مريمة
13-09-2005, 09:14 PM
عدم مراعاة ضوابط العقاب البدني عند تربية الطفل ..
عقاب الطفل مشروع في الإسلام ... استناداً إلى الحديث الشريف الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر .. وفرقوا بينهم في المضاجع " ..
وقد أجاز الفقهاء خاصة من تناول منهم قضايا تربية الطفل وتأديبه الترخيص للمربي باستخدام العقاب في حالة الصلاة وفي غيرها من الحالات التي تتطلب تأديب الطفل وتعليمه مكارم الأخلاق .. إلا أن تلك الإباحة عندهم , لا تفهم على إطلاقها , بل لقد أحاطوه بسياج قوي من القيود والضمانات الكفيلة بجعله يؤدي دوره في الإصلاح والتهذيب , وألا يكون غاية في حد ذاته أو وسيلة لتنفيس الغضب أو الانتقام من الطفل , ولا يخرج من إطار الإصلاح إلى التشفي والانتقام ..
وفيما يلي 12 شرطاً يجب الالتزام بهم عند تطبيق العقاب البدني :
أن يكون آخر ما يلجأ إليه المربي ..
نعم يجب أن تلجأ إليه بعد استنفاذ كافة الوسائل الكف الأخرى مع الطفل .. بحيث يأتي في ختام مرحلة طويلة تبدأ بالإثابة والتشجيع , ثم تجاهل الأخطاء الأولى , ثم النصيحة والتوجيه , ثم الزجر وإظهار الاستنكار والاستهجان , ثم العقوبات المعنوية المتنوعة والمتعددة الأشكال , ثم التهديد بالعقاب بالعقاب البدني , وقبول شفاعة الشفعاء فيه , ثم العقاب البدني نفسه في نهاية هذه الرحلة الطويلة التي وقف المربي في كل محطاتها .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
أن يتجنبه المربي وقت الانفعال والغضب ..
فلا يضرب وهو في حالة عصبية شديدة , وهذا ما يضمن بقاءه في إطار التأديب والتهذيب وتعديل السلوك , فلقد نهى رسول الله صلى اله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان .. وروي أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قد أمر بضرب رجل فلما أقيم الضرب قال : ( اتركوه ..) , ولما سئل في ذلك قال : ( وجدت في نفسي غضبا عليه فكرهت أن أضربه وأنا غضبان ) ..
وهو رضي الله عنه الذي كتب إلى أحد عمّاله : ( لا تعاقب عند غضبك , وإذا غضبت على رجل فاحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه وعاقبه على قدر ذنبه ) .
ولتقرأوا معنا القصة الواقعية التالية دون أي تعليق من جانبي .. فالوقائع والدلالات فيها تكاد تنطق ..
( دعيت سيدة تونسية في إحدى مدن الساحل إلى حضور حفل عيد ميلاد , فاصطحبت ابنها الصغير , وفي خضم الحفل وعند عرض مائدة الحلويات والمرطبات تجمع الكبار والصغار , وسال لعاب الجميع وببراءة الأطفال تقدم الطفل قليلاً ومد أصبعه فلمس شيئا من الحلوى .. إلا أن صاحبة الحفل احتجت على ذلك , ونعتت الطفل بانعدام التربية وقلة الذوق , ولامت الأم على اصطحابه .. وتفرّق الحفل ..
وبمجرد دخول الأم إلى المنزل انهالت سعلى فلذة كبها ضرباً ورفساً وركلاً حتى لم يعد المسكين قادراً على الحركة فألقت به في سريره وغطته , ورجع أبوه من عمله وسأل عنه , واتجه إلى السرير لإيقاظه فإذا هو جثة هامدة , وكان رد فعله عنيفا جدا فقد اختطف طنجرة كانت تغلي فوق الموقد وصبها على الأم القاتلة فأصابتها حروق بليغة عجزت المجهودات الطبية عن إسعافها , فلحقت بابنها وتركت زوجها في السجن )
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
التدرج في العقاب من الأخف إلى الأشد ..
يجب أن يتدرج العقاب من الأخف إلى الأشد على النحو التالي :
- ثواب بلا عقاب منذ الميلاد وحتى السنة الثانية . فليس من العدل عقاب الطفل في السنة الأولى وفي السنة الثانية .
- العقاب بتغيير ملامح الوجه تغييراً طفيفاً .وطفل الثالثة يلاحظ ذلك وقد يبكي ألماً حالما يرى الابتسامة غابت عن وجه أمه أو أبيه , ويمكن أخذ بعض ألعابه لقاء ما أتى به من عمل شاذ .
- العقاب بالحرمان من بعض المكافآت كوقت اللعب أو حلوى أو زيادة ... إلخ , حتى نهاية السنة السابعة .
- العقاب بالتأنيب اللفظي المعتدل والحرمان من المكافآت حتى العاشرة
- يسمح بالضرب التربوي في العاشرة حسب ما ورد في فقه التربية الإسلامية .
- استبدال الضرب بالتوبيخ اللفظي بالتدرج ثم الوصول إلى العقاب بالعتاب في حوالي العمر ( 12 – 14 ) .
- وما بعدها يصبح الولد صديقاً ( إذا كبر ابنك خاويه ) .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
عدم ضرب الوجه والرأس ..
لا مكان في التربية للصفعات واللكمات والركلات على أي جزء من الجسم بوجه عام , كما لا تجوز هي أو غيرها من العقوبات البدنية على الوجه والرأس وبصورة خاصة إذا حدثت في وقت انفعال شديد من جانب المربي .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه " .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أخذ الحصاة لرجم الغامدية بقوله : " ارموها واتقوا الوجه " .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
أن يكون الضرب في المرات الأولى من العقوبة غير شديد وغير مؤلم , وأن يكون على اليدين والرجلين بعصا غير غليظة ..
وأن تكون الضربات من واحدة إلى ثلاثة إذا كان الولد دون الحلم , وإذا شارف الولد على البلوغ ورأى المربي أن الضربات الثلاثة لا تردع .. فله أن يزيد حتى العشرة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى " .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
ألا يضرب الطفل قبل أن يبلغ العاشرة من العمر ..
وذلك أخذا بالحديث الذي سبق بيانه : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر .." .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
إذا كانت الهفوة من الولد لأول مرة .. فتعطى له الفرصة أن يتوب عما اقترف , ويعتذر عما فعل ..
نعم ويتاح له المجال لتوسط الشفعاء ليحولوا – ظاهريا – دون العقوبة مع أخذ العهد عليه .. حتى لا يعود للخطأ مرة ثانية , وهذا أولى من الالتجاء إلى الضرب أو التشهير به أمام الناس .
يجب أن لا توبخه على خطأ ارتكبه للمرة الأولى لعدم إدراكه للفعل الذي ارتكبه إلا بعد ارتكابه له , حتى وإن كنت قد حذّرته من قبل , ولنفترض أنك نبهته إلى الطريقة التي يشرب بها الحليب حتى لاينسكب على وجهه , لكنه لم يأخذ بتنبيهك وانسكب على وجهه , فإن التأديب يحسن أن يؤجل إلى أن يكرر هذا الفعل مرة أخرى فقد تكون نتيجة الفعل قد وفّرت له القناعة التي لم تكن متوفرة عنده حين تحذيرك له , ولكن إذا وجد المربي أن الأصلح هو الردع – لكبر الخطأ – منعا لمعاودته , هنا لا مانع من استعمال العقوبة الأشد لئلا يستهين بالذنب .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
أن يقوم المربي بضرب الولد بنفسه , ولا يترك هذا الأمر لأحد من الإخوة أو من الرفقاء ..
وذلك حتى لا تتأجج نيران الأحقاد والمنازعات ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
إذا ناهز الولد سن البلوغ والاحتلام , ورأى المربي أن العشر ضربات غير كافية في الردع فله أن يزيد ..
وله أن يوجع , وله أن يكرر .. حتى يرى الولد قد استقام على الجادة , ومشى في الحياة على هدى وصراط مستقيم ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
عدم اتخاذه وسيلة لفضح الطفل والتشهير به ..
فالعقاب البدني العلني لا يكون هو البداية أبداً .. إن الطفل يشعر بامتنان شديد إذا ضرب بعيداً عن العيون .. وقلنا له .. ( إننا أردنا بذلك ألا نفضحك أو نحرجك أمام الآخرين .. ) إن هذا سيكون أول دروس الاعتزاز بكرامته الإنسانية .. أما إذا تكرر الضرب في حضور المشاهدين بعضهم مشفق والآخر شامت .. والثالث مذعور , ويعرف الجميع سبب الضرب وقد يكون معيبا فنحن بذلك نفقد الطفل حياءه الغريزي , حيث أن المفضوح يكون عادة أقل حرصا ألا يفضح ثانية عن ذلك الذي سترناه ونحن نعاقبه .. فالأخير قد تركنا له الفرصة للتراجع والكف ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " ..
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة " ..
وكم يتضايق الطفل إن أدب أمام أطفال في مثل سنه فتجده يبكي ويصرخ , حتى لو سكت أمام الآخرين فإن الانفعال يغلي في أعماقه ويؤثر في نفسه .
وغني عن البيان أن ستر الطفل لا يتعلق فقط بالعقاب البدني .. وإنما بمختلف اضطراباته ومشاكله فالمربي الذي يتقي الله في أبنائه وأبناء الآخرين لا يفضح طفلاً سرق أو يشهّر بطفل يكذب أو يتبوّل لا إرادياً .
والستر هما غير التستر بالطبع , الستر عمل إيجابي .. والتستر جهد سلبي .. والستر يهدف إلى الإصلاح والتعديل وحفظ الكرامة وصيانة السمعة , أما التستر فهو فرصة متاحة للاستمرار على الدرب الخاطئ , لذا تجنب تأديب الطفل أمام الآخرين .
يقول الإمام الغزالي في عرضه لوظائف المرشد المعلم : ( أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح , وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ , فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار ) .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
العدالة في العقاب ..
العدل أصل من أصول التشريع الإسلامي , فضلا عن كونه واحداً من أهم المعايير التي يطلب من المسلم قياس سلوكه الحياتي في ضوئها .. والعدل ميزان الله تعالى في الأرض يؤخذ به للضعيف من القوي وللمحق من المبطل .. والعدل نقيض الظلم .. وقد حرم رب العزة والجلال الظلم على نفسه وأمر عباده بألا يتظالموا .. يقول تعالى : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " ..
ويقول تعالى : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " ..
ويقول أيضاً : " وما الله يريد ظلماً للعالمين " ..
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : " يا عبادي : إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .. " ..
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال : " اتقوا الظلم , فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " ..
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور , الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " ..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ضرب سوطا ظلماً اقتص منه يوم القيامة " ..
وهكذا فلا مناص أمام المربي المسلم من مراعاة منتهى الدقة في توقيع العقاب على الطفل بما يناسب ذنبه ولا يزيد , مراعيا أن تبقى عقوبته في دائرة العدل , وأن يظل بعيدا عن دائرة الظلم ما وسعه ذلك ..
ولكي يبقى العقاب في دائرة العدل علينا اجتناب ما يلي :
إيقاع العقاب على طفل واحد وترك بقية المخطئين !!
نعم .. لا بد من العدل في العقوبة بين الأطفال وإلا اهتزت في نفوسهم معاني المساواة والعدالة هزاً عنيفاً , فقد يتأثر الطفل إذا أذنب وحده وعوقب وحده , ولكنه يتأثر بشدة إذا ما عوقب على خطأ لم يعاقب على مثله أخ أو أخت له في المنزل ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
إيقاع العقاب على بريء ..
وهو أمر يتطلب من المربين مراعاة الحذر .. والتيقن التام من أن الخطأ المعاقب عليه قد صدر منه هو وليس من الآخرين .. ذلك أن الكثيرين من الأطفال يلجؤون في أحيان متكررة إلى شكل من أشكال الكذب الدفاعي أو الانتقامي , يلقون فيها بتبعة تصرفاتهم على أطفال آخرين حماية لأنفسهم من العقاب أو انتقاماً من هؤلاء الآخرين .. ويقدم الواحد منهم قصصاً مقنعة وأسانيد منطقية فتتحوّل عن عقابهم إلى عقاب الأبرياء ..
وقد يتكرر ذلك الأمر – لأن الطفل المتملص يكون ألسن وأقوى حجة من الآخر الذي قد لا يملك نفس القدرات – فينزوي المسكين ليجتر مشاعر القهر والظلم .. التي تكون وخيمة العواقب على نفسه ومستقبله .. وما دمنا بشراً – ومع تحري الحذر والدقة – فلا بد من أن نخطئ مرة ومرات ..
وهنا وفي ضوء مفاهيم الإسلام وأخلاقياته .. فإن أبسط حق لهذا المظلوم هو أن نعتذر له وأن نطيب خاطره فور اكتشافنا لما لحقه من ظلم .. ونحن بذلك نضرب عصفورين بنفس الحجر .. إذ نقطع الطريق على مضاعفات الظلم وآثاره الجانبية من ناحية , ونعلم الطفل فضيلة الاعتراف بالخطأ من ناحية ثانية ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل على تصرفات وسلوكيات صدرت عنه بالفعل ولكن على سبيل الخطأ أو النسيان أو الاستكراه ..
فمثلاً ليس من العدل أن نعاقب طفلاً طاشت يده عفواً فسكبت طعاماً على الأرض .. أو عاد دون أن ينجز بعض ما كلفناه به لأنه نسيه .. أو أجبره شقيقه الأكبر على القفز داخل بيت الجيران لإحضار الكرة .. أو لعب بزجاجة الحبر وانسكبت على الفراش .. إلخ تلك التصرفات التي كثيرا ما تصدر عن الأطفال ولا يمكن فيها أن نحكم بمسؤوليتهم المباشرة عنها وقد عفا الله سبحانه وتعالى عن الراشدين في حال صدور شبيهاتها منهم .. فكيف بالأطفال إذن !! ..
يقول تعالى : " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم " ..
ويقول الرسول : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل على خطأ سبب له ألما ..
فبعض الأفعال الخاطئة التي يقوم بها الطفل تسبب في نتائجها آلاماً له , وهذه الآلام تكون بالنسبة له وسيلة تأديب , وبالتالي ليس من العدل أن توبخه أنت أيضاً فتزيد من آلامه , وذلك كأن نكون قد حذّرناه من طريقته الخاطئة في تشغيل لعبته ولم يعمل بالتحذير فتعطلت لعبته وحزن عليها , فليس من العدل والصواب هنا أن نعاقبه لأنه لم يأخذ بتحذيرنا , فألمه النفسي على خسارته لعبته هو تأديب في حد ذاته ..
ولكن هذا لا يمنع أن نشرح له أن عدم أخذه للتحذير نتج عنه خسارته لعبته وأن عليه أن يتحمل نتيجة عمله .
ومن أمثلة ذلك أيضاً , عبثه الذي ينتج عنه رضة في جسمه أو جرح في يده أو رجله أو وجهه , على الرغم من تحذيرك له من عبثه ذاك .. فليس من المعقول أن نبادر إلى عقابه والدم يسيل منه والآلام توجعه , ولكن بعد أن نضمد جرحه ويهدأ ألمه يحسن أن نشرح له أنه لو أطاعنا لما حصل له الذي حصل .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل لكونه شقي ..
فالشقاوة عند الطفل ليست ظاهرة سلبية تعبر عن سوء الأدب وقلة التربية كما يظنها البعض وبالتالي يبدأون في وضع أنظمتهم المحكمة من القيود والكوابح , بل هي ظاهرة إيجابية وصحية في نمو الطفل , فضلاً عن أنها ظاهرة طبيعية بحكم مراحل النمو التي يمر بها الطفل , ولكن هذا لا يعني أن لا نقوم بنصحهم وضبط سلوكهم وإرشادهم .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل لكونه يعاني من مشكلات خارجة عن إرادته ..
فمثلاً : ليس من العدل عقاب طفل تأخر دراسياً والسبب في ذلك انخفاض قدراته العقلية عن المتوسط , وليس من العدل عقاب طفل لكونه يعاني من مشكلات واضطرابات مثل الخوف والغيرة واضطرابات نفسية في النوم والأكل والإخراج , فهو لا ينجح أبدا في إزالتها بل في الغالب يزيدها حدة ورسوخاً ويفرز بجوارها مشكلات نفسية .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل أو عدم تخفيف عقابه إذا اعترف بخطئه الصغير ..
و يترتب على عدم الالتزام بهذا الشرط عدم اعتراف الطفل بأي خطأ يرتكبه في المستقبل .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عدم الإفراط فيه أو جعله سياسة دائمة للتعامل مع الطفل ..
فإذا كان لا بد من العقاب البدني – ومع مراعاة كافة الأسس والضوابط السابق عرضها – فينبغي أن يكون أمرا شديد الندرة , قليل التكرار , في حياة الطفل .. بذلك يضمن المربي تحقيق الكثير من الاعتبارات الإيجابية :
أولها : أن يبقى ذلك العقاب ذا تأثير إيجابي في تعديل السلوك , لأنه إذا ما اعتاده الطفل فسيفقد تأثيره في إصلاح شأنه , لأنه كلما زاد تكرار العقاب كلما قل تأثيره على الطفل بل إنه يؤدي إلى العصيان وعدم الاستقرار أكثر فأكثر .
ثانيها : تلافي أكبر كم ممكن من آثاره السلبية ومضاعفاته .. إذ لا يمكن أن ندعي أن من غلبت العصا على تربيته يتمتع بنفس سوية أو شخصية متوازنة , فعادة ما تكون الثقوب والشروخ في نفسه كثيرة .
وما أروع ما ورد بمقدمة ابن خلدون في هذا الصدد وسبق به المعاصرين من علماء التربية بمئات السنين , إذ يقول :
( ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها , ودعا إلى الكسل , وحمل على الكذب والخبث , وهو التظاهر بغير ما في ضميره .. خوفاً منانبساط الأيدي بالقهر عليه , وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً , وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن – وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك , بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل , فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها وعاد في أسفل السافلين .. ) .
هكذا يلحظ القارئ فهماً علمياً مستنيراً لدى ابن خلدون لتأثيرات سيادة القهر والعقاب على نفسية الطفل .. من اكتئاب وتكاسل وكذب وخداع وسلبية وضعف ثقة بالنفس .. إلخ , ما عبر عنه المعاصرون فيما بعد بالعقد والاضطرابات النفسية الناتجة عن القسوة التي يتعرض لها الانسان في طفولته .
إن على المربي المسلم أن يدرك جيداً .. أنه ومع إباحة العقاب البدني في التربية .. إلا أنه لا يتمتع بأي أفضلية على ما سواه من الأساليب بل العكس هو الصحيح ... وأنه يستخدم في حالات نادرة ومع أطفال استنفدت معهم كافة الأساليب الأخرى .. ولكي نعي ذلك بصورة أكثر رسوخاً ونعرف موقع الضرب من التربية , نورد الحديث التالي : عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ولا دابة ولا شيئاً قط , إلا أن يجاهد في سبيل الله .. "
علينا أن ندرك أن الطفل ليس إلا ضيفاً جديداً على الأسرة والمجتمع يحتاج إلى وقت طويل , وصبر جميل , حتى يتعلم أنماط السلوك التي تنسجم مع عادات المجتمع , وتقاليده وآدابه , ثم قوانينه .. تماماً كما يحتاج القادم الأجنبي إلى وقت طويل وصبر جميل , حتى يجيد لغة القوم الذين يحل بينهم .
نعم يجب أن يعامل الطفل معاملة الضيف .. أليس من المؤسف حقا أن تحظى بعض الحيوانات الأليفة معاملة يحسدها عليها بعض الأطفال سواء في العناية أو في إنزال العقاب ؟!!
ومن خلال ما سبق يتضح أن التربية الإسلامية قد عنيت بموضوع العقوبة عناية فائقة سواء أكانت عقوبة معنوية أو عقوبة مادية .. وقد أحاطت هذه العقوبة بسياج من الشروط والقيود , فعلى المربين ألا يتجاوزوها وألا يتغاضوا عنها .. إن أرادوا لأولادهم التربية المثلى , ولأجيالهم الإصلاح العظيم .
مقتبس من كتاب سياسات تربوية خاطئة للأستاذ محمد ديماس
عقاب الطفل مشروع في الإسلام ... استناداً إلى الحديث الشريف الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر .. وفرقوا بينهم في المضاجع " ..
وقد أجاز الفقهاء خاصة من تناول منهم قضايا تربية الطفل وتأديبه الترخيص للمربي باستخدام العقاب في حالة الصلاة وفي غيرها من الحالات التي تتطلب تأديب الطفل وتعليمه مكارم الأخلاق .. إلا أن تلك الإباحة عندهم , لا تفهم على إطلاقها , بل لقد أحاطوه بسياج قوي من القيود والضمانات الكفيلة بجعله يؤدي دوره في الإصلاح والتهذيب , وألا يكون غاية في حد ذاته أو وسيلة لتنفيس الغضب أو الانتقام من الطفل , ولا يخرج من إطار الإصلاح إلى التشفي والانتقام ..
وفيما يلي 12 شرطاً يجب الالتزام بهم عند تطبيق العقاب البدني :
أن يكون آخر ما يلجأ إليه المربي ..
نعم يجب أن تلجأ إليه بعد استنفاذ كافة الوسائل الكف الأخرى مع الطفل .. بحيث يأتي في ختام مرحلة طويلة تبدأ بالإثابة والتشجيع , ثم تجاهل الأخطاء الأولى , ثم النصيحة والتوجيه , ثم الزجر وإظهار الاستنكار والاستهجان , ثم العقوبات المعنوية المتنوعة والمتعددة الأشكال , ثم التهديد بالعقاب بالعقاب البدني , وقبول شفاعة الشفعاء فيه , ثم العقاب البدني نفسه في نهاية هذه الرحلة الطويلة التي وقف المربي في كل محطاتها .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
أن يتجنبه المربي وقت الانفعال والغضب ..
فلا يضرب وهو في حالة عصبية شديدة , وهذا ما يضمن بقاءه في إطار التأديب والتهذيب وتعديل السلوك , فلقد نهى رسول الله صلى اله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان .. وروي أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قد أمر بضرب رجل فلما أقيم الضرب قال : ( اتركوه ..) , ولما سئل في ذلك قال : ( وجدت في نفسي غضبا عليه فكرهت أن أضربه وأنا غضبان ) ..
وهو رضي الله عنه الذي كتب إلى أحد عمّاله : ( لا تعاقب عند غضبك , وإذا غضبت على رجل فاحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه وعاقبه على قدر ذنبه ) .
ولتقرأوا معنا القصة الواقعية التالية دون أي تعليق من جانبي .. فالوقائع والدلالات فيها تكاد تنطق ..
( دعيت سيدة تونسية في إحدى مدن الساحل إلى حضور حفل عيد ميلاد , فاصطحبت ابنها الصغير , وفي خضم الحفل وعند عرض مائدة الحلويات والمرطبات تجمع الكبار والصغار , وسال لعاب الجميع وببراءة الأطفال تقدم الطفل قليلاً ومد أصبعه فلمس شيئا من الحلوى .. إلا أن صاحبة الحفل احتجت على ذلك , ونعتت الطفل بانعدام التربية وقلة الذوق , ولامت الأم على اصطحابه .. وتفرّق الحفل ..
وبمجرد دخول الأم إلى المنزل انهالت سعلى فلذة كبها ضرباً ورفساً وركلاً حتى لم يعد المسكين قادراً على الحركة فألقت به في سريره وغطته , ورجع أبوه من عمله وسأل عنه , واتجه إلى السرير لإيقاظه فإذا هو جثة هامدة , وكان رد فعله عنيفا جدا فقد اختطف طنجرة كانت تغلي فوق الموقد وصبها على الأم القاتلة فأصابتها حروق بليغة عجزت المجهودات الطبية عن إسعافها , فلحقت بابنها وتركت زوجها في السجن )
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
التدرج في العقاب من الأخف إلى الأشد ..
يجب أن يتدرج العقاب من الأخف إلى الأشد على النحو التالي :
- ثواب بلا عقاب منذ الميلاد وحتى السنة الثانية . فليس من العدل عقاب الطفل في السنة الأولى وفي السنة الثانية .
- العقاب بتغيير ملامح الوجه تغييراً طفيفاً .وطفل الثالثة يلاحظ ذلك وقد يبكي ألماً حالما يرى الابتسامة غابت عن وجه أمه أو أبيه , ويمكن أخذ بعض ألعابه لقاء ما أتى به من عمل شاذ .
- العقاب بالحرمان من بعض المكافآت كوقت اللعب أو حلوى أو زيادة ... إلخ , حتى نهاية السنة السابعة .
- العقاب بالتأنيب اللفظي المعتدل والحرمان من المكافآت حتى العاشرة
- يسمح بالضرب التربوي في العاشرة حسب ما ورد في فقه التربية الإسلامية .
- استبدال الضرب بالتوبيخ اللفظي بالتدرج ثم الوصول إلى العقاب بالعتاب في حوالي العمر ( 12 – 14 ) .
- وما بعدها يصبح الولد صديقاً ( إذا كبر ابنك خاويه ) .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
عدم ضرب الوجه والرأس ..
لا مكان في التربية للصفعات واللكمات والركلات على أي جزء من الجسم بوجه عام , كما لا تجوز هي أو غيرها من العقوبات البدنية على الوجه والرأس وبصورة خاصة إذا حدثت في وقت انفعال شديد من جانب المربي .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه " .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أخذ الحصاة لرجم الغامدية بقوله : " ارموها واتقوا الوجه " .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
أن يكون الضرب في المرات الأولى من العقوبة غير شديد وغير مؤلم , وأن يكون على اليدين والرجلين بعصا غير غليظة ..
وأن تكون الضربات من واحدة إلى ثلاثة إذا كان الولد دون الحلم , وإذا شارف الولد على البلوغ ورأى المربي أن الضربات الثلاثة لا تردع .. فله أن يزيد حتى العشرة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى " .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
ألا يضرب الطفل قبل أن يبلغ العاشرة من العمر ..
وذلك أخذا بالحديث الذي سبق بيانه : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر .." .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
إذا كانت الهفوة من الولد لأول مرة .. فتعطى له الفرصة أن يتوب عما اقترف , ويعتذر عما فعل ..
نعم ويتاح له المجال لتوسط الشفعاء ليحولوا – ظاهريا – دون العقوبة مع أخذ العهد عليه .. حتى لا يعود للخطأ مرة ثانية , وهذا أولى من الالتجاء إلى الضرب أو التشهير به أمام الناس .
يجب أن لا توبخه على خطأ ارتكبه للمرة الأولى لعدم إدراكه للفعل الذي ارتكبه إلا بعد ارتكابه له , حتى وإن كنت قد حذّرته من قبل , ولنفترض أنك نبهته إلى الطريقة التي يشرب بها الحليب حتى لاينسكب على وجهه , لكنه لم يأخذ بتنبيهك وانسكب على وجهه , فإن التأديب يحسن أن يؤجل إلى أن يكرر هذا الفعل مرة أخرى فقد تكون نتيجة الفعل قد وفّرت له القناعة التي لم تكن متوفرة عنده حين تحذيرك له , ولكن إذا وجد المربي أن الأصلح هو الردع – لكبر الخطأ – منعا لمعاودته , هنا لا مانع من استعمال العقوبة الأشد لئلا يستهين بالذنب .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
أن يقوم المربي بضرب الولد بنفسه , ولا يترك هذا الأمر لأحد من الإخوة أو من الرفقاء ..
وذلك حتى لا تتأجج نيران الأحقاد والمنازعات ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
إذا ناهز الولد سن البلوغ والاحتلام , ورأى المربي أن العشر ضربات غير كافية في الردع فله أن يزيد ..
وله أن يوجع , وله أن يكرر .. حتى يرى الولد قد استقام على الجادة , ومشى في الحياة على هدى وصراط مستقيم ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
عدم اتخاذه وسيلة لفضح الطفل والتشهير به ..
فالعقاب البدني العلني لا يكون هو البداية أبداً .. إن الطفل يشعر بامتنان شديد إذا ضرب بعيداً عن العيون .. وقلنا له .. ( إننا أردنا بذلك ألا نفضحك أو نحرجك أمام الآخرين .. ) إن هذا سيكون أول دروس الاعتزاز بكرامته الإنسانية .. أما إذا تكرر الضرب في حضور المشاهدين بعضهم مشفق والآخر شامت .. والثالث مذعور , ويعرف الجميع سبب الضرب وقد يكون معيبا فنحن بذلك نفقد الطفل حياءه الغريزي , حيث أن المفضوح يكون عادة أقل حرصا ألا يفضح ثانية عن ذلك الذي سترناه ونحن نعاقبه .. فالأخير قد تركنا له الفرصة للتراجع والكف ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " ..
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة " ..
وكم يتضايق الطفل إن أدب أمام أطفال في مثل سنه فتجده يبكي ويصرخ , حتى لو سكت أمام الآخرين فإن الانفعال يغلي في أعماقه ويؤثر في نفسه .
وغني عن البيان أن ستر الطفل لا يتعلق فقط بالعقاب البدني .. وإنما بمختلف اضطراباته ومشاكله فالمربي الذي يتقي الله في أبنائه وأبناء الآخرين لا يفضح طفلاً سرق أو يشهّر بطفل يكذب أو يتبوّل لا إرادياً .
والستر هما غير التستر بالطبع , الستر عمل إيجابي .. والتستر جهد سلبي .. والستر يهدف إلى الإصلاح والتعديل وحفظ الكرامة وصيانة السمعة , أما التستر فهو فرصة متاحة للاستمرار على الدرب الخاطئ , لذا تجنب تأديب الطفل أمام الآخرين .
يقول الإمام الغزالي في عرضه لوظائف المرشد المعلم : ( أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح , وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ , فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار ) .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_star.gif
العدالة في العقاب ..
العدل أصل من أصول التشريع الإسلامي , فضلا عن كونه واحداً من أهم المعايير التي يطلب من المسلم قياس سلوكه الحياتي في ضوئها .. والعدل ميزان الله تعالى في الأرض يؤخذ به للضعيف من القوي وللمحق من المبطل .. والعدل نقيض الظلم .. وقد حرم رب العزة والجلال الظلم على نفسه وأمر عباده بألا يتظالموا .. يقول تعالى : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " ..
ويقول تعالى : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " ..
ويقول أيضاً : " وما الله يريد ظلماً للعالمين " ..
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : " يا عبادي : إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .. " ..
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال : " اتقوا الظلم , فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " ..
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور , الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " ..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ضرب سوطا ظلماً اقتص منه يوم القيامة " ..
وهكذا فلا مناص أمام المربي المسلم من مراعاة منتهى الدقة في توقيع العقاب على الطفل بما يناسب ذنبه ولا يزيد , مراعيا أن تبقى عقوبته في دائرة العدل , وأن يظل بعيدا عن دائرة الظلم ما وسعه ذلك ..
ولكي يبقى العقاب في دائرة العدل علينا اجتناب ما يلي :
إيقاع العقاب على طفل واحد وترك بقية المخطئين !!
نعم .. لا بد من العدل في العقوبة بين الأطفال وإلا اهتزت في نفوسهم معاني المساواة والعدالة هزاً عنيفاً , فقد يتأثر الطفل إذا أذنب وحده وعوقب وحده , ولكنه يتأثر بشدة إذا ما عوقب على خطأ لم يعاقب على مثله أخ أو أخت له في المنزل ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
إيقاع العقاب على بريء ..
وهو أمر يتطلب من المربين مراعاة الحذر .. والتيقن التام من أن الخطأ المعاقب عليه قد صدر منه هو وليس من الآخرين .. ذلك أن الكثيرين من الأطفال يلجؤون في أحيان متكررة إلى شكل من أشكال الكذب الدفاعي أو الانتقامي , يلقون فيها بتبعة تصرفاتهم على أطفال آخرين حماية لأنفسهم من العقاب أو انتقاماً من هؤلاء الآخرين .. ويقدم الواحد منهم قصصاً مقنعة وأسانيد منطقية فتتحوّل عن عقابهم إلى عقاب الأبرياء ..
وقد يتكرر ذلك الأمر – لأن الطفل المتملص يكون ألسن وأقوى حجة من الآخر الذي قد لا يملك نفس القدرات – فينزوي المسكين ليجتر مشاعر القهر والظلم .. التي تكون وخيمة العواقب على نفسه ومستقبله .. وما دمنا بشراً – ومع تحري الحذر والدقة – فلا بد من أن نخطئ مرة ومرات ..
وهنا وفي ضوء مفاهيم الإسلام وأخلاقياته .. فإن أبسط حق لهذا المظلوم هو أن نعتذر له وأن نطيب خاطره فور اكتشافنا لما لحقه من ظلم .. ونحن بذلك نضرب عصفورين بنفس الحجر .. إذ نقطع الطريق على مضاعفات الظلم وآثاره الجانبية من ناحية , ونعلم الطفل فضيلة الاعتراف بالخطأ من ناحية ثانية ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل على تصرفات وسلوكيات صدرت عنه بالفعل ولكن على سبيل الخطأ أو النسيان أو الاستكراه ..
فمثلاً ليس من العدل أن نعاقب طفلاً طاشت يده عفواً فسكبت طعاماً على الأرض .. أو عاد دون أن ينجز بعض ما كلفناه به لأنه نسيه .. أو أجبره شقيقه الأكبر على القفز داخل بيت الجيران لإحضار الكرة .. أو لعب بزجاجة الحبر وانسكبت على الفراش .. إلخ تلك التصرفات التي كثيرا ما تصدر عن الأطفال ولا يمكن فيها أن نحكم بمسؤوليتهم المباشرة عنها وقد عفا الله سبحانه وتعالى عن الراشدين في حال صدور شبيهاتها منهم .. فكيف بالأطفال إذن !! ..
يقول تعالى : " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم " ..
ويقول الرسول : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ..
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل على خطأ سبب له ألما ..
فبعض الأفعال الخاطئة التي يقوم بها الطفل تسبب في نتائجها آلاماً له , وهذه الآلام تكون بالنسبة له وسيلة تأديب , وبالتالي ليس من العدل أن توبخه أنت أيضاً فتزيد من آلامه , وذلك كأن نكون قد حذّرناه من طريقته الخاطئة في تشغيل لعبته ولم يعمل بالتحذير فتعطلت لعبته وحزن عليها , فليس من العدل والصواب هنا أن نعاقبه لأنه لم يأخذ بتحذيرنا , فألمه النفسي على خسارته لعبته هو تأديب في حد ذاته ..
ولكن هذا لا يمنع أن نشرح له أن عدم أخذه للتحذير نتج عنه خسارته لعبته وأن عليه أن يتحمل نتيجة عمله .
ومن أمثلة ذلك أيضاً , عبثه الذي ينتج عنه رضة في جسمه أو جرح في يده أو رجله أو وجهه , على الرغم من تحذيرك له من عبثه ذاك .. فليس من المعقول أن نبادر إلى عقابه والدم يسيل منه والآلام توجعه , ولكن بعد أن نضمد جرحه ويهدأ ألمه يحسن أن نشرح له أنه لو أطاعنا لما حصل له الذي حصل .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل لكونه شقي ..
فالشقاوة عند الطفل ليست ظاهرة سلبية تعبر عن سوء الأدب وقلة التربية كما يظنها البعض وبالتالي يبدأون في وضع أنظمتهم المحكمة من القيود والكوابح , بل هي ظاهرة إيجابية وصحية في نمو الطفل , فضلاً عن أنها ظاهرة طبيعية بحكم مراحل النمو التي يمر بها الطفل , ولكن هذا لا يعني أن لا نقوم بنصحهم وضبط سلوكهم وإرشادهم .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل لكونه يعاني من مشكلات خارجة عن إرادته ..
فمثلاً : ليس من العدل عقاب طفل تأخر دراسياً والسبب في ذلك انخفاض قدراته العقلية عن المتوسط , وليس من العدل عقاب طفل لكونه يعاني من مشكلات واضطرابات مثل الخوف والغيرة واضطرابات نفسية في النوم والأكل والإخراج , فهو لا ينجح أبدا في إزالتها بل في الغالب يزيدها حدة ورسوخاً ويفرز بجوارها مشكلات نفسية .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عقاب الطفل أو عدم تخفيف عقابه إذا اعترف بخطئه الصغير ..
و يترتب على عدم الالتزام بهذا الشرط عدم اعتراف الطفل بأي خطأ يرتكبه في المستقبل .
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/li_moon.gif
عدم الإفراط فيه أو جعله سياسة دائمة للتعامل مع الطفل ..
فإذا كان لا بد من العقاب البدني – ومع مراعاة كافة الأسس والضوابط السابق عرضها – فينبغي أن يكون أمرا شديد الندرة , قليل التكرار , في حياة الطفل .. بذلك يضمن المربي تحقيق الكثير من الاعتبارات الإيجابية :
أولها : أن يبقى ذلك العقاب ذا تأثير إيجابي في تعديل السلوك , لأنه إذا ما اعتاده الطفل فسيفقد تأثيره في إصلاح شأنه , لأنه كلما زاد تكرار العقاب كلما قل تأثيره على الطفل بل إنه يؤدي إلى العصيان وعدم الاستقرار أكثر فأكثر .
ثانيها : تلافي أكبر كم ممكن من آثاره السلبية ومضاعفاته .. إذ لا يمكن أن ندعي أن من غلبت العصا على تربيته يتمتع بنفس سوية أو شخصية متوازنة , فعادة ما تكون الثقوب والشروخ في نفسه كثيرة .
وما أروع ما ورد بمقدمة ابن خلدون في هذا الصدد وسبق به المعاصرين من علماء التربية بمئات السنين , إذ يقول :
( ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها , ودعا إلى الكسل , وحمل على الكذب والخبث , وهو التظاهر بغير ما في ضميره .. خوفاً منانبساط الأيدي بالقهر عليه , وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً , وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن – وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك , بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل , فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها وعاد في أسفل السافلين .. ) .
هكذا يلحظ القارئ فهماً علمياً مستنيراً لدى ابن خلدون لتأثيرات سيادة القهر والعقاب على نفسية الطفل .. من اكتئاب وتكاسل وكذب وخداع وسلبية وضعف ثقة بالنفس .. إلخ , ما عبر عنه المعاصرون فيما بعد بالعقد والاضطرابات النفسية الناتجة عن القسوة التي يتعرض لها الانسان في طفولته .
إن على المربي المسلم أن يدرك جيداً .. أنه ومع إباحة العقاب البدني في التربية .. إلا أنه لا يتمتع بأي أفضلية على ما سواه من الأساليب بل العكس هو الصحيح ... وأنه يستخدم في حالات نادرة ومع أطفال استنفدت معهم كافة الأساليب الأخرى .. ولكي نعي ذلك بصورة أكثر رسوخاً ونعرف موقع الضرب من التربية , نورد الحديث التالي : عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما ولا دابة ولا شيئاً قط , إلا أن يجاهد في سبيل الله .. "
علينا أن ندرك أن الطفل ليس إلا ضيفاً جديداً على الأسرة والمجتمع يحتاج إلى وقت طويل , وصبر جميل , حتى يتعلم أنماط السلوك التي تنسجم مع عادات المجتمع , وتقاليده وآدابه , ثم قوانينه .. تماماً كما يحتاج القادم الأجنبي إلى وقت طويل وصبر جميل , حتى يجيد لغة القوم الذين يحل بينهم .
نعم يجب أن يعامل الطفل معاملة الضيف .. أليس من المؤسف حقا أن تحظى بعض الحيوانات الأليفة معاملة يحسدها عليها بعض الأطفال سواء في العناية أو في إنزال العقاب ؟!!
ومن خلال ما سبق يتضح أن التربية الإسلامية قد عنيت بموضوع العقوبة عناية فائقة سواء أكانت عقوبة معنوية أو عقوبة مادية .. وقد أحاطت هذه العقوبة بسياج من الشروط والقيود , فعلى المربين ألا يتجاوزوها وألا يتغاضوا عنها .. إن أرادوا لأولادهم التربية المثلى , ولأجيالهم الإصلاح العظيم .
مقتبس من كتاب سياسات تربوية خاطئة للأستاذ محمد ديماس