ملاذ المنكرين والمعاندين !!
بل هي صنع الله العليم الخبير، الذي أحسن كل شيء خلقه ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) [الزمر: 62]
وقد أشار الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى هذا العضو العجيب؛ لافتاً الأنظار وداعياً العقول إلى تدبر الآيات وعجائب الصنع التي يحتويها ، والتي تشير إلى الخالق سبحانه ، وإلى وحدانيته، وتبرهن على قدرته وعلمه وخبرته المطلقة فيه، شأنه شأن جميع أعضاء جسم الإنسان الأخرى ، وجميع المخلوقات التي تحمل دلائل وشواهد القدرة الإلهية المطلقة.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى هذا العضو العجيب لافتاً الأنظار وداعياً العقول إلى تدبر الآيات وعجائب الصنع التي يحتويها والتي تشير إلى الخالق سبحانه وإلى وحدانيته وتبرهن على قدرته وعلمه وخبرته المطلقة، شأنه شأن جميع أعضاء جسم الإنسان الأخرى وجميع المخلوقات التي تحمل دلائل وشواهد القدرة الإلهية المطلقة.
يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ) [البلد : 8].
ويقول أيضاً: (وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل : 78] .
وقد جاء ذكره (عز وجل) للعينين بصيغة استفهامية تدعو إلى التوقف والتدبر لغاية ولحكمة أرادها سبحانه فلم يكن ذكرهما عبثاً ولا مصادفة بل أرادنا جل شأنه أن نتفكر في آلائه وفي عجائب صنعه التي تشير إلى عظمة وحكمة الخالق سبحانه، فإن هذه الآيات وهذه العجائب مفتاح فهم معاني وأسرار أسمائه وصفاته فهي تخاطب العقول والقلوب وبالتالي فإنها السبيل إلى معرفة الله وتوحيده، ومن ثم القيام بواجب العبودية له وهي الغاية الكبرى التي خلق الله من أجلها الخلق، يقول جل شأنه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56].
ولهذا طالما دعانا سبحانه وتعالى في عدد كبير من آيات القرآن الكريم عجائب صنعه في خلق الإنسان أو الأنعام أو الأرض أو الكون والسموات أعقابها سبحانه بذكر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) [الروم : 21] وهذه الآيات هي لأصحاب العقول المؤمنة الشاكرة الذاكرة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران :190- 191]
هذا هو حال المؤمنين، وعلى كل مسلم أن يكون له حظ من هذا التفكر والتدبر في مخلوقات الله سبحانه، في حين قال جل شأنه عن الغافلين المعاندين: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف : 105].
ولهذا كان التفكر في بدائع الخلق وأسرار الكون والحكم والغايات التي خُلق من أجلها كل شيء هو منهج الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين والدعاة العاملين.
انظر إلى الكليم موسى عليه السلام وهو يقيم الحجة على فرعون الطاغية فيقول كما أخبر عنه تعالى في كتابه الكريم (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه : 50] ، (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ) [الشعراء : 24] فكانت قضية الخلق هي الحجة الكبرى لموسى عليه السلام. وهذا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان يخلو أياماً وليالي في غار حراء وهو يتأمل ويتفكر في آلاء الله وفي خلقه بعيداً عن سفاهة وتفاهة عقول قومه إلى أن جاءه الوحي قائلاً: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق : 1] فكانت بداية الوحي التأكيد على أن (الخالق) هو الله ولا شيء سواه.
وقد كان لهذا المنهج القرآني الأثر البالغ في تثبيت عقائد المسلمين ونزع الشكوك والقضاء على أباطيل الإلحاد والكفر في أشرس حملة قام بها أعداء الإسلام للقضاء على العقيدة الإسلامية في (تركيا) في عصرنا الحاضر، ولتثبيت العقيدة الإسلامية ورد كيد الأعداء من خلال التفكر في آيات الله التي أودعها مخلوقاته، فكانت براهين دامغة قاطعة واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار لا يبقي معها ظلام ولا يقف أمامها شك، وكانت سيفاً بتاراً قطع كل الشكوك وهدّ صرح الباطل الزائف وأثبت حقائق الإيمان وأعاد للشعب التركي عقيدته الربانية وما كان ليكون كذلك لولا أنه منهج رباني يستند إلى منهج القرآن في تثبيت العقائد وبيان حقائقها.
وسنتوقف إن شاء الله تعالى وقفات تأملية قصيرة نذكر فيها الشيء اليسير من عجائب الصنع والتدبير وبديع الخلق وجمال الصورة وروعتها وتناسق تكوينها وغايتها وحكمها تشكل بمجموعها لوحة فنية رائعة الجمال وكأنها ختم العظمة الإلهية ودليل القدرة الربانية جعله سبحانه على هذه اللوحة الرائعة شاهداً لنا يثبت قدرة الخالق ووحدانيته فلا يبقى معه شك أو ريب عسى أن ننتفع بها جميعاً فيزداد معرفتنا بالخالق سبحانه وتفتح بصائرنا على أنوار الحق لرؤية آيات الله سبحانه وفهم أسرارها وغاياتها يقول جل شأنه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت : 53]
اللهم اجعلنا من المتفكرين المتدبرين المتبصرين الذاكرين الشاكرين ...
يا أرحم الراحمين .. آمين.