

قصة الأسرة المؤمنة
" آل عمران "
فقال سبحانه وتعالى :
( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا )
طه (99)
آل عمران إنها عائلة الأنبياء كانت مكونة من جد أسمه عمران من ذرية بنى إسرائيل
له زوجة صالحة أخرج الله من ذريته بنتين
الأولى تزوجها سيدنا زكريا عليه السلام الذى أنجب سيدنا يحيى عليه السلام على الكبر
والثانية أنجبت السيدة مريم العذراء أم المسيح عليه السلام
إنها عائلة الصلاح والتقوى خلد الله ذكرها فى سورة كاملة فى القرآن الكريم باسم "آل عمران"
هذه الأسرة كان فيها ثلاث انبياء وأمرأة صالحة أصطافها الله على نساء العالمين
قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)
آل عمران :33
آى شرف هذا الذى جعل الله يكرم هذه الاسرة فى كتابة المحفوظ إلى يكون الدين
إنها عائلة من نسل إسحاق أبن إبراهيم عليهما السلام والتى خرج منها جميع الأنبياء
ماعدا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو من نسل إسماعيل أبن إبراهيم
فيها كل ما يتمنى الإنسان أن يشمله
الصلاح , التقوى , الأيمان , النقاء , الطهارة
وهو ما يسعى إليه كل إنسان مؤمن
وهذا ما تؤكده هذه الآية الكريمة
قال تعالى :
(ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
آل عمران :34

كانت هذه الأسرة الكريمة تعيش فى أرض فلسطين فى عهد الرومان حيث ساد الظلم وقل الإيمان إلا فى هذه الأسرة
والعبر من هذه القصة كثيرة منها:
1
التأكيد على وحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه لا شريك له ولا ولد حيث بدأت سورة آل عمران بهذه الآية
وهذا يخرس ألسنة المشركون الذين يقولوا ثالث ثلاثة
قال تعالى :
( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )
آل عمران :2
وتتضمن السورة الكريمة أية عظيمة تؤكد أن الدين أصله وقاعدته توحيد الله وإفراده بالعبودية والاعتراف بانفراده
بصفات العظمة والكبرياء والمجد والعز والقدرة والجلال ونعوت الجود والبر والرحمة والإحسان والجمال
وبكماله المطلق الذي لا يحصى أحد من الخلق أن يحيطوا بشيء منه أو يبلغوه أو يصلوا إلى الثناء عليه
قال تعالى :
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
آل عمران : 18
2
تؤكد القصة على أن نعمة الإنجاب هى منحة من الله وليس لها اسباب فقد يرزق الله رجلا عجوزا
بالولد بعد أن شاب شعر رأسه ولكن بالدعاء والرجاء فى يرزق الله من يشاء
وهذا ماحدث مع عمران ظل هو وزوجته يتضرعان لله
قال تعالى :
(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا )
مريم :4
وعندما شعرت أمرأة عمران بالحمل وهبت ما فى بطنها لله تعالى وكانت تتمنى أن يكون ولدا ليكون خادما لله فدعت ربها قائلة
قال تعالى :
(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
آل عمران:35
فلما وضعت كان المولود أنثى فلم تحزن وقالت :
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى
وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
آل عمران: 36
الله الله على الإيمان عندما ايمانا حقيقيا
وكان هذا هو جزاء الله لهذه الام المؤمنة
فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها وصارت هذه المولودة الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور
وتربيت مريم تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية كملت بها أحوالها وصلحت بها أقوالها وأفعالها
بعد أن وفت أمها بالنذر ووهبتها لخدمة الله فى المسجد الأقصى
ونما فيها كمالها ويسر الله لها زكريا كافلا بعد أن توفى والدها
لأن الأحبار الذين كانوا يقومون بالخدمة فى المسجد يطمعون فى كفالة مريم لأنهم كانوا معجبون بها وبصفاتها وجمالها
فبدؤوا بتنازعون عليها كل واحد منهم يريد كفالتها
قال تعالى :
(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
آل عمران:35
كان الاحبار إذا أختلفوا على شئ رموا اقلامهم التى يكتبون بها التوراة فى الماء وكل قلم مكتوب عليه اسم صاحبه
فالقلم الذى يبقى ولا يجرى مع الماء يكون هو الفائز بما يختلفون عليه
فرمى الاحبار أقلامهم فذهبين مع الماء وبقى قلم زكريا
وكان زوج خالتها هو النبى زكريا هو الذى كفلها
فألحقها زكريا بالمسجد كخادمة لله وخصص لها محراب تتعبد فيه بعد الأنتهاء من عملها
وهذا من نعم الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين
ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسر لمريم من الرزق الحاصل بلا كد ولا تعب وإنما هو كرامة أكرمها الله بها
قال تعالى :
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا .. الأية)
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ ..)
وهو محل العبادة
وهذه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها
(وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)
آل عمران :37

كان زكريا عليه السلام كلما دخل على مريم فى محرابها وجد عندها فاكهة ليست فى أوانها
إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسر لمريم من الرزق الحاصل بلا كد ولا تعب وإنما هو كرامة أكرمها الله به
لما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها ذكره أن يسأل الله تعالى
وتمنى أن يكون له ولد وهو عجوز ولكن ليس هناك شئ كثير على قدرة الله الذى يرزق من يشاء بغير حساب فدعى ربه
قال تعالى :
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء)
آل عمران : 38
وبعد فترة من اللالحاح فى الدعاء استجاب له ربه
قال تعالى :
(فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ)
آل عمران : 39
وهذا يبين لنا أن الله يستجيب دعوة المؤمن اذا الح فى الدعاء واخلص النية لله
وكانت البشرى بأنه سيرزق ولد سيكون فى المستقبل نبيا من الصالحين
وعلى الرغم من ذلك فقد كانت المفاجأة قوة على سيدنا زكريا الذى بلغ من الكبر عتيا فأخذ يسأل ربه
قال تعالى :
(قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء )
آل عمران : 40
وكان رد الله عليه أن الله يفعل ما يشاء وقت ما يشاء فكن فيكون لأنه الفعال لما يريد الذي قد انقادت الأسباب لقدرته
ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت.
فطلب زكريا من الله أن يكون له آية ليحصل السرور والاستبشار لتفرح النفس ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف
قال تعالى :
(قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)
آل عمران : 41
فطلب منه الله أن يصوم عن الكلام ثلاثة ايام ولا يتحدث مع الناس إلا بالاشارة
وأن يكثر من ذكر الله والتسبيح بحمده تعالى فى أول النهار وأخره
فمنع من الكلام في هذه المدة فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر
وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى
فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار وشكر الله وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشاي والأبكار
وكان هذا المولود هو سيدنا يحيى عليه السلام الذى كان نبيا بعد ذلك وقتله الرومان
وكانت مريم أبنة خالة يحيى
وقد بشر الله زكريا بأبنه يحيى الذى سماه الله ولم يكن هذا الاسم معروفا من قبل وأنه سيكون بارا به وبولدته و ممطهرا من الذنوب وسيكون نبيا منذ صباه
قال تعالى :
(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا , وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا, وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا)
مريم :12 :14
وحياه الله فقال عنه
(وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)
مريم :15
وذلك يقتضي سلامته من الشيطان والشر والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها
وأنه سالم من النار والأهوال ومن أهل دار السلام
فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين
ولقد قتل يحيى بمكيدة من الرومان
يتبع





تعليق